بشكل متسارع وعلى طريقة الأفلام الهوليودية، اختارت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن تفاجئ العاصمة الفنزويلية فجر السبت 3 يناير/كانون الثاني، بتفجيرات دقيقة، تلاها الخبر الصاعق باعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته واقتيادهما خارج البلاد، في غضون ساعة.
ورغم تضارب الأخبار وتسارعها، فإن أغلب زعماء منطقة أميركا اللاتينية لم يستعجلوا التصريح بمواقفهم مما حدث، وبدوا متوجسين في انتظار حسم تموضعهم أمام هذا التطور الخطير الذي يلوح بأن تهديدات الرئيس ترامب للحكومات الممانعة، لا تعترف بأي قوانين دولية.
وسط الحيرة التي خلفها القصف الأميركي على فنزويلا من ناحية واختطاف رئيسها وزوجته من ناحية أخرى، تُجمع آراء المحللين اللاتينيين في أغلبها على أن انتهاك سيادة فنزويلا، "بحجة ملاحقة الرئيس مادورو"، هو انتهاك سافر لكل المنطقة، وأنه تعبير فصيح على أن أميركا اللاتينية بأكملها ليست سوى شرفة خلفية حرفيا للولايات المتحدة
ولعل الصادم في الأمر أن تبيّن تفاصيل الهجوم في حد ذاته، اتسم بالارتباك على مستوى أداء وسائل الإعلام اللاتينية في بدايته. كما أن توقيت وطريقة تنفيذ الهجوم زادا المشهد تعقيدا، حيث تم الأمر في أولى ساعات فجر أول نهاية أسبوع في العام الجديد، وكشف عدم استعداد وسائل الإعلام لحدوث أمر جلل في المنطقة في لحظته، وتهميشها له بعد مرور ليلة رأس السنة دون تسجيل أي هجوم. وهو التوقيت الذي كان متوقعا، بعد أن أقدمت إدارة الرئيس ترامب على تنفيذ هجمات على نيجيريا ليلة احتفال عيد الميلاد.
ويبدو أن استبعاد حدوث تطور قريب في الأزمة الفنزويلية، جعل تغطية الإعلام الحكومي في بلدان مثل كولومبيا مضطربة، ومختصرة في البرازيل، والمكسيك. أما الإعلام الحليف لواشنطن لا سيما في الأرجنتين، وتشيلي وكولومبيا أيضا، فقد بدت تغطيته الدسمة والمُهللة للحدث، وكأنها متأهبة للأمر.
على مستوى زعماء المنطقة، وكما كان متوقعا، سارع الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو بنشر تغريدات متتالية فور وقوع الحدث، مؤكدا أن قصف فنزويلا يتطلب اجتماعا عاجلا لمنظمة الدول الأميركية والأمم المتحدة. ثم أصدر بعد ذلك بيانا أكثر تفصيلا، شدد فيه على رفض الحكومة الكولومبية أي عمل عسكري أحادي الجانب من شأنه أن يعرض السكان المدنيين للخطر، فضلا عن "التزام بلاده غير المشروط" بالمعايير الدولية الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، وخاصة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، وحظر استخدام القوة أو التهديد باستخدامها، والتسوية السلمية للنزاعات الدولية.
إعلانكما دعا الرئيس بيترو إلى الحفاظ على السلام الإقليمي، وحث جميع الأطراف المعنية على الامتناع عن الأعمال التي من شأنها تعميق المواجهة وإعطاء الأولوية للحوار والقنوات الدبلوماسية.
وقام في نفس السياق بدعوة مجلسه الوزاري إلى اجتماع عاجل لمعالجة الوضع، مع إعطاء أوامر فورية بتأمين حدود بلاده عسكريا، مع الجارة فنزويلا.
وتزامن رد فعل الرئيس الكولومبي مع نظيره الكوبي ووزير خارجيته اللذين أعربا بدورهما عن الرفض القاطع الخطوة "المتهورة" التي أقدمت عليها واشنطن، واتهماها بممارسة الإرهاب ضد الشعب الفنزويلي والقارة الأميركية.
في المقابل، غابت البرازيل والمكسيك عن التفاعل مع الحدث في ساعاته الأولى، وعكس غياب ردود فعل زعيميهما توجسا مس من رمزية خطابيهما المدافع بشدة عن سيادة بلدان المنطقة، أمام تصاعد التصريحات المتعالية والمهينة في أغلب الأحيان للرئيس الأميركي ترامب، لا سيما في فترته الرئاسية الحالية.
