عربي21:
2026-06-03@02:05:39 GMT

قسد والحرب: بين تمنّي السلم وقراءة الواقع الجيوسياسي

تاريخ النشر: 4th, January 2026 GMT

قراءة شرعية وسياسية في الفرق بين الرغبة والتحليل

يخلط كثير من الناس بين تحليل المشهد السياسي واستشراف مآلاته، وبين الرغبات والأمنيات الشخصية. ومن هذا الخلط ينطلق بعضهم لاتهام كل قراءة واقعية للصراعات المحتملة بأنها دعوة للحرب أو تبرير للعنف، فيسارعون إلى إعلان مواقفهم السلمية ونبذهم لحمل السلاح، وكأن توصيف الواقع واستقراؤه هو بالضرورة رغبة في اشتعاله.



والحقيقة أن الإسلام -كما السياسة الرشيدة- يفرّق بوضوح بين ما يُتمنى وما قد يُفرض، وبين السعي إلى السلم والاستعداد لمواجهة العدوان إن وقع.

الهدي النبوي بين طلب العافية والاستعداد للابتلاء

جاء في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف".

يوضح هذا الحديث أصلا منهجيا بالغ الأهمية، يتمثل في التمييز بين تمنّي المواجهة -وهو أمر منهي عنه لما فيه من تعريض النفس لابتلاء غير مأمون العاقبة- وبين الاستجابة الواقعية لمواجهة فُرضت فرضا. فلقاء العدو امتحان، لا يُدرى أيفضي إلى الثبات والأجر، أم إلى التخاذل والخسارة، ولهذا كان التوجيه النبوي واضحا: لا تطلبوا البلاء، ولكن إن وقع فاصبروا واثبتوا.

السلم خيار أصيل.. ما لم يُفرض الصدام

إن نهي النبي ﷺ عن تمني لقاء العدو يعكس أصل السلم في الإسلام، والسعي إلى حل النزاعات عبر التفاوض والحكمة ما أمكن ذلك. غير أن هذا الأصل لا يعني تعطيل الاستعداد أو تجاهل الواقع، خاصة حين يُصر الطرف الآخر على العدوان ويفشل كل مسعى للحل.

فعندما تُفرض المواجهة، لا يكون التراجع أو التردد خيارا مشروعا، بل يصبح الصبر والثبات والقيام بالواجب هو مقتضى الإيمان والمسؤولية.

هل استقراء الحرب المقبلة تمنّ لها؟

الخلط بين الأمرين خطأ شائع، فهناك فرق جوهري بين أن يتمنى الإنسان الحرب، وبين أن يقرأ المؤشرات السياسية والعسكرية ويتوقعها ويستعد لها.

المؤمن العاقل لا يدفن رأسه في الرمال، بل يستقرئ الوقائع، ويتابع تحركات الخصوم، ويستعد للأسوأ، دون أن يكون ذلك شغفا بالصدام أو رغبة في الدماء. بل هو وعي بالسنن، وأخذ بالأسباب، واستحضار لما وعد الله به المؤمنين من نصر واستخلاف إذا صدقوا وثبتوا.

قسد واتفاق 10 مارس 2025: من الالتزام إلى التراجع

منذ توقيع اتفاق 10 آذار/ مارس 2025، تراكمت مؤشرات واضحة على تراجع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عن التزاماتها، عبر سلسلة من الخطوات التصعيدية والمتناقضة مع روح الاتفاق:

عسكريا: من خلال القصف، والاعتقالات، وحوادث القتل المتفرقة.

سياسيا: باستضافة ما سُمّي بـ"مؤتمر الأقليات"، والتلاعب ببنود الاتفاق، والمماطلة في تنفيذ استحقاقاته.

أمنيا واقتصاديا: عبر دعم حركات انفصالية في جنوب البلاد بالمال والسلاح والتدريب.

إضافة إلى ذلك، برزت مؤشرات خطيرة على الارتهان للخارج والتنسيق مع الاحتلال الصهيوني، بما يشكل مساسا مباشرا بوحدة البلاد وسيادتها، ويضع الاتفاق عمليا في مهب الريح.

تحالفات مقلقة ومواجهة تلوح في الأفق

تشير المعطيات إلى تنسيق متزايد بين قسد، وفلول النظام السابق في الساحل السوري، وعناصر مرتبطة بالاحتلال في محافظة السويداء، في إطار تحالف يبدو أنه يُعد لتحرك متزامن يستهدف الدولة السورية الجديدة ومسار استقرارها.

ورغم ذلك، التزمت الدولة سياسة الصبر وضبط النفس، انسجاما مع مبدأ عدم تمني المواجهة، لكنها في الوقت ذاته لم تُهمل الاستعداد، فجهزت الخطط، ورفعت الجاهزية، بالتعاون مع شعبٍ يرفض العودة إلى عهود الظلم، ومع حلفاء يرون في استقرار سوريا مدخلا لنهوض الأمة.

أمة لا تتمنى الحرب.. لكنها لا تُفاجأ بها

الفرق كبير بين من يتمنى الحرب، ومن يقرأ الواقع ويتهيأ لاحتمالاته. فالأمة الواعية لا تطلب البلاء، لكنها لا تتجاهله، ولا تبحث عن الصدام، لكنها إذا فُرض عليها واجهته بالصبر والثبات والتضحية.

