عربي21:
2026-06-03@05:42:20 GMT

البحث عن المشروع المفقود

تاريخ النشر: 4th, January 2026 GMT

حين خاطب أحد الصالحين أنصاره ومحبيه بجملة تحمل من النصح والإرشاد والخوف، في توقيت بدا أنه حرج وخطر، وقد قال لهم هذه الجملة النصيحة، وهو يحاول أن يأخذ بأيديهم إلى ترتيب المفاهيم والأفكار في فهم وفقه ووعي بالواقع والوقائع.. ومن الملفت للنظر أن هذه الجملة لا تتكرر كثيرا الآن، بل تكاد تكون اختفت من أدبيات الحركات الإصلاحية والاجتماعية، رغم حمولتها المليئة بالمعنى المانع الجامع، وهي الجملة التي خرجت من تجربة واسعة، ومركبة، وممدودة الصلة بتاريخ طويل تتقاطع خيوطه في نقطة حرجة، ما أن يبلغها البالغون حتى يحدث ما لا تحمد عقباه من حوادث وأحداث وأحاديث يمتلئ بها فم المؤرخين من المتناقضات الغامضات.



ما هذه الجملة النصيحة؟ وما هذه النقطة الحرجة؟

الجملة النصيحة هي "أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم.. تقم على أرضكم".. ومن الأمور الملفتة هو حضور "الدولة" في أعمال القلوب، وهي الأعمال التي تتصل بجوهر وجود الإنسان في عمق أعماقه، وفيما يبدو أن استحضارها في النصيحة كان استحضار الضرورة، لشدة اتساع مفهوم الدولة عند المنصوحين.

وما النقطة الحرجة إلا "الصراع على الدولة"، لكن الوعي بالخطر القديم القريب -والحق يقال- كان حاضرا.. لذلك كانت النصيحة، التي وإن بدت أنها لم تأت في وقتها الأنسب تماما، بل ويبدو أيضا أنها دخلت في صيرورة التكرار! وكأنها لم تُقَل.. وكأنها لم تُسمع.. وكأنها لم تكن قادمة من وعاء التجربة.

* * *

الصراع على الدولة قديم، ومحصلته كانت دائما بداية لتأريخ التاريخ، بل لتأريخ التواريخ، لأن الكاتب والمكتوب دائما محمول على التحيز في مدارات الأنا والآخر. لذلك سيكون لدينا تأريخات عديدة لتاريخ واحد! وهذا على كل حال يختص بعلم التاريخ، وهو ليس موضوعنا هنا.

* * *

الدولة إطار هام لأي فكرة موصولة بالحياة وناس الحياة، إذ لا يمكن أن تهيم الأفكار هكذا في فراغ مشاع، لا حدود له ولا شكل فيه.

لكن مفهوم الإنسان وحياة الإنسان أهم من الدولة، فالدولة لاحقة له، لا سابقة، ومحكومة به قبل أن تكون حاكمة، ومسؤولة منه قبل أن تكون سائلة له. وهذا هو الفهم المفقود في سياق فكرة الإصلاح والنهوض بالأمة والمجتمع.

* * *

انتبه لذلك عبد الله النديم رحمه الله (ت: 1896م)، ورأى في ذلك أن الإنسان لا يكون إلا بصلته بأخيه الإنسان في وجه الدولة والسلطة، واطلق صيحته الشهيرة "اشدد يدك بيد أخيك تفلح"، ودعا الناس إلى القيام بتأسيس جمعيات خيرية، تحاصر بها الدولة في كل مجالات الحياة.. المهم ألا يكون الإنسان وحيدا في حياة يكون فيها نفعه وضره يقف على باب بيته فقط.

ولعل النديم استوحى هذه الفكرة من الجماعات الصوفية التي يكون فيها البناء التنظيمي أحد الوسائل المهمة في طريق "الوصول"، وهو نفسه حين اختفى لمدة عشر سنوات من السلطة الجائرة بعد انكسار الثورة العرابية (1882م) كان اختفاؤه من مدينة لمدينة، ومن بيت لبيت عن طريق الجماعات الصوفية.

* * *

لم يكن النديم وحده في إدراك ذلك المفهوم الأصيل في إطار هذه التجربة المنسية، سيأتي بعده الزعيم محمد فريد (ت: 1919م) ويؤكد على بُعد هام من أبعاد الإنسان في تلك التجربة، وهو الوعي والتعليم، فدعا إلى تكوين "مدارس الشعب" ليكون الناس حاضرين بوعيهم، في عموم الحياة وليس فقط بأبدانهم واحتياجات أبدانهم. وانتشرت التجربة ولاقت إقبالا واسعا من بسطاء الناس، ملح الأرض وعماد الأمة، ومشاركة قوية من المهنيين والموظفين الذين كانوا يخرجون من أعمالهم ليقوموا بالتدريس المسائي في هذه المدارس التي كانت تقام في الشوارع.

وتلك أحد التجارب الأكثر نسيانا وإغفالا في الوعي الإصلاحي، وسنرى أن الزعيم مصطفى كامل (ت: 1908م) سيكون حضوره أكثر لدى الإصلاحيين بحماسياته الخطابية، ومواقفه السياسية الموصولة بفكرة الدولة والسلطة أكثر كثيرا من حضور الزعيم محمد فريد الموصولة بعالم الإنسان والوعي.

* * *

قد تكون الحركة الإصلاحية الآن في مفترق طرق، بعد تجارب كثيرة أغلبها كان يدور حول المنافسة على الدولة الحديثة، ومؤسساتها وأدواتها التي تحكم بقبضتها على حياة الناس من الميلاد للممات..

