خبير عسكري إسرائيلي: نخوض المعركة الخاطئة في الوقت الخاطئ
تاريخ النشر: 2nd, January 2026 GMT
اعتبر اللواء احتياط في جيش الاحتلال الإسرائيلي ولخبير العسكري إسحاق بريك، أن "إسرائيل" تواجه في كانون الأول/ يناير 2026 "واقعاً أمنياً معقداً يتطلب تحليلاً دقيقاً ومتأنياً"، قائلا إن التهديد لا يقتصر على بُعد واحد، بل يتألف من ثلاث دوائر واضحة.
وأوضح بريك في مقال نشرته صحيفة "معاريف" أن "الدائرة الأولى هي القتال الشرس ضد حماس وحزب الله على الحدود المباشرة؛ والدائرة الثانية تشمل وكلاء إيران في اليمن والعراق وسوريا؛ أما الدائرة الثالثة فهي إيران نفسها - رأس الحربة، الساعية إلى الهيمنة الإقليمية والقدرة النووية".
وأضاف أن "التركيز شبه الحصري على قطاع غزة خلال العامين الماضيين كان فشلاً ذريعاً. فبينما كانت إسرائيل تُهدر مواردها على مناورات محلية واستنزاف مستمر، كانت التهديدات في دوائر بعيدة تتصاعد. وبدلاً من إدارة استراتيجية تستشرف المستقبل لعقد من الزمان، انجررنا إلى استنزاف لا نهاية له في ساحات ثانوية. ما نحتاجه الآن هو نقاش معمق حقاً، يسعى إلى اتخاذ قرار بشأن النقاط الحاسمة بدلاً من إدارة الأزمات المستمرة".
وأشار إلى أنه "لفهم حجم التحدي، يمكننا النظر إلى دولة إسرائيل كجهاز توجيه قوي في شبكة عالمية. جهاز التوجيه ليس مجرد قناة لنقل البيانات، بل هو العقل المدبر الذي يقرر كيفية إدارة عرض النطاق الترددي. عندما تُثقل الشبكة بضغوط متعددة، يُفعّل جهاز التوجيه آليات تحديد الأولويات: فتركيز كل الطاقة على عنوان واحد يُعرّض باقي النظام للخطر، وقد يؤدي إلى انهياره. وينطبق الأمر نفسه على واقعنا الأمني".
وذكر أنه "على غرار جهاز التوجيه الذي يحمي الشبكة بجدار ناري، يجب على إسرائيل توجيه قوتها العسكرية والسياسية إلى مواطن الخطر الوجودي الحقيقي. من المستحيل توفير استجابة قصوى في كل نقطة نهاية في آن واحد. تكمن الاستراتيجية الصحيحة في توجيه الموارد - "حزم المعلومات" - بذكاء إلى الوجهات التي تضمن استقرار النظام بأكمله".
وأكد أنه "يجب على إسرائيل أن تُدرك أن الولايات المتحدة هي محورها الاستراتيجي الحاسم. في عهد إدارة ترامب، ثمة حاجة إلى خطة عمل للعقد القادم تضمن لإسرائيل تفوقها النوعي. وهذا يعني إنشاء "هيكل شبكي" مشترك مع واشنطن، هيكلٌ من شأنه احتواء إيران وتمكين بناء تحالفات إقليمية جديدة".
وأوضح "تتطلب الاعتبارات السياسية أيضاً تنازلات مؤلمة. فليس من المنطقي الإصرار على التمسك بنقطة تكتيكية واحدة على حساب خسارة الدعم الاستراتيجي في ميادين أخرى. قد يكون التنازل المحسوب في مكان ما مفتاحاً لتعزيز غير مسبوق في مكان آخر، وهو أمر بالغ الأهمية للأمن القومي".
وقال إنه "لتحقيق هذا المفهوم، لا بد من تحول هيكلي في المؤسسة الدفاعية. تحت قيادة رئيس الأركان إيال زامير والمدير العام لوزارة الأمن أمير بارام ، يكمن التحدي في بناء قوة لا تقتصر على كونها قوية فحسب، بل ذكية ومرنة أيضاً. ويُطلب من زامير تحويل مركز الثقل من الاستنزاف الثابت على الحدود إلى بناء قدرات هجومية متعددة الأبعاد في الدائرة الثالثة، بما يُحقق ردعاً حقيقياً وتوازناً في مكافحة الإرهاب، بالتزامن مع التحالفات مع الولايات المتحدة ودول أخرى".
واعتبر بريك أنه "في الوقت نفسه، يجب على بارام أن يقود عملية تعزيز البنية التحتية: تعزيز الاستقلالية في الإنتاج في المجالات الحيوية إلى جانب تعزيز العلاقات مع الصناعات الدفاعية الأمريكية، لضمان عدم انقطاع القدرة اللوجستية لإسرائيل في لحظة الحقيقة".
