تتابع أسواق الطاقة العالمية عن كثب التطورات الأخيرة في فنزويلا، مع مراقبة تأثيرها المحتمل على أسعار النفط.

فقد شهدت البلاد في الأيام الأخيرة تحركات سياسية أعادت فنزويلا إلى صدارة الاهتمام الدولي، بعد فترة من الغياب شبه الكامل عن المشهد العالمي.

وتزامنت هذه التحركات الداخلية مع تصاعد الضغوط الخارجية، لا سيما من الولايات المتحدة، وسط تكهنات متزايدة حول مرحلة جديدة قد يشهدها البلد على الصعيدين السياسي والاقتصادي، في حال تم إعادة ترتيب المشهد الداخلي وفتح قنوات أوسع مع المجتمع الدولي.

وتأتي هذه التطورات في وقت حساس بالنسبة لأسواق الطاقة، التي تراقب أي تغيرات قد تؤثر على الدول المنتجة للنفط، خصوصًا تلك التي تمتلك احتياطيات هائلة غير مستغلة بالشكل الكامل.

وتُعد فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، نموذجا لهذا التناقض بين الوفرة الجيولوجية والقيود السياسية والاقتصادية التي حدّت من قدرتها الإنتاجية خلال السنوات الماضية.

وأكد علي بن عبدالله الريامي، خبير في مجال الطاقة، في حوار لـ«عمان»، أن الأيام الأخيرة تصاعد الحديث في الأوساط الاقتصادية عن احتمالات تخفيف أو إعادة صياغة بعض القيود المفروضة على قطاع النفط الفنزويلي، بالتوازي مع إشارات إلى عودة محتملة لشركات نفطية دولية، وفي مقدمتها شركات أمريكية، للعمل في البلاد ضمن أطر جديدة.

هذه التطورات، وإن لم تُترجم بعد إلى تغييرات ملموسة على مستوى الإنتاج، أعادت طرح التساؤلات حول مستقبل النفط الفنزويلي، وحول مدى قدرة السوق العالمية على استيعاب أي عودة محتملة للإمدادات خلال الفترة المقبلة.

وقد أظهرت أسواق النفط العالمية درجة عالية من التماسك، في ظل وفرة المعروض وتباطؤ نمو الطلب العالمي، وهو ما يعكس تحولًا في سلوك السوق مقارنة بمراحل سابقة كانت فيها التطورات الجيوسياسية كفيلة بإحداث تقلبات حادة في الأسعار.

وأضاف: إن هذه التطورات تكتسب أهمية خاصة بالنسبة للدول المنتجة للنفط، ومنها سلطنة عُمان، التي ترتبط موازناتها العامة بشكل وثيق بأسعار الخام في الأسواق العالمية. فالسؤال لم يعد يدور فقط حول ما إذا كانت فنزويلا قادرة على العودة بقوة إلى سوق النفط، بل حول توقيت هذه العودة وحدود تأثيرها الفعلي على توازنات العرض والطلب، وعلى استقرار الأسعار في المدى القريب والمتوسط. فإلى الحوار:

- في البداية، كيف تقيم تفاعل أسواق النفط مع التطورات السياسية الأخيرة في الغرب؟

يمكن القول: إن رد فعل أسواق النفط كان محدودًا وهادئًا إلى حد كبير، وربما أقل من المتوقع إذا ما قورن بحساسية السوق التقليدية تجاه الملفات الجيوسياسية. والسبب الرئيسي يعود إلى أن الأسواق اليوم تعيش حالة من وفرة المعروض، إلى جانب تطور أدوات التحوط وتحسن قدرة المتعاملين على التمييز بين الأحداث التي تؤثر فعليًا على الإمدادات، وتلك التي تبقى في إطارها السياسي أو الإعلامي.

- هل يعني ذلك أن العامل الجيوسياسي لم يعد مؤثرًا في سوق النفط؟

لا يمكن القول: إنه فقد تأثيره بالكامل، لكنه أصبح أقل حدّة. ففي السابق كانت أي توترات سياسية في دولة منتجة كفيلة بإحداث قفزات حادة في الأسعار، أما اليوم فالسوق أصبحت أكثر نضجًا. والأسواق باتت تسأل سؤالًا أساسيًا: هل هناك تهديد حقيقي وفوري للإمدادات؟

وفي حالة فنزويلا، الإجابة حتى الآن هي: لا.

- فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، فكيف تصف الفجوة بين هذا الرقم الضخم ومستوى الإنتاج الحالي؟

هذه من أكثر النقاط التي يُساء فهمها، فالاحتياطي النفطي يعكس الإمكانات الجيولوجية، لكنه لا يعني بالضرورة قدرة إنتاجية فورية.

فنزويلا تمتلك احتياطيات تتجاوز 300 مليار برميل، لكن إنتاجها الحالي لا يتجاوز مليون برميل يوميًا، وهو رقم متواضع مقارنة بتاريخها النفطي، والفجوة بين الاحتياطي والإنتاج تعود إلى عوامل عديدة، أبرزها ضعف الاستثمارات، والعقوبات الاقتصادية، وسوء إدارة القطاع النفطي على مدى سنوات طويلة.

- كيف أثرت هذه العوامل على مسار الإنتاج خلال السنوات الماضية؟

شهد الإنتاج الفنزويلي تراجعًا حادًا خلال العقدين الماضيين، حيث بلغت الأزمة ذروتها في عام 2020 عندما هبط الإنتاج إلى أقل من 500 ألف برميل يوميًا، بالتزامن مع انهيار أسعار النفط عالميًا.

ومنذ ذلك الحين، بدأ تعافٍ تدريجي، لكنه كان تعافيًا محدودًا، ولا يمكن اعتباره عودة حقيقية إلى مستويات الذروة التي تجاوزت 2.5 مليون برميل يوميًا في فترات سابقة.

- إلى أي مدى يمكن اعتبار هذا التعافي قابلًا للاستمرار؟

التعافي الحالي مشروط بعدة عوامل، أهمها الاستقرار السياسي وتدفق الاستثمارات. نحن نتحدث عن تحسين من مستويات متدنية جدًا، وليس عن قفزة إنتاجية كبيرة. استعادة فنزويلا لقدرتها الإنتاجية الكاملة تتطلب سنوات من العمل، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية، إضافة إلى نقل التكنولوجيا والخبرات.

- في حال عادت صادرات فنزويلا النفطية إلى الارتفاع، كيف سينعكس ذلك على سوق النفط العالمي؟

التأثير سيكون محدودًا على المدى القصير، فالسوق العالمية تتجه حاليًا نحو فائض في المعروض، خاصة خلال الربع الأول من العام، نتيجة ضعف الطلب الموسمي وزيادة إنتاج بعض دول «أوبك+».

حتى لو ارتفعت الصادرات الفنزويلية إلى حدود 700 أو 800 ألف برميل يوميًا، فإن السوق قادرة على استيعاب هذه الكمية دون اضطرابات كبيرة.

- هل يمكن أن نشهد تحركات سعرية ملحوظة نتيجة هذه الزيادة؟ وما موقع فنزويلا داخل منظمة أوبك في هذه المرحلة؟

قد نشهد تحركات طفيفة في الأسعار، ربما في حدود دولار إلى دولارين لخام برنت، لكنها ستكون مؤقتة. السوق اليوم تميل إلى امتصاص الأخبار بسرعة، خصوصًا في ظل وفرة الإمدادات وتباطؤ نمو الطلب العالمي.

وفنزويلا عضو مؤسس في منظمة أوبك منذ عام 1960، لكنها عمليًا خارج نظام الحصص الإنتاجية منذ سنوات بسبب العقوبات الأمريكية.

هذا الوضع يخلق إشكالية مستقبلية، لأن أي عودة قوية للإنتاج ستفرض على أوبك إعادة النظر في آليات إدارة المعروض للحفاظ على التوازن السعري.

- هل يمكن أن تمثل عودة فنزويلا عبئًا على تماسك +أوبك؟ وكيف تؤثر طبيعة الخام الفنزويلي على قدرته على الانتشار في الأسواق العالمية؟

ليس بالضرورة في المدى القريب، لكن على المدى المتوسط قد تظهر تحديات. إذا استعادت فنزويلا جزءًا معتبرًا من قدرتها الإنتاجية، ستواجه أوبك خيارين: إما استيعاب هذه الإمدادات عبر تعديل الحصص، أو ترك السوق يتعامل مع فائض إضافي قد يضغط على الأسعار ويزيد المنافسة بين المنتجين.