إنها أمة لا تتمنى لقاء العدو، لكنها -إن لقيته- تعرف واجبها، وتدرك أن النصر لا يُمنح للمترددين، بل للثابتين الصادقين، فهل تتغلَّب لغة الحوار والسلم أم تَفتح الأيام القادمة باب حربٍ تُهدد الأمن والاستقرار في جميع دول المنطقة؟

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مدونات مدونات الحرب قسد سوريا الحوار سوريا حوار حرب قسد مدونات مدونات قضايا وآراء مدونات قضايا وآراء قضايا وآراء سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

محـور المقـاومـة يفـرض مـعـادلة الـردع

 

لم تعد المنطقة كما كانت قبل سنوات، ولم يعد كيان الاحتلال اللقيط قادرًا على التصرف؛ باعتبَاره القوة التي تضربُ متى شاءت وتنسحب متى شاءت دون أن تدفع الثمن.
فكل يوم يمرّ يكشف حقيقة جديدة مفادها أن زمن الاستباحة المجانية قد انتهى، وأن هناك محورًا بات يمتلك الإرادَة والقدرة على فرض معادلات ردع لم تكن في حسابات واشنطن وكيان الاحتلال.
لقد ظنّ المجرم نتنياهو أن بإمْكَانه استباحة الضاحية الجنوبية لبيروت كما استباح الجنوب وغزة، وأن يواصل سياسة التهديد والعدوان دون ردٍّ يردعه،
لكن الموقف الإيراني السريع وتعليق محادثاتها مع واشنطن، قلب المعادلة رأسًا على عقب، وأوصل رسالة واضحة بأن أي عدوان على لبنان الكرامة وغزة العزة لن يبقى محصورًا داخل حدوده، وأن استهداف جبهة واحدة اليوم يعني استهداف جميع الجبهات.
بالتالي، فإن التهديد الإيراني باستهداف شمال فلسطين المحتلّة إذَا نُفِّذ العدوان على الضاحية أربك حسابات العدوّ، ووضع الإدارة الأمريكية أمام مأزق حقيقي.
فإما ترك كيان الاحتلال يواجه تداعيات مغامرته وحده، أَو التدخل لمنع انفجار مواجهة إقليمية واسعة.
ولهذا جاء التحَرّك الأمريكي السريع وإعلان ترامب عن تفاهمات لوقف إطلاق النار، في مشهد يعكس حجم القلق الأمريكي من تدحرج الأحداث.
مرة أُخرى يثبت محور المقاومة أنه ليس مُجَـرّد شعارات أَو مواقف إعلامية، لكنه محور متماسك تتداخل فيه وحدة الهدف والمواجهة والردع والدماء والمصير، فالمعركة واحدة، والعدوّ واحد، والموقف المبدئي لا يتغير بتغير الظروف.
بينما اعتادت أنظمة عربية كثيرة بيع قضايا الأُمَّــة والتخلي عن أشقائها عند أول اختبار.
وفي الوقت الذي يتحدث فيه قادة العدوّ بلغة التهديد، تكشف الوقائع أنهم هم من تراجعوا في اللحظة الأخيرة خشية ردٍّ رادع أكبر من قدرتهم على التحمل.
كما أن دولَ المقاومة اليوم، وفي غَمرة استعدادها لإحياء يوم عيد الغدير الأغر، تؤكّـد أن من يوالي الإمام علي عليه السلام ليس قلقًا من دخول الناتو المعركة، بدليل أن المقاومةَ لم تكشف عن جميع أوراقها بعد، فاليمن أكّـد مجدّدًا أنه حاضر لخوض جولة المواجهة القادمة بقوة الله.
ومعلومٌ أن بإغلاق اليمن لمضيق باب المندب، سيخسر العدوّ الصهيو أمريكي جولةً جديدة، ويخسر معها هيبة الردع التي يحاول ترميمها منذ سنوات.
إن ما يجري اليوم يؤكّـدُ حقيقةً باتت واضحة للجميع: كلما ازداد العدوّ تهديدًا وعدوانًا، ازدادت جبهات المقاومة تماسكًا وقوة، وكلما راهن العدوّ على تفكيكها اكتشف أنه يواجه محورًا يزداد التحامًا وصلابة.
وما حدث ما هو إلا بداية جولة من معادلة ردع جديدة وانتصار جديد للمقاومة.
{وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
صدق الله العلي العظيم.

مقالات مشابهة

  • محـور المقـاومـة يفـرض مـعـادلة الـردع
  • العدو الصهيوني يعترف بإصابة جنديين في هجوم بمسيّرة لـ “حزب الله”
  • أبو عبيدة: العدو الصهيوني الجبان يتوهم إضعافنا باغتيال قادتنا لكن دماءهم وقود سفينتنا لتشق الصعاب
  • مع استمرار المواجهات.. انطلاق جولة جديدة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل
  • الكتائب يدعم مفاوضات واشنطن ويطالب بإنهاء حالة الحرب في لبنان
  • ماركو روبيو يبرر الحرب الأمريكية ضد طهران بمحاولتها بناء درع تقليدي
  • الدبلوماسية والحرب الإعلامية
  • "رحلة العائلة المقدسة في الفن العالمي".. بالعدد الجديد من مجلة "مصر المحروسة"
  • السيسي يؤكد محورية التنسيق بين مصر والولايات المتحدة لتحقيق السلم والاستقرار في الشرق الأوسط
  • قتلى وجرحى في صفوف جنود العدو جراء عمليات حزب الله المستمرة