عنوانه هويته الايمانية ..جيل يستطيع أن يقول “لا للإنحراف “
تاريخ النشر: 3rd, January 2026 GMT
عادل حويس
تعتبر الأسرة الخلية الأولى في نسيج المجتمع ومنها تنطلق أولى خطوات التربية والتعليم التي تشكل وعي الإنسان وتحدد مسار شخصيته. ففي أحضان الأسرة تغرس القيم وتبنى الأخلاق وتكتسب المهارات التي تهيئ الفرد ليكون لبنة صالحة في مجتمعه. ومع تسارع وتيرة الحياة وتعقد التحديات المعاصرة من الانفتاح الإعلامي الهائل إلى تغير النمط الاجتماعي تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة تصور دور الأسرة التربوي والتعليمي ليس كمسؤولية روتينية بل كمشروع استثماري واع يهدف لتنمية إنسان متكامل قادر على الموازنة بين ثوابت هويته ومتطلبات عصره.
إن جوهر التربية الأسرية الناجحة لا يكمن في التلقين أو فرض السيطرة بل في تحقيق توازن دقيق بين عدة أضلاع تشكل معاً منظومة متكاملة. وأول هذه الأضلاع هو التوازن بين الحزم واللين وهو فن تربوي عظيم.
فالحزم الحقيقي ليس قسوة أو تسلطا بل هو وضع حدود واضحة تمنح الطفل الإحساس بالأمان والاستقرار وتعلمه احترام القواعد. أما اللين فهو ليس ضعفا أو تساهلا بل هو التواصل بالحكمة والرحمة والإنصات لمشاعر الطفل وتقديم التوجيه ضمن إطار من المحبة. فالتربية الفعالة هي التي تعرف متى تكون صارمة في المبدأ رحيمة في الأسلوب مستلهمة في ذلك الهدي النبوي الذي جمع بين الهيبة والمودة.
وهذا التوازن يحول دون الوقوع في مصيدتين خطرتين: التربية المتسلطة التي قد تنتج طفلاً خائفا أو متمردا في الخفاء والتربية المتساهلة التي قد تربي طفلا أنانيا لا يحتمل رفض طلب أو تأجيل رغبة.
ويأتي الضلع الثاني متمثلاً في التربية بالقدوة وهي من أنجع الأساليب تأثيراً. فالأبناء يمتصون السلوكيات من محيطهم قبل أن يستوعبوا النصائح الموجهة إليهم.
إذ لا فائدة من خطاب يحث على الصدق إذا شهد الطفل مخالفة الوالدين لذلك، أو حديث عن بر الوالدين دون أن يرى التطبيق العملي لهذا البر في تعامل والديه مع أجداده. فالأسرة هي المسرح الأول الذي يشهد عليه الطفل دروساً عملية في الأخلاق والتعامل والالتزام مما يجعل من الوالدين نموذجا حيا يتعلم منه الأبناء بشكل تلقائي وعميق.
أما الضلع الثالث فيتمثل في الانتقال من أسلوب الأوامر المباشرة إلى أسلوب المشاركة والتوجيه غير المباشر. لقد عفا الزمن على نموذج المربي الآمر الناهي الذي يصدر التعليمات دون مناقشة. فالتربية الحديثة تعتمد على احترام عقل الطفل وشخصيته وذلك من خلال أساليب مثل إشراكه في الحوار الأسري وتشجيعه على التعبير عن آرائه في شؤون العائلة، ومنحه خيارات ضمن حدود معقولة وتعليمه تحمل المسؤوليات المناسبة لسنه.
إن تشجيع الطفل على ترتيب غرفته أو المشاركة في التخطيط لرحلة عائلية أو إدارة ميزانية مصغرة أثناء هذه الرحلة كلها تدريبات عملية تغرس فيه قيما كالتنظيم والمشاركة والمسؤولية المالية وهي أكثر تأثيرا من أي محاضرة نظرية.
ولا يمكن إغفال التحدي الضخم الذي تمثله وسائل الإعلام والفضاء الرقمي الذي أصبح شريكا -وأحيانا منافسا- للأسرة في عملية التربية. إذ يقضي الأطفال والشبان ساعات طويلة أمام الشاشات يتلقون منها قدرا هائلاً من المعلومات والقيم والمفاهيم التي قد تتعارض مع ما تزرعه الأسرة. وهذا يحتم على الوالدين عدم الانكفاء على دور المراقب السلبي بل يفرض عليهم تطوير “تربية إعلامية” وقائية. وذلك يكون بترشيد الاستهلاك الإعلامي ومشاهدة بعض المحتوى مع الأبناء ومناقشته معهم لتنمية قدراتهم النقدية وملء أوقات فراغهم بأنشطة بديلة نافعة وجذابة كالرياضة والقراءة والمشاركة في حلقات تعليمية.
كما أن خلق بيئة أسرية جاذبة، مليئة بالأنشطة التفاعلية مثل جلسات النقاش العائلية و”المجلس الاستشاري” للأسرة وتبادل القصص والتجارب يسحب البساط من تحت تأثير الشاشات ويعزز الروابط العاطفية والفكرية داخل الأسرة.
وأخيراً يبقى الهدف الأسمى للتربية والتعليم الأسري هو بناء الشخصية المتكاملة القادرة على التفكير النقدي واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. وهذا يتطلب من المربي التركيز على تنمية الضمير الأخلاقي الداخلي لدى الطفل أكثر من اعتماده على الرقابة الخارجية والعقاب.
كما أن التشجيع والتحفيز الإيجابي عبر الكلمات الطيبة والثناء على المجهود وليس فقط النتيجة له أثر أعمق وأبعد مدى من النقد المستمر أو العقوبات القاسية التي قد تضعف الثقة بالنفس.
إن تربية جيل يعرف حدوده ويحترم غيره ويثق بقدراته وهويته ويستطيع أن يقول “لا” للانحراف هي الثمرة الحقيقية للجهد التربوي الواعي الذي يجمع بين حكمة الموروث وحاجات العصر بين أصالة المبادئ ومرونة الأساليب ليكون البيت حقا مدرسة الإنسان الأولى وأهمها.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.