أما النفط الفنزويلي فهو خام ثقيل وعالي الكبريت، وهذه نقطة محورية، وليس كل المصافي قادرة على تكرير هذا النوع من الخام، ما يحد من مرونة تسويقه. القدرة الأكبر على استيعابه تتركز في المصافي الأمريكية والصينية، وهو ما يعني أن الصادرات الفنزويلية ستظل موجهة إلى أسواق محددة.

- بالانتقال إلى الشأن المحلي، كيف يمكن أن تنعكس هذه التطورات على اقتصاد سلطنة عُمان؟ ومتى يمكن أن يتحول هذا الملف إلى مصدر قلق حقيقي للمنتجين؟

سلطنة عُمان، كغيرها من الدول المنتجة، ترتبط ميزانيتها العامة بأسعار النفط. أي انخفاض حاد ومستدام في الأسعار سينعكس بطبيعة الحال على الإيرادات العامة. لكن في السيناريو الحالي، لا توجد مؤشرات على تأثير مباشر أو حاد، لأن الزيادات المحتملة في الصادرات الفنزويلية لا تزال ضمن نطاق يمكن للسوق استيعابه.

ويمكن أن يسبب قلقًا إذا ترافقت زيادة كبيرة في المعروض مع تباطؤ حاد في الطلب العالمي. لكن حتى في هذا السيناريو، عودة فنزويلا إلى طاقتها الإنتاجية الكاملة ستستغرق وقتًا طويلًا، ولن تكون تطورًا مفاجئًا.

- ما السيناريوهات المحتملة لمستقبل النفط الفنزويلي في ظل التوترات الأخيرة؟ وكيف تلخص المشهد النفطي الحالي؟

هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة: الأول، تغيير سياسي شامل يفتح الباب أمام استثمارات واسعة، لكنه مسار طويل الأجل. أما الثاني فهو احتمالية أن تكون هناك زيادة تدريجية في الصادرات دون تأثير كبير على الأسعار. في حين السيناريو الثالث، وهو مستبعد، فيتمثل في انسحاب فنزويلا من «أوبك+»، ما يمنحها حرية إنتاجية كاملة وقد يربك السوق إذا ترافق مع زيادات كبيرة.

أسواق النفط اليوم أكثر توازنًا مما توحي به العناوين السياسية. فنزويلا تمتلك إمكانات ضخمة، لكنها لن تعود لاعبًا مؤثرًا بين ليلة وضحاها، والتأثير الحقيقي سيظل مرتبطًا بالاستقرار السياسي، والاستثمارات طويلة الأجل، وقدرة السوق على التكيّف مع المتغيرات.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: النفط الفنزویلی هذه التطورات برمیل یومی ا أسواق النفط فی الأسعار یمکن أن

إقرأ أيضاً:

أسعار النفط تتجاوز 100 دولار مع تصاعد هجمات الحوثيين

قفزت أسعار النفط العالمية إلى ما فوق حاجز 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ شهرين، في انعكاس مباشر لتصاعد التهديدات التي تستهدف الملاحة في البحر الأحمر، بعد إعلان جماعة الحوثي المدعومة من إيران استهداف ناقلتي نفط سعوديتين، في خطوة أثارت مخاوف واسعة من اضطرابات جديدة في إمدادات الطاقة العالمية.

وبحسب وكالة بلومبيرغ، فإن الهجوم الحوثي فتح جبهة جديدة للأزمة الإقليمية، بعدما كانت الحرب بين إيران والولايات المتحدة قد دفعت حركة تجارة النفط بعيداً عن مضيق هرمز، ليصبح البحر الأحمر المسار البديل الأهم لصادرات النفط السعودية. إلا أن استهداف هذا الممر الحيوي يهدد بتقليص الخيارات المتاحة أمام المنتجين والمستهلكين، ويرفع من احتمالات حدوث اختناقات في الإمدادات العالمية.

وأعلنت الجماعة أنها استخدمت صواريخ وطائرات مسيرة لاستهداف الناقلتين ضمن ما وصفته بـ"تطبيق الحصار" الذي أعلنت فرضه على الموانئ السعودية، وهو ما اعتبره مراقبون تصعيداً يوسع دائرة المخاطر الأمنية في أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والتجارة الدولية.