وقد يكون التذكير بالبديهيات أيضا ضرورة في كل وقت، ورحم الله الأستاذ العقاد (ت: 1964م) الذي قال لنا في كتابه المهم "التفكير فريضة إسلامية" إنه لم تتكرر البراهين على إثبات وجود الله في كتاب من كتب الأديان المنزلة، كما تقررت في القرآن، رغم أن مجتمع مكة كان مؤمنا بالله، ولكن في شرك وإشراك. ومع ذلك كان هذا التكرار ببديهيات البراهين التي تؤكد حقيقة الخلق والخالق.

المسألة خطيرة، وتتصل بالمستقبل في أخطر خطوط تواصلنا به، وهو خط "الوجود الحق" في مجرى هذا المستقبل الذي سيوغل في الزمن بنا، وبدوننا لا قدر الله. وصدق من قال إن اليوم.. هو ماضي الغد.

x.com/helhamamy

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء فكرة المستقبل اسلام فكر مشروع مستقبل قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة رياضة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

ميداوي: 14 مادة جديدة لتنظيم البحث العلمي ورفع منح الدكتوراه من 40 إلى 70%

أكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، أن إصلاح منظومة البحث العلمي بالمغرب دخل مرحلة جديدة تقوم على إرساء إطار قانوني وتنظيمي متكامل، بهدف الارتقاء بالجامعة المغربية وتعزيز تنافسيتها الدولية.

وأوضح ميداوي، خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب أمس أن البحث العلمي ظل لسنوات يعاني اختلالات مرتبطة بضعف التأطير القانوني، ومحدودية التمويل، وغياب هياكل معترف بها قانونيا، إلى جانب إشكالات مرتبطة بالموارد البشرية والتقييم المنتظم.

وأشار المسؤول الحكومي إلى أن القانون 59.24، الذي صادق عليه البرلمان، خصص لأول مرة بابا كاملا يضم 14 مادة للبحث العلمي، خلافا للقانون 01.00 الذي لم يكن يتضمن مقتضيات واضحة في هذا المجال، مضيفا أن المختبرات وبنيات البحث “لم تكن لها أي شرعية قانونية في السابق”.

وأضاف الوزير أن الإصلاحات الجديدة تشمل مراجعة قانون المركز الوطني للبحث العلمي، وتعزيز تمثيلياته الجهوية، إلى جانب مراجعة قانون الوكالة الوطنية للتقييم وضمان الجودة، وربط ذلك بإعداد خارطة جامعية ومخطط مديري جديدين، فضلا عن تحيين الاستراتيجية الوطنية للبحث العلمي للفترة 2026-2035، ووضع استراتيجية جامعية خاصة بالابتكار.

وفي ما يتعلق بالحكامة، كشف ميداوي عن إحداث أقطاب جامعية ومجالس أمناء، مع منح الجامعات صلاحيات أوسع وآليات تدبير حديثة، من بينها إمكانية تعيين 10 نواب للرؤساء و4 نواب للعمداء، وإحداث معاهد متخصصة وبنيات بحث وفق معايير دولية.

كما أعلن الوزير عن تنويع فئات الموارد البشرية العاملة في البحث العلمي، عبر استحداث صفة الأستاذ المنتسب، والباحث ما بعد الدكتوراه، والباحثين والخبراء المتخصصين، إلى جانب تقنيي وإداريي البحث، وإحداث هيئة خاصة بالباحثين لأول مرة.

وفي جانب التمويل، أوضح ميداوي أن القانون الجديد ينص على إحداث هيئة وطنية لتعبئة وتدبير الموارد المالية المخصصة للبحث العلمي، مع تنويع مصادر التمويل بين الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص، مبرزا أن هذا الأخير يساهم بأكثر من 50 في المائة من تمويل البحث العلمي في عدد من الدول المتقدمة.

وسجل الوزير اتخاذ مجموعة من التدابير العملية، من بينها رفع نسبة منح الدكتوراه من 40 إلى 70 في المائة، وإطلاق برنامج وطني بشراكة مع المكتب الشريف للفوسفاط بغلاف مالي يصل إلى مليار درهم، إضافة إلى استمرار برنامج “بريما” الأوربي، وتقدم المغرب للحصول على صفة “شريك” لدى الاتحاد الأوربي في مجال البحث العلمي، ما سيفتح آفاقا جديدة للتمويل والتعاون الدولي.

وشدد ميداوي على أن إصلاح البحث العلمي يعد “الرهان الأصعب” بالنسبة للجامعة المغربية، معتبرا أن تطوير هذا المجال هو ما يميز الجامعة عن باقي القطاعات، ويعكس قدرتها على المساهمة في التنمية والابتكار.

مقالات مشابهة

  • المنتخب الأول لكرة القدم.. يكون أو لا يكون
  • الولاية.. {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ} الحلقة الأولى
  • متى يكون التعب المزمن مؤشرًا لمشكلة صحية خطيرة؟
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • السفير علاء يوسف: "الاستعلامات" تكثف جهودها بالمحافظات حول ترشيد الطاقة وبناء الإنسان
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • وكيل مشروعات النواب: زيادة مخصصات الصحة والتعليم بموازنة 2026/2027 تعزز الاستثمار في الإنسان
  • سلطنة عُمان تحتفل باليوم العالمي للتجارب السريرية
  • ميداوي: 14 مادة جديدة لتنظيم البحث العلمي ورفع منح الدكتوراه من 40 إلى 70%
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش