ليست الحروب وليدة الصدفة، ولا تُشَنّ بدافع الأخلاق كما يُسوَّق لها في بيانات البيت الأبيض. الحرب، في جوهرها، قرار سياسي واقتصادي، تُلبَس له دائمًا عباءة أخلاقية: مرة باسم الله، ومرة باسم الديمقراطية، ومرة باسم مكافحة الإرهاب، ومرة باسم الحرب على المخدرات. تتغير الشعارات، لكن اليد التي تضغط على الزناد واحدة، والعقل الذي يخطط لا يرى في الخرائط سوى مناطق نفوذ قابلة لإعادة التشكيل.

في مطلع الألفية، وقف جورج بوش الابن ليقود العالم نحو حرب العراق، رافعًا شعارين متلازمين: أسلحة الدمار الشامل والحرب على الإرهاب. لم تكن بغداد يومها سوى ساحة اختبار كبرى لفكرة “العدو المصنَّع”، حيث جرى تضخيم خطر غير موجود، وتحوير معلومات استخباراتية، وتجنيد الإعلام لتهيئة الرأي العام لحرب كانت نتائجها معروفة سلفًا: دولة مدمّرة، مجتمع ممزق، وحدود سيادية فقدت معناها.

في قلب ذلك المشهد، برز صوت صحفي نادر رفض الانخراط في جوقة التصفيق. هيلين توماس، عميدة مراسلي البيت الأبيض، لم ترَ في حرب العراق رسالة خلاص، بل مشروع دمار. واجهت السلطة بالكلمة، ورفضت خطاب “الحرب المقدسة”، واعتبرت أن ما يجري ليس دفاعًا عن القيم، بل عدوانًا مقنّعًا يُدار من غرف مصالح لا علاقة لها لا بالله ولا بالأمن العالمي. موقفها لم يكن مجرد اعتراض مهني، بل تمردًا أخلاقيًا على منظومة كاملة تصنع الأكاذيب ثم تطالب العالم بتصديقها.

مرت السنوات، وسقطت أكذوبة أسلحة الدمار الشامل، لكن النموذج لم يسقط. اليوم، تتكرر الصيغة ذاتها في فنزويلا، مع اختلاف العنوان. لم يعد الإرهاب هو الذريعة، بل المخدرات. لم تعد “القاعدة” أو “داعش” في الواجهة، بل عصابات التهريب وشبكات الكوكايين. ومع ذلك، تبقى اللغة واحدة: دولة فاشلة، نظام مارق، تهديد عابر للحدود، وتدخل ضروري لحماية الأمن الإقليمي والدولي.

العراق اتُّهم بامتلاك أسلحة لم يُعثر عليها أبدًا، وفنزويلا تُتهم اليوم بتصدير الفوضى والمخدرات، في حين يُغفل السياق الأوسع: دولة تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، ونظامًا سياسيًا يرفض الخضوع الكامل لمنظومة الهيمنة الأمريكية. هنا يصبح “المخدر” مرادفًا لـ“النفط”، كما كان “الإرهاب” مرادفًا لإعادة رسم الشرق الأوسط.

اللافت أن أدوات المشهد لا تتغير كثيرًا. أجهزة استخبارات، تقارير إعلامية موجهة، معارضة مدعومة خارجيًا، وعقوبات تُنهك المجتمع قبل أن تُنهك السلطة. في العراق سُمّيت العملية “الفوضى الخلاقة”، وفي فنزويلا تُسمّى اليوم “الضغط الأقصى”. لكن النتيجة واحدة: إضعاف الدولة، تفكيك العقد الاجتماعي، وفتح الباب لتدخلات أوسع.

موقف هيلين توماس، وإن بدا فرديًا في زمنه، يكتسب اليوم قيمة مضاعفة. فقد أدركت مبكرًا أن المشكلة ليست في دولة بعينها، بل في آلية إنتاج العدو. من يملك القدرة على صناعة الإرهاب، قادر على صناعة عصابات المخدرات، وقادر على شيطنة أي نظام يخرج عن الطاعة. الإعلام، حين يُمسك من مركز واحد، يتحول من ناقل للخبر إلى سلاح حرب.

