في لحظات التحوّل الكبرى في تاريخ الأمم، تظهر مشاريع فكرية تتجاوز حدود التاريخ، وتتشكل بوصفها استجابة واعية لخطر وجودي يهدد الدين والهوية والكرامة،  في هذا السياق، برزت المسيرة القرآنية في اليمن كمشروع نهضوي حمل بعدًا فكريًا وعمليًا، وتصدّر مشهدها الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي، رضوان الله عليه ، الذي قدّم قراءة قرآنية للواقع في واحدة من أخطر المراحل التي مرت بها الأمة العربية والإسلامية، لم تكن المسيرة القرآنية رد فعل عابر، بل جاءت كموقف مسؤول في ذروة الاستهداف الصهيوأمريكي للمنطقة، حين كانت مشاريع الهيمنة تُعاد صياغتها سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا، وحين تراجعت الكثير من الأصوات عن القيام بدورها التاريخي.

يمانيون / تقرير / طارق الحمامي

 

مرحلة الانكسار العربي وصعود الهيمنة
لفهم المسيرة القرآنية، لا بد من العودة إلى السياق الإقليمي والدولي الذي سبق انطلاقتها، والذي تميّز بعدة تحولات مفصلية، أهمها انهيار منظومات التوازن الدولي بعد نهاية الحرب الباردة، وفرض النموذج الأمريكي كقوة مهيمنة سياسيًا وثقافيًا، وتوسع المشروع الصهيوني بدعم أمريكي وغربي مفتوح، في مقابل تراجع المواقف العربية، وتصاعد مظاهر الحرب الناعمة التي تستهدف الوعي والهوية، إلى جانب الحروب العسكرية المباشرة، وفي هذا المناخ، لم يكن الخطر مقتصرًا على الأرض أو السيادة السياسية، بل امتد ليطال الدين والقيم ومنظومة الوعي، وهو ما اعتبره الشهيد القائد جوهر المعركة الحقيقية.

 

 الانطلاق من خيار المسؤولية لا من حسابات المصلحة
تميّز موقف الشهيد القائد بأنه لم ينطلق من منطق المكاسب السياسية أو ردود الأفعال، بل من خيار المسؤولية الإيمانية والأخلاقية، فقد قدّم موقفه باعتباره واجبًا قرآنيًا في زمن الصمت، ورأى أن أخطر ما تواجهه الأمة ليس قوة العدو فحسب، بل حالة الاستسلام الداخلي وفقدان البوصلة، وهذا الخيار لم يكن سهلًا في بيئة شديدة الحساسية، لكنه شكّل انتقالًا من حالة التلقي إلى حالة الفعل، ومن ردّ الفعل إلى بناء الموقف ، وهو ما أكده السيد القائد عبدالملك بدر  الدين الحوثي  يحفظه الله في معرض حديثه عن المسؤولية كخيار انتهجه الشهيد القائد في موقفه : ((من العناصر المهمة التي يمتاز بها هذا الموقف وهذا الخيار، هو ضمان حكمته وضمان صوابيته، لا يمكن بأيِّ حالٍ من الأحوال أن يكون الموقف الذي يرشد إليه القرآن الكريم، ويحدده القرآن الكريم، والخيار الذي يعتمد على القرآن الكريم، لا يمكن أن يكون موقفاً خاطئاً، ولا يمكن أن يكون موقفاً عشوائياً وسلبياً)) .

المنهج القرآني كضمانة للموقف
أحد أبرز عناصر التميّز في المسيرة القرآنية هو التأكيد المستمر على أن القرآن الكريم هو الضمانة الأساسية، ضمان الحكمة، عبر فهم سنن الله في الصراع والتغيير، وضمان الصوابية، من خلال الاحتكام إلى القيم والمبادئ لا إلى موازين القوة وحدها، وضمان القوة المعنوية، المستمدة من الثقة بالله واليقين بعدالة القضية، وضمان الثبات والاستمرارية، باعتبار أن الموقف القرآني لا يخضع للتقلبات، ولم يُقدَّم القرآن كنص وعظي منفصل عن الواقع، بل كدليل عملي لتشخيص العدو، وفهم أدواته، وبناء مشروع المواجهة، وقدم السيد القائد الصورة العميقة لهذا النهج بقوله : (( عندما نتجه وفق الخيار الذي رسمه القرآن الكريم، فنحن حينئذٍ نتحرك ونتبنى الموقف الذي هو جزءٌ من التزامنا الإيماني، والتزامنا الديني، والتزامنا الإسلامي الذي نتمسك به، ونصرُّ عليه، وندرك أنه لا مجال للمساومة عليه، ولا للخروج عنه، إلَّا ونخل بالتزامنا الإيماني والتزامنا الديني)) .