وأكدت بلومبيرغ أن الأسواق لا تواجه فقط تداعيات الهجمات في البحر الأحمر، بل تتعرض أيضاً لضغوط متزامنة نتيجة اضطرابات صادرات كازاخستان عبر البحر الأسود بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب انخفاض المخزونات العالمية بعد أشهر من التوترات، ما يعزز احتمالات نقص المعروض ويدفع الأسعار إلى مستويات أعلى.

وسجل خام برنت مكاسب تجاوزت 30% منذ بداية الشهر، مقترباً من أعلى مستوياته منذ أواخر مايو، وسط توقعات باستمرار موجة الصعود إذا استمرت المواجهات العسكرية واتسعت دائرة التهديدات التي تطال البنية التحتية للطاقة وخطوط الملاحة.

ونقلت الوكالة عن بوب ماكنالي، رئيس مجموعة "رابيدان إنرجي" والمسؤول السابق في البيت الأبيض، تحذيره من أن الجولة الجديدة من التصعيد قد تكون أكثر اتساعاً من سابقاتها، مشيراً إلى أن المخاطر لم تعد تقتصر على أمن الملاحة، بل باتت تمتد إلى منشآت الطاقة نفسها، وهو ما يضاعف المخاوف بشأن استقرار سوق النفط العالمية.

كما أسهم تراجع فرص استئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران في زيادة حالة القلق داخل الأسواق، خاصة مع تجدد التهديدات الأمريكية بتوسيع الضربات ضد أهداف داخل إيران، الأمر الذي يعزز التوقعات باستمرار التوتر لفترة أطول وما يرافقه من ضغوط على أسعار الطاقة.

وفي ظل هذه التطورات، بدأت شركات شحن عالمية بتجنب المرور عبر مضيق باب المندب، بينما تدرس مصافٍ ومستوردون في الهند وعدد من الدول الآسيوية اعتماد مسارات بديلة أكثر طولاً وكلفة لتأمين وارداتهم النفطية، وفق بيانات تتبع السفن التي أوردتها بلومبيرغ.

وكشفت الوكالة أن شركتين آسيويتين على الأقل لتجارة النفط دخلتا في محادثات مع شركة "أرامكو" السعودية لبحث إعادة توجيه الشحنات بعيداً عن البحر الأحمر، عبر نقل النفط إلى موانئ مصرية ثم ضخه عبر خطوط الأنابيب قبل شحنه من البحر المتوسط والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا.

ووفقاً لمتعاملين مطلعين، فإن هذا السيناريو قد يضيف نحو شهر كامل إلى زمن وصول الشحنات إلى الأسواق الآسيوية، فضلاً عن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، ما قد ينعكس بصورة مباشرة على أسعار النفط والمنتجات البترولية عالمياً.

ويرى محللون أن استهداف ناقلات النفط في البحر الأحمر يمثل تحولاً خطيراً في مسار الأزمة، إذ لم يعد التهديد مقتصراً على مضيق هرمز، بل امتد إلى الطريق البديل الذي اعتمدت عليه أسواق الطاقة خلال الأشهر الماضية، الأمر الذي يضاعف حالة عدم اليقين ويزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي في حال استمرار التصعيد العسكري.

مقالات مشابهة

  • النفط يتجه لتحقيق مكاسب أسبوعية قوية وسط مخاوف على الإمدادات العالمية
  • وزارة الطاقة الأذربيجانية: 700 مليون متر مكعب صادرات الغاز إلى سوريا
  • أزمة الخبز في دمشق تضاعف الأسعار وتقلص عدد الأرغفة
  • كيف غيرت أزمة هرمز مسار أسعار النفط العالمية في عام 2026؟
  • نقص حاد.. روسيا تتجه لتمديد حظر تصدير الديزل والبنزين
  • مصر.. الذهب يعوض جزءاً من خسائره رغم ضغوط الأسواق العالمية.. ما تعليق الخبراء؟
  • المركزي التركي يثبت الفائدة عند 37% ويراقب مخاطر التضخم وأسعار الطاقة
  • أسعار النفط تتجاوز 100 دولار مع تصاعد هجمات الحوثيين
  • وزير الطاقة: خيارنا الأول هو تعديل تعرفة الكهرباء بشكل مرتبط بالأسعار العالمية للنفط
  • الشحاتي: حرق الغاز المصاحب لا يزال أحد أكبر أوجه الهدر في قطاع الطاقة الليبي