ومن جانبه، نشر الرئيس البوليفي اليساري السابق إيفو موراليس، فور انتشار خبر التفجيرات تغريدة وصف فيها القصف الأميركي لفنزويلا بالعدوان الإمبريالي الوحشي، وأعرب عن تضامنه مع الشعب الفنزويلي في المقاومة، قائلا "فنزويلا ليست وحدها!"
أما باقي زعماء المنطقة ووسائل الإعلام الحليفة لهم، فقد اتسمت ردود فعلهم بالتهليل والإشادة بأداء الرئيس ترامب، وعلى رأسهم الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي الذي احتفل بالقصف الأميركي على كراكاس، واعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته على إثر تأكد الخبر مباشرة، بإعادة نشره من موقع "إنفوباي"، أميركي الهوى والتمويل، مرفقا إياه بالشعار الشعبوي لحزبه، الذي تحول إلى عنوان "احتفال بأي إنجاز مجنون" في المنطقة.
وأمام حالة الدهشة والصدمة التي سيطرت على مختلف التيارات السياسية والرأي العام في أميركا اللاتينية، لا سيما بعد نشر الجانب الأميركي بعض مقاطع الفيديو التي تعكس توغل عدد من مسيراته داخل العاصمة كاراكاس وتأكيد خبر اعتقال الرئيس مادورو وزوجته واقتيادهما خارج البلاد، أصبح السؤال الملح في الوقت الحاضر: هل أن ما حدث يعكس هشاشة الجهاز الاستخباراتي والعسكري الفنزويلي وعجزه عن حماية رئيس البلاد في أكثر حالة طوارئ تعيشها البلاد؟ أم أن الأمر يتعلق بخيانة تؤكد صراع أجنحة حاد داخل النظام، تواطأ أحدها مع الجانب الأميركي، أو أحكم قبضته على الرئيس مادورو وأجبره على الاستسلام؟
والأكثر من ذلك، لم تكتفِ بعض الروايات بالتلميح إلى احتمال وجود خيانة داخل الجسم الفنزويلي، بل مضت إلى التساؤل عن غياب دور الحليفين الروسي والصيني في تحذير الرئيس مادورو من الخطة الأميركية؟ والتلميح إلى فكرة "التضحية به" مقابل "غنائم" أخرى لهما في أوكرانيا، وفي تايوان، وذلك في إطار صفقة مع الرئيس ترامب وفق إيمانه بأولويات عقيدة "دونرو" التي أصبحت شعار المرحلة: "أميركا للأميركيين".
وقد حظيت هذه القراءة ببعض الزخم، لا سيما بعد رد الفعل الباهت الذي اتخذته السفارة الروسية في فنزويلا، على إثر الهجوم، كأول رد فعل من موسكو، حيث نشرت تغريدة ذكرت فيها أن مكاتبها لم تتأثر بالهجمات، وذكرت أنها تحافظ على اتصالات مع السلطات الفنزويلية. وقال السفير سيرغي مليك باغداساروف إن "الحي الذي تقع فيه السفارة والمناطق المجاورة لم تتعرض للهجوم"، وأضاف أن موظفي البعثة يواصلون عملهم.
إعلانالغريب في الأمر، أن تصريحات المسؤولين الفنزويليين لم تكن مشبعة لأسئلة الرأي العام، وبدت متناقضة نسبيا، حيث لم يصرحوا بأي تفصيل عن حيثيات الحدث غير المسبوق في اعتقال القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي وزوجته واقتيادهما خارج فنزويلا، ولم يشيروا إلى كيفية حدوث اختراق البلاد بتلك النجاعة.
واكتفت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز بالاعتراف بأنها لا تعلم مكان وجود الرئيس، مطالبة الجانب الأميركي بإعطاء "دليل على حياته". أما وزير الداخلية ديوسدادو كابيو، وهو الرجل الثاني في نظام الزعيم الراحل هوغو شافيز، فقد خرج بخوذة وسترة واقية للرصاص إلى شوارع كاراكاس مطمئنا المواطنين قائلا "ثقوا بنا لتجاوز هذا الوضع". ووصف وزير الدفاع فلاديمير بادرينو الهجوم بأنه "حقير وجبان" وأضاف "لقد تعرضنا للهجوم، لكنهم لن يكسرونا".