شمولية الرؤية واتساع مجالاتها
انطلقت المسيرة القرآنية من خلال رؤية شاملة امتدت إلى مختلف مجالات الحياة، على المستوى السياسي من خلال التأكيد على الاستقلال ورفض الوصاية الخارجية،وكل أشكالها ، وعلى المستوى الإقتصادي في الدعوة إلى العدالة ومواجهة الفساد، وهو أيضاً على المستوى الإعلامي من خلال بناء وعي إيماني  يقف في مواجهة التضليل وتزييف الحقائق وكل أشكال الحرب الناعمة ، من خلال إحياء القيم الإيمانية والمسؤولية الجماعية، حتى في  المجال الأمني والعسكري فهو منهج يدعو إلى الدفاع عن الأرض والكرامة، هذه الشمولية جعلت المسيرة تتحول إلى مشروع حضوري مؤثر في الواقع، وقابل للبقاء .

ختاماً
نشأت المسيرة القرآنية في لحظة تاريخية فارقة، وقدمت نفسها كمشروع وعي وموقف في زمن الاستهداف الشامل، ومهما تباينت القراءات حولها،  فإنها أصبحت مشروع  عزة وكرامة واستعادة الهوية الإيمانية ، مشروع ترك بصمة واضحة في مسار الأحداث ، وكان استشهاد القائد المؤسس الشهيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، تتويجاً لمسار أيده الله بالنصر، وهنا يلخص السيد القائد حفظه الله مسيرة الشهيد القائد الخالدة بقوله : (( مع أنَّ هذا المشروع القرآني الذي يمتلك شرعية القرآن الكريم، شرعية الحق، شرعية الأصالة الدينية والإسلامية التي ننتمي إليها، مع أنه تحرَّك منذ يومه الأول بخطوات حكيمة وسليمة وصحيحة فيها الخير لأبناء الأمة، وليس هناك ما يبرر آنذاك للسلطة حتى من ناحية الدستور والقانون العداء لهذا المشروع، والوقوف ضد هذا المشروع، مشروع لخير الأمة، مشروع صحيح وسليم، مشروع لا يتجه لحساب مصالح شخصية، أو فئوية، أو حزبية. أبداً، مشروع لكل الأمة، لخير الأمة كلها، وضد الأعداء الذين يشكِّلون خطورةً كبيرة على الأمة بكلها، وصولاً إلى الاستهداف بالحروب، والحرب الأولى التي أدَّت إلى استشهاد السيد حسين بدر الدين الحوثي “رضوان الله تعالى عليه”، بكل ما يمثله ذلك من خسارة رهيبة وفادحة لإنسانٍ عظيم يمتلك هذه الرؤية الفريدة، ويجسِّدها في روحيته وفي أخلاقه، وتحرك في تلك المرحلة، لم يساوم، ولم يتراجع أبداً؛ لأنه حمل روحية القرآن، لأن هذا المشروع يمتلك من عناصر القوة في الروحية، في النظرة الصحيحة، في قوة الموقف، في الثبات على الموقف، ما يجعل الإنسان صامداً وثابتاً في مواجهة كل التحديات مهما بلغت، ولأنه يمتلك كل هذه العناصر، بقي قائماً هذا المشروع بالرغم من كل التحديات والصعوبات والمحاربة الشرسة جداً، وفي كل تلك المراحل وإلى اليوم، واليوم المعركة قائمة على أشدها)) .

# السيد القائد#المسيرة القرآنية#الهوية الإيمانيةالثقافة القرآنيةالحوثيالعدو الصهيوأمريكيالوعيزمن الهيمنة

المصدر

المصدر: يمانيون

كلمات دلالية: المسیرة القرآنیة الشهید القائد القرآن الکریم الدین الحوثی السید القائد هذا المشروع من خلال

إقرأ أيضاً:

لماذا الغدير؟  قراءة تحليلية في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني

في كل عام، ومع حلول الثامن عشر من ذي الحجة، يتجدد حضور مناسبة الغدير في الوجدان الشعبي والإيماني لقطاع واسع من أبناء اليمن، بوصفها مناسبة ذات امتدادات دينية وتاريخية وثقافية عميقة. ومع كل موسم احتفاء، يبرز سؤال يتكرر على ألسنة البعض: لماذا الاحتفال بالغدير بعد مرور قرون طويلة على وقوعه؟ وما الذي يجعل هذه المناسبة حاضرة بقوة في الواقع المعاصر؟
هذا السؤال لا يقتصر على كونه استفساراً تاريخياً، بل يتجاوز ذلك إلى مناقشة طبيعة العلاقة بين الأمة وذاكرتها الدينية، وبين الحاضر والجذور الفكرية التي تشكل هويتها الحضارية والإيمانية.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الغدير.. استحضار للهوية وليس استدعاءً للماضي

تنطلق الرؤية المطروحة من اعتبار أن الاحتفاء بالغدير ليس حدثاً طارئاً أو ممارسة مستحدثة، وإنما يمثل امتداداً لتراث اجتماعي وثقافي متجذر في اليمن منذ أجيال طويلة، حيث عرف اليمنيون هذه المناسبة وأحيوا ذكراها تحت مسميات شعبية مختلفة، من أبرزها “يوم النشور”، في دلالة على عمق حضورها في الوعي الجمعي، ومن هذا المنطلق، فإن الاحتفال بالغدير لا يُنظر إليه باعتباره استدعاءً لحدث تاريخي منقطع الصلة بالواقع، بل باعتباره استحضاراً لمعانٍ وقيم ومبادئ ما تزال حاضرة ومؤثرة في حياة الأمة، تماماً كما تستحضر الشعوب محطات تاريخها الكبرى وأحداثها المؤسسة لهويتها.

إشكالية الانتقائية في قراءة التاريخ

تثير الرؤية تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة التعاطي مع التاريخ الإسلامي، إذ تشير إلى وجود حالة من الانتقائية في قبول بعض الأحداث ورفض أخرى، فإذا كان الحديث عن الغزوات الإسلامية الكبرى، أو عن مراحل الدول الأموية والعباسية والعثمانية، أمراً طبيعياً ومقبولاً في المجال الثقافي والفكري، فلماذا يصبح الحديث عن واقعة الغدير أو فضائل أهل البيت محل اعتراض أو تشكيك؟، هذا التساؤل يكشف عن جدل أعمق يتعلق بمعايير قراءة التاريخ الإسلامي، وما إذا كانت تخضع لموازين علمية موضوعية أم لتأثيرات مذهبية وسياسية تراكمت عبر القرون.

الغدير امتداد طبيعي لسيرة حجة الوداع

من أبرز الأفكار التي تطرحها هذه الرؤية أن حادثة الغدير لا يمكن فصلها عن سياق حجة الوداع نفسها، فالمسلمون يتحدثون باستفاضة عن مناسك الحج وخطبة عرفات وأحداث الرحلة النبوية الأخيرة، باعتبارها جزءاً من السيرة النبوية الشريفة، وبالتالي فإن تناول ما جرى في غدير خم يُعد امتداداً طبيعياً لذلك التسلسل التاريخي، وليس حدثاً منفصلاً أو طارئاً على السردية الإسلامية، وبحسب هذا المنظور، فإن واقعة الغدير تمثل محطة من محطات الرسالة المحمدية التي تستحق الدراسة والبحث والفهم شأنها شأن بقية الأحداث الكبرى المرتبطة بالسيرة النبوية.

البعد القرآني لمفهوم الولاية

تؤكد الرؤية أن أهمية الغدير لا تنبع من الحدث التاريخي فحسب، بل من ارتباطه بجملة من الآيات القرآنية التي تستدعي التأمل في مفاهيم الإمامة والولاية والطاعة والاقتداء، وتطرح تساؤلات فكرية حول دلالات عدد من الآيات التي تتناول مفهوم الولاية وأولي الأمر والإمامة والقيادة الإيمانية، معتبرة أن فهم هذه النصوص يشكل جزءاً من مسؤولية المسلم في تدبر القرآن الكريم واستيعاب معانيه، وفي هذا السياق، يُقدَّم الغدير بوصفه مناسبة لإعادة قراءة تلك المفاهيم القرآنية واستحضار مضامينها في الواقع العملي للأمة.