وأكد أن "المعضلة المركزية لعام 2026 مؤلمة ولكنها حتمية: كيف يمكن اتخاذ القرارات في الساحات الثانوية دون الوقوع في عبودية لها؟ إن محاولة التوصل إلى قرار نهائي في كل زقاق في غزة أو جنوب لبنان قد تُثقل كاهل "الموجه" الإسرائيلي في اللحظة التي تُحرز فيها إيران تقدماً نحو امتلاك أسلحة نووية. يكمن الحل في تبني نموذج صيانة ذكية في الساحات المباشرة - التكنولوجيا، والعوائق المتطورة، والقوى العاملة الماهرة ولكن المحدودة - لتحرير الجزء الأكبر من الموارد للتعامل مع رأس الأخطبوط".
واختتم بالقول: "لا يمكن لإسرائيل أن تتحمل عقدًا آخر من الانشغال بمعالجة الأزمات. يجب أن يقوم التنسيق المطلوب بين القيادة السياسية وهيئة الأركان العامة ووزارة الدفاع على فهم بسيط: الموارد محدودة، لكن الإبداع لا حدود له. إذا تصرفنا كجهاز توجيه ذكي - نحدد تهديدات الغد، ونرتب أولويات قوتنا بشكل صحيح، ونحافظ على اتصالنا بالشبكة العالمية - فسنضمن ليس فقط الأمن، بل والازدهار أيضًا في العقد القادم".
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة دولية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية الاحتلال الإسرائيلي غزة إسرائيل غزة الاحتلال جيش الاحتلال صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة صحافة صحافة سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
“إسرائيل” بين مأزق إيران واستنزاف لبنان
تكشف بعض التحليلات الإسرائيلية في الصحف عن حالة قلق متزايدة داخل المؤسسة السياسية والعسكرية في إسرائيل، في لحظة تبدو فيها الحرب مفتوحة على أكثر من جبهة، فيما تتزايد الصعوبة في تحويل التفوق العسكري إلى إنجازات سياسية واضحة. فبينما تستعد إسرائيل لاحتمال استئناف المواجهة مع إيران، تغرق قواتها أكثر فأكثر في واقع استنزافي على الجبهة اللبنانية، وسط تصاعد الخسائر البشرية، وغياب أفق سياسي أو عسكري واضح للحرب.
وتعكس هذه التحليلات حالة من الإحباط والارتباك داخل إسرائيل، لكنها لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تعيش “انهياراً استراتيجياً” كما يذهب بعض المراقبين. فإسرائيل ما تزال تمتلك تفوقاً عسكرياً واستخباراتياً كبيراً، وتحظى بدعم أمريكي وغربي واسع، إلا أن الأزمة الحالية تكمن في عجز هذا التفوق عن إنتاج حسم سياسي أو عسكري واضح، سواء في غزة أو لبنان أو حتى في المواجهة مع إيران.
منذ انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018م، راهنت إسرائيل بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على سياسة “الضغط الأقصى” ضد إيران، باعتبارها الطريق الأقصر لدفع طهران إلى التراجع أو القبول بشروط أمريكية ـ إسرائيلية جديدة. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذه السياسة لم تحقق أهدافها بالكامل، بل ساهمت في تسريع البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، وتحويل الصراع إلى مواجهة مفتوحة يصعب حسمها بسرعة.
ورغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية، لم تُظهر إيران استعداداً لتقديم تنازلات جوهرية، فيما تبدو واشنطن نفسها مترددة في الانخراط بحرب إقليمية واسعة. ويبرز هنا تردد ترامب بصورة خاصة، فهو يدرك أن أية مواجهة مفتوحة مع إيران قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة اقتصادياً وسياسياً، في وقت يواجه فيه تحديات داخلية تتعلق بالتضخم وتراجع شعبيته. ولذلك تبدو تصريحات ترامب المتناقضة أحياناً ـ بين التهديد بالهجوم والتراجع عنه ـ انعكاساً لمحاولة الموازنة بين دعم إسرائيل وتجنب الانجرار إلى حرب غير مضمونة النتائج.
كما تكشف بعض التحليلات الإسرائيلية عن اعتراف ضمني بأن التفوق العسكري، مهما كان حجمه، لا يكفي وحده لفرض نتائج سياسية حاسمة. فإسرائيل قادرة على إلحاق دمار واسع بخصومها، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في ترجمة هذا التفوق إلى “صورة نصر” مستقرة وطويلة الأمد. وربما لهذا السبب تميل بعض الكتابات الإسرائيلية إلى استخدام لغة درامية وتحذيرات مبالغ فيها أحياناً، ليس فقط لوصف الواقع، بل أيضاً للضغط على الحكومة، أو تحميل القيادة السياسية مسؤولية الإخفاقات، أو الدفع نحو تغيير في إدارة الحرب.