العراق كان المختبر الدموي الأول في القرن الجديد، وفنزويلا تمثل اليوم نسخة محدثة من الصراع، بأدوات ناعمة حينًا، وخشنة حينًا آخر. الفرق أن العالم بات أكثر وعيًا، لكن موازين القوة ما زالت مختلة. ما بين بغداد وكراكاس، يتضح أن الحروب الأمريكية لا تنتهي بسقوط نظام، بل تبدأ بعده، وأن الشعارات ليست سوى ستار كثيف لإعادة توزيع النفوذ والغنائم.

السؤال لم يعد: هل الذريعة حقيقية أم كاذبة؟ بل: كم دولة أخرى ستُستنزف قبل أن يُكسر هذا النموذج؟ وهل تتعلم الشعوب من دروس العراق قبل أن تتحول فنزويلا، أو غيرها، إلى فصل جديد في كتاب الخراب المعاصر؟

ما قالته هيلين توماس لم يكن نبوءة بقدر ما كان قراءة باردة لتاريخ يعيد نفسه. التاريخ لا يرحم من يصدق الأكاذيب طويلًا، لكنه أيضًا لا ينقذ من يكتفي بالمشاهدة. عسى أن تصحو العقول قبل أن يُعاد رسم الخرائط، مرة أخرى، بالحبر والدم معًا.. .!!

اقرأ أيضاًعاجل| ترامب يهدد إيران.. وطهران ترد بزيادة الدعم النقدي للمواطنين

ترامب: رجل مريض يدير كولومبيا.. ولن نحتاج لضربات عسكرية إضافية في فنزويلا

عضو بالحزب الاشتراكي الموحد: المشهد في فنزويلا ضبابي.. وواشنطن تسعى للسيطرة على نفط البلاد

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: المخدرات الولايات المتحدة العراق بغداد البيت الأبيض أسلحة الدمار الشامل غزو العراق الحرب على الإرهاب جورج بوش مادورو كاركاس هيلين توماس فی فنزویلا قبل أن

إقرأ أيضاً:

"الموجة الزرقاء" تكتب التاريخ.. كيف أصبحت كوراساو أصغر دولة تبلغ كأس العالم؟

دخل منتخب كوراساو تاريخ كرة القدم من أوسع أبوابه بعدما حجز مقعده في نهائيات كأس العالم 2026، ليصبح أصغر دولة من حيث عدد السكان والمساحة تنجح في بلوغ المونديال، في إنجاز غير مسبوق على مستوى منطقة الكونكاكاف.

قبل أيام من كأس العالم.. أزمة التأشيرات تربك معسكر إيران الأخير

الجزيرة الكاريبية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 156 ألف نسمة، تحولت خلال أشهر قليلة إلى واحدة من أبرز قصص النجاح في كرة القدم العالمية، بعدما أطاحت بمنتخبات أكثر خبرة وحضورا في التصفيات، وفرضت نفسها بين كبار اللعبة في أول نسخة من كأس العالم تضم 48 منتخبا.

رحلة كوراساو نحو الحلم العالمي لم تكن سهلة أو عابرة، بل جاءت عبر مسار طويل من العمل والتطور داخل منظومة كرة القدم المحلية والاعتماد على مشروع رياضي استثمر في اللاعبين أصحاب الأصول الكوراساوية الذين نشأوا في هولندا.

بدأ المنتخب مشواره في التصفيات بقوة لافتة، عندما حقق انتصارا كبيرا على باربادوس بنتيجة 4-1، في مباراة كشفت مبكرا عن قدراته الهجومية، قبل أن يؤكد جاهزيته بالفوز على أروبا بهدفين دون رد.

واستمرت الانطلاقة المثالية خلال صيف 2025، إذ اكتسح منتخب سانت لوسيا برباعية نظيفة، ثم واصل عروضه القوية بانتصار عريض على هايتي بنتيجة 5-1، ليبعث برسالة واضحة إلى منافسيه بأنه لا يشارك في التصفيات من أجل الظهور فقط، بل من أجل الوصول.

وفي الدور النهائي واجه المنتخب اختبارات أكثر صعوبة داخل المجموعة الثانية، حيث اصطدم بمنتخبات تملك تاريخا أطول وخبرة أكبر مثل جامايكا وترينيداد وتوباغو. 

ورغم الضغوط، نجحت "الموجة الزرقاء" في الحفاظ على توازنها، فتعادلت سلبيا مع ترينيداد وتوباغو قبل أن تتجاوز برمودا بنتيجة 3-2.

لكن اللحظة المفصلية جاءت في أكتوبر 2025 عندما حققت كوراساو فوزا ثمينا على جامايكا بهدفين دون رد، وهو الانتصار الذي منح الفريق دفعة معنوية كبيرة في سباق التأهل.

ومع اقتراب الحسم، دخل المنتخب شهر نوفمبر وهو يدرك أن حلم المونديال بات أقرب من أي وقت مضى. 

وجاء الرد داخل الملعب بصورة مذهلة، بعدما اكتسح برمودا بسبعة أهداف دون مقابل، ثم عاد بتعادل سلبي تاريخي من كينغستون أمام جامايكا، وهي النتيجة التي ضمنت له صدارة المجموعة والتأهل المباشر.

اعتمد المنتخب خلال تلك المواجهات على صلابة دفاعية واضحة وتألق لافت للحارس إيلوي روم الذي لعب دورا محوريا في الحفاظ على شباك فريقه خلال المباريات الحاسمة.

ويحمل تأهل كوراساو أبعادا تتجاوز كرة القدم، إذ يقدم نموذجا لدول صغيرة استطاعت منافسة القوى التقليدية من خلال التخطيط والاستثمار في المواهب بدلا من الاعتماد على الإمكانات المالية الضخمة.

كما أن الإنجاز يكتسب خصوصية إضافية لكون كوراساو أول منتخب غير سيادي من الأمريكتين يبلغ نهائيات كأس العالم منذ مشاركة جزر الهند الشرقية الهولندية في نسخة 1938، رغم تبعية الجزيرة سياسيا لمملكة هولندا وامتلاكها عضوية مستقلة في الاتحاد الدولي لكرة القدم منذ 2011.

وسيجد المنتخب نفسه أمام تحديات كبيرة في المونديال عندما يواجه ألمانيا ثم إكوادور وكوت ديفوار، لكن مجرد الحضور في البطولة يمثل انتصارا لجزيرة صغيرة أثبتت أن كرة القدم لا تعترف دائما بحجم الدولة أو عدد سكانها.

مقالات مشابهة

  • كوراساو.. أصغر دولة تتأهل لكأس العالم
  • روبيو: الولايات المتحدة لم تصل بعد إلى مبتغاها في فنزويلا
  • المغرب يبعث رسالة قوية قبل المونديال برباعية نظيفة أمام مدغشقر
  • العراق يعود إلى كأس العالم بعد 40 عامًا.. أسود الرافدين يطمحون لكتابة تاريخ جديد في مونديال 2026
  • حكومة الاحتلال تغذي إرهاب المستوطنين وآن عقابها
  • "الموجة الزرقاء" تكتب التاريخ.. كيف أصبحت كوراساو أصغر دولة تبلغ كأس العالم؟
  • فكوا الحصار..ليفتحوا المضيق
  • جراحتان روبوتيتان في يوم واحد.. مدينة الملك عبدالله الطبية تنقذ حاجين من انسدادات قلبية معقدة
  • فرهود العراق.. إسرائيل تستذكر دماء اليهود في بغداد
  • العراق يُحقق طفرة معمارية.. إنجاز ألف كيلو متر من الطرق الجديدة وإنشاء 49 جسرًا