الولاية كمنظومة قيم لا كشعار عاطفي

من أهم الدلالات التي يبرزها الخطاب المرتبط بالغدير أن الولاية ليست مجرد شعار يُرفع أو مناسبة تُحتفل بها، بل منظومة أخلاقية وسلوكية متكاملة، فالاقتداء بالإمام علي عليه السلام، وفق هذه الرؤية، لا يقتصر على إعلان المحبة أو إحياء الذكرى، وإنما يتمثل في استلهام قيم العدالة والزهد والعلم والشجاعة والنزاهة والتضحية التي جسدها في حياته،
ومن هنا تتحول المناسبة من حدث احتفالي إلى محطة تربوية وأخلاقية تهدف إلى بناء الإنسان المؤمن الواعي والقادر على حمل مسؤولياته الدينية والاجتماعية.

الغدير وتصحيح مفاهيم الولاء والانتماء

في ظل واقع تتداخل فيه الانتماءات الحزبية والمذهبية والمصالح الضيقة، تطرح مناسبة الغدير رؤية مختلفة لمفهوم الولاء، فالموالاة، بحسب هذا الفهم، لا ينبغي أن تقوم على العصبيات أو الانتماءات الضيقة، وإنما على معيار الحق والعدل والقيم الإيمانية، وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في زمن تتسع فيه الانقسامات وتتصاعد فيه النزاعات الفكرية والسياسية، حيث يُقدَّم نموذج الإمام علي عليه السلام باعتباره نموذجاً للقيادة المرتبطة بالمبادئ لا بالمصالح.

البعد الثقافي والاجتماعي للغدير في اليمن

لا يمكن فصل الاحتفاء بالغدير عن خصوصيته اليمنية، إذ تمثل المناسبة جزءاً من الموروث الثقافي والديني لشرائح واسعة من المجتمع اليمني، وتتحول فعاليات الغدير في كثير من المناطق إلى مساحة لتعزيز الروابط الاجتماعية، وإحياء قيم التكافل والتراحم وصلة الأرحام، إلى جانب دورها في ترسيخ الوعي الديني والثقافي، كما تعكس المشاركة الشعبية الواسعة في هذه المناسبة حالة من الارتباط الوجداني بالرموز الإسلامية الجامعة التي تمثل جزءاً من الهوية التاريخية للمجتمع اليمني.

بين الذاكرة والواقع

تكشف الرؤية المطروحة أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نحتفل بالغدير؟، بل ربما يكون السؤال الأعمق: كيف يمكن للأمة أن تحافظ على ذاكرتها الدينية والتاريخية وأن تستفيد من دروسها في بناء حاضرها ومستقبلها؟، فالأمم لا تعيش بلا ذاكرة، والمجتمعات التي تفقد صلتها برموزها وقيمها المؤسسة تصبح أكثر عرضة للتيه الفكري والتشظي الثقافي، ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الغدير باعتباره مناسبة لاستحضار معاني القيادة الصالحة والارتباط بالقرآن الكريم والاقتداء بالقيم التي جسدها الإمام علي عليه السلام، بما يسهم في تعزيز الوعي والبصيرة وترسيخ الهوية الإيمانية للأمة.

ختاما ..

يبقى الغدير أكثر من مجرد ذكرى تاريخية؛ فهو محطة لاستحضار معاني الولاء للحق والاقتداء بالنموذج الإسلامي الأصيل، وفرصة لتجديد الصلة بالقيم القرآنية والنبوية التي شكلت أساس الرسالة الإسلامية، وبغض النظر عن اختلاف القراءات والاجتهادات حول بعض تفاصيله التاريخية أو العقدية، فإن المناسبة تظل حاضرة في الوعي الشعبي والثقافي بوصفها جزءاً من التراث الإسلامي الذي يستدعي الدراسة والفهم والحوار الهادئ، بعيداً عن التعصب والانغلاق، وصولاً إلى ترسيخ ثقافة المعرفة والبصيرة والوعي.

مقالات مشابهة

  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • وجبات خفيفة ومشروبات.. تخصيص المساجد والمدارس القرآنية لمترشحي البكالوريا
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • إنفوجرافيك | لماذا الغدير؟  قراءة في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
  • من النول إلى الخشبة: قراءة في العرض الهندي رقصة النسيج
  • لماذا الغدير؟  قراءة تحليلية في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
  • فيدان: تركيا ترغب في التعاون مع اليابان بالطائرات المسيرة
  • الهلال الأحمر المصري يطلق قافلة «زاد العزة» 206 لدعم الأشقاء الفلسطينيين
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • الهلال الأحمر المصري يطلق قافلة «زاد العزة» 204 لدعم الأشقاء الفلسطينيين