لكن الأزمة الأكثر وضوحاً تظهر في الجبهة اللبنانية. فبعد أشهر طويلة من الحرب، لا يبدو أن الجيش الإسرائيلي نجح في تغيير الواقع الميداني بشكل جذري. فالقوات الإسرائيلية تتمركز داخل شريط حدودي محدود، فيما يواصل حزب الله فرض معادلة الاستنزاف عبر المسيّرات والكمائن والاشتباكات اليومية.
وتكشف بعض النقاشات داخل إسرائيل عن قلق متزايد من تحوّل الوضع في جنوب لبنان إلى نسخة معدّلة من تجربة “الحزام الأمني” في التسعينيات، حين تحولت القوات الإسرائيلية إلى أهداف يومية داخل الأراضي اللبنانية. وقد تحدث ضباط إسرائيليون عن أن القوات تتجنب التحرك نهاراً خشية المسيّرات، وتؤجل كثيراً من عملياتها إلى ساعات الليل، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي يفرضه حزب الله على حركة الجيش الإسرائيلي في الميدان.
لكن هذه المقارنات، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تعيش تكراراً كاملاً لتجربة الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000م، بقدر ما تعكس تنامي القلق من الانزلاق إلى حرب طويلة بلا أهداف واضحة أو قدرة على الحسم، في ظل تآكل تدريجي لصورة الردع التي حاولت إسرائيل ترميمها منذ بداية الحرب.
وتظهر في إسرائيل أيضاً انتقادات داخلية غير مسبوقة يوجهها ضباط وقادة عسكريون للمؤسسة العسكرية نفسها. فهناك حديث واضح عن ضعف الانضباط، وتكرار الأخطاء العملياتية، وغياب التفكير الاستراتيجي، بل وحتى عن “مناخ عسكري” يجرّم الشك المهني ويعتبر الحذر ضعفاً.
وتعكس هذه الانتقادات أزمة أعمق داخل الجيش الإسرائيلي، الذي خاض خلال السنوات الأخيرة حروباً متواصلة من دون أن ينجح في إنتاج عقيدة قتال قادرة على التعامل مع الحروب غير التقليدية. فالحلول المتكررة ما تزال تقوم على “المزيد من التدمير” و”المزيد من القوة النارية”، رغم أن التجارب المتراكمة في غزة ولبنان أثبتت محدودية هذا النهج.
ويبدو أن المؤسسة العسكرية باتت أسيرة خطاب سياسي يرفع سقف الأهداف إلى حد يصعب تحقيقه. فشعار “النصر المطلق” الذي روّج له نتنياهو وحكومته تحول تدريجياً إلى عبء على الجيش نفسه، لأن الواقع الميداني لا يقدم أي مؤشرات على إمكانية تحقيقه، بينما تتزايد الخسائر البشرية وتتآكل الجبهة الداخلية في الشمال.
وفي مقالات لعدد من المحللين الإسرائيليين، بينهم عاموس هرئيل في صحيفة هآرتس، يجري الحديث عن حالة شلل داخل منظومة الحكم الإسرائيلية، في ظل غياب نقاش استراتيجي حقيقي حول أهداف الحرب ومآلاتها. فالمؤسسات السياسية والأمنية تبدو عاجزة عن بلورة رؤية واضحة، فيما تخشى المؤسسة العسكرية الاصطدام بالتيار اليميني المتطرف داخل الحكومة حتى لا تُتهم بالانهزامية أو التقصير.
ما ترسمه هذه الصورة في النهاية ليس مشهد “انهيار” إسرائيلي بقدر ما هو مشهد لدولة تواجه مأزقاً استراتيجياً متزايداً. فإسرائيل ما تزال تملك قوة عسكرية هائلة، لكنها تجد صعوبة متزايدة في ترجمة هذه القوة إلى إنجاز سياسي حاسم أو استقرار طويل الأمد.
وربما تكمن المفارقة الأهم في أن إسرائيل، التي دخلت هذه الحروب تحت شعار “استعادة الردع”، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر تعقيداً: جبهات مفتوحة، وقوات مستنزفة، وضغط داخلي متزايد، فيما تبدو القيادة السياسية عاجزة عن الاعتراف بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لصناعة النصر، وأن الحروب التي تبدأ بلا أهداف واقعية أو أفق سياسي واضح قد تتحول سريعاً إلى استنزاف طويل ومكلف للجميع.
كاتب فلسطيني