ووسط الحيرة التي خلفها القصف الأميركي على فنزويلا من ناحية واختطاف رئيسها وزوجته من ناحية أخرى، تُجمع آراء المحللين اللاتينيين في أغلبها على أن انتهاك سيادة فنزويلا، "بحجة ملاحقة الرئيس مادورو"، هو انتهاك سافر لكل المنطقة، وأنه تعبير فصيح على أن أميركا اللاتينية بأكملها ليست سوى شرفة خلفية حرفيا للولايات المتحدة، تستبيحها عاجلا أم آجلا متى تشاء، دون أدنى اعتبار للقوانين الدولية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات أمیرکا اللاتینیة الرئیس مادورو الرئیس ترامب من ناحیة لا سیما على أن
إقرأ أيضاً:
ترامب يعين توم باراك مبعوثًا خاصًا إلى سوريا والعراق
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعيين سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توم باراك مبعوثًا رئاسيًا خاصًا إلى سوريا، إضافة إلى تكليفه بمنصب مبعوث رئاسي خاص إلى العراق، في خطوة تعكس توجه الإدارة الأمريكية نحو تعزيز حضورها الدبلوماسي والسياسي في ملفات الشرق الأوسط، وتوسيع نطاق التنسيق مع حكومتي دمشق وبغداد خلال المرحلة المقبلة، وفق ما جاء في بيان نشره ترامب وأكد فيه استمرار باراك في مهامه الحالية كسفير لدى تركيا بالتوازي مع مسؤولياته الجديدة.
وقال ترامب إن توم باراك قدم أداءً متميزًا خلال الفترة الماضية، مشيرًا إلى أن اختياره لهذه المهمة يأتي في إطار تعزيز التعاون الاستراتيجي مع سوريا والعراق ومواصلة تطوير العلاقات الأمريكية مع البلدين، كما أكد أن باراك سيحظى بدعم كامل من وزارة الخارجية الأمريكية أثناء توليه الملفات الجديدة، معربًا عن تقديره لما وصفه بالتزامه الدائم بخدمة الولايات المتحدة ومصالحها الخارجية.
تحركات أمريكية في المنطقةويعد توم باراك من الشخصيات المقربة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ تولى خلال الفترة الماضية منصب سفير الولايات المتحدة لدى تركيا، كما كُلف بمهام خاصة تتعلق بالملف السوري في ظل التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، بما في ذلك تطور العلاقات الأمريكية مع الإدارة السورية الجديدة بعد رفع عدد من العقوبات وإطلاق مسارات تعاون سياسية واقتصادية جديدة.
وخلال الأشهر الماضية لعب باراك دورًا بارزًا في الاتصالات الأمريكية المتعلقة بسوريا، حيث شارك في لقاءات مع مسؤولين سوريين وأطراف إقليمية، كما ارتبط اسمه بجهود دبلوماسية هدفت إلى دعم الاستقرار وإعادة ترتيب عدد من الملفات الأمنية والسياسية في المنطقة، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية إلى توسيع نطاق مسؤولياته ليشمل الملف العراقي أيضًا.
ملفا سوريا والعراقويأتي القرار الأمريكي في وقت تشهد فيه سوريا والعراق تطورات سياسية وأمنية متسارعة، حيث تسعى واشنطن إلى الحفاظ على نفوذها الإقليمي ومتابعة ملفات مكافحة الإرهاب والاستقرار الأمني والتنسيق مع الحكومات المحلية، إضافة إلى متابعة القضايا المرتبطة بالطاقة وإعادة الإعمار والعلاقات الإقليمية.
ويرى مراقبون أن الجمع بين ملفي سوريا والعراق تحت إشراف مسؤول أمريكي واحد يعكس رغبة الإدارة الأمريكية في توحيد مقاربتها السياسية تجاه البلدين، خاصة في ظل الترابط الأمني والجغرافي بينهما، إلى جانب استمرار التحديات المرتبطة بالتنظيمات المسلحة والتحولات الإقليمية المتلاحقة التي تؤثر على استقرار المنطقة بأكملها.
دور متزايد لتوم باراكويحظى باراك بحضور متزايد داخل دوائر صنع القرار الأمريكية المتعلقة بالشرق الأوسط، إذ تشير تقارير إلى أنه لعب أدوارًا مهمة في ملفات دبلوماسية متعددة خلال الفترة الأخيرة، كما تولى مهمة المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا مع احتفاظه بمنصبه سفيرًا لدى تركيا، قبل أن تتوسع مسؤولياته لتشمل الملف العراقي أيضًا، الأمر الذي يعكس حجم الثقة التي تمنحها له إدارة ترامب في إدارة القضايا الإقليمية الحساسة.
ويُتوقع أن يركز باراك خلال المرحلة المقبلة على ملفات التنسيق الأمني والعلاقات السياسية والاقتصادية بين الولايات المتحدة وكل من سوريا والعراق، إلى جانب متابعة جهود الاستقرار الإقليمي وتعزيز التواصل مع الحلفاء والشركاء في المنطقة، في ظل استمرار التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه الشرق الأوسط.