بيروت- في شوارع بيروت وأحياء مختلف المناطق اللبنانية، يلاحظ المواطنون مؤخرا حركة غير اعتيادية أمام المصارف وشركات تحويل الأموال، لا تعود إلى ازدحام موسمي أو نشاط سياحي، بل إلى إجراءات تنظيمية جديدة فرضتها السلطات اللبنانية على حركة النقد، بهدف تعزيز الرقابة المالية ومكافحة التدفقات النقدية غير المشروعة.

وبموجب هذه الإجراءات، يُطلب من المتعاملين تقديم حزمة من المعلومات الأساسية، من بينها إبراز إثبات الهوية، وتعبئة استمارات تفصيلية توضّح مصدر الأموال وطبيعة العمل وحجم النشاط ومصدر الدخل ومحل السكن. كما قد يُطلب إرفاق مستندات داعمة، مثل إيصالات تسديد الضرائب أو أي وثائق أخرى تُثبت مشروعية الأموال.

وأصبحت هذه القواعد إلزامية على المؤسسات المالية المرخصة، في محاولة لتقويم الأسواق المالية المتشابكة بين قانونية وغير قانونية، والالتزام بالمعايير الدولية لمكافحة تبييض الأموال.

لكن في المقابل، يشعر كثير من اللبنانيين بأن هذه الخطوة تضيف عبئا جديدا إلى حياتهم اليومية، في بلد يعاني أصلا من أزمات اقتصادية متلاحقة.

ضغط وعملية معقدة

في منطقة الحمرا بالعاصمة، تنتظر ليلى عنتر، وهي مدرسة في إحدى المدارس الخاصة، دورها أمام نافذة إحدى شركات التحويل، وتقول للجزيرة نت "من الجيد أن تكون هناك رقابة على حركة الأموال، فهذا يمنع الفوضى المالية، لكن العملية معقدة وتستغرق وقتا طويلا، خصوصا عندما أحتاج إلى استلام مبلغ بسيط من عائلتي في الخارج".

المواطن اللبناني يدفع كلفة الامتثال المالي في تفاصيل حياته اليومية (رويترز)

وعلى الطرف الآخر من المدينة، يواجه حسن الخليل، صاحب محل تجاري صغير، صعوبات مماثلة، ويوضح للجزيرة نت "أصبح عليّ الاحتفاظ بالكثير من الأوراق والإيصالات، وأحيانا يرفضون صرف الأموال إذا لم تُستكمل كل التفاصيل، مما يعرقل أعمالنا ويزيد الضغط علينا".

إعلان

في المقابل، يرى سامر الأحمد، وهو موظف في أحد المصارف، أن هذه الإجراءات تمثل خطوة إيجابية من منظور قانوني ومالي، ويوضح في تصريح للجزيرة نت بالقول إن "معرفة مصدر الأموال ووجهتها تحمي المؤسسات المالية من المخاطر القانونية، وتجعل النظام أكثر شفافية".

إلا أن الواقع الميداني يشير إلى وجود ثغرات، خصوصا لدى الصرافين غير المرخصين الذين ما زالوا يمارسون نشاطهم خارج إطار القانون. ويقول علي مستو، صاحب محل صرافة تقليدية، إن على المواطنين التعامل بحذر، لأن أي خطأ قد يكلّفهم غرامات أو مشكلات قانونية، مشيرا إلى أن كثيرين يلجؤون إلى الصرافين غير النظاميين بسبب صعوبة الإجراءات الرسمية.

وبين التقدير لأهمية الرقابة المالية والانتقاد لما تسببه هذه الإجراءات من عراقيل يومية، يبدو أن لبنان يقف أمام مفارقة واضحة: تحقيق الانضباط المالي على الورق، مقابل تصاعد الضغط على المواطن العادي.

تحديات تدفق الأموال

يرى الباحث الاقتصادي والسياسي اللبناني نبيل سرور -في حديث للجزيرة نت- أن القيود التي فرضتها السلطات اللبنانية على حركة الأموال وتحويلاتها تستحق دراسة دقيقة من زاوية التداعيات الاقتصادية.

ويؤكد سرور أن ضبط الأموال ومكافحة التحويلات غير المشروعة أو المشكوك في مصدرها أمر ضروري، خصوصا في سياق مكافحة غسل الأموال، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أهمية الأموال الخارجية، ولا سيما تحويلات اللبنانيين في الخارج، التي تشكل رافدا ماليا مهما للاقتصاد الوطني، وهي تساهم في تمويل مشاريع إنتاجية واستثمارية تنعش السوق المحلية.

الإجراءات الجديدة في لبنان تشترط الإفصاح عن هوية متلقي التحويلات ومصدر الأموال وتفاصيل أخرى (الجزيرة)

ويشير إلى أن التشديد على هذه التحويلات، بما يشمل تقليل حركة الأموال النقدية عند المطار أو المعابر البرية، وإخضاع التحويلات للمساءلة القانونية، قد يحرم لبنان من موارد مالية مهمة، ويؤثر في الدورة الاقتصادية، ولا سيما في ظل شح السيولة وتراجع النشاط الاستثماري.

ويرى سرور أن الهدف الأساسي من هذه القيود قد يتركز على الحد من تمويل حزب الله من مصادر خارجية، لكنه يحذر من أن الإجراءات قد تطال أيضا المستثمرين اللبنانيين ورجال الأعمال الذين يسعون إلى تمويل مشاريع إنتاجية، مما قد يؤدي إلى تراجع الاستثمار المحلي وإضعاف الحركة الاقتصادية.

رقابة مالية

من جانبه، يقول الخبير والباحث الاقتصادي عماد فران، للجزيرة نت، إن القرار الجديد يأتي بعد سلسلة تحذيرات من الهيئات الرقابية، وضغوط أميركية مباشرة للحد من تبييض الأموال، في ظل اتهامات سابقة وحالية للبنان ومصارفه، واعتبار التدابير التي يتبعها المصرف المركزي غير كافية لضبط الحركة المالية.

ويشير فران إلى أن الأبعاد السياسية للقرار لا يمكن تجاهلها، خاصة في ما يتعلق بالحد من تدفق الأموال إلى حزب الله، والاتهامات الموجهة للبنان باعتباره سوقا للتداول غير المعلن عبر الذهب والعملات المشفرة.

ويضيف أن هناك محاولات جادة للحد من الاعتماد على النقد، والتحول تدريجيا نحو التعاملات الإلكترونية، مع تشديد متطلبات الإفصاح عن مصادر الأموال المحوّلة، بما يعزز الرقابة المالية، ويرفع مستوى الشفافية، ويقلل المخاطر القانونية على المؤسسات المالية والأفراد.

تحكم مالي

ويرى الخبير في الشؤون الاقتصادية والمالية والمصرفية علي نور الدين -في حديثه للجزيرة نت- أن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لتصنيف مجموعة العمل المالي، حتى لو كان الخطر محدودا حاليا، يفتح الباب أمام احتمالات تدهور التصنيف لاحقا إلى مستويات أكثر خطورة، في ظل انتشار اقتصاد النقد (الكاش) في البلاد نتيجة الأزمة المصرفية، مما يجعل لبنان بيئة خصبة لغسل الأموال.

إجراءات نقدية جديدة لتعزيز الرقابة المالية ومكافحة التدفقات غير المشروعة (الجزيرة)

ويضيف نور الدين أن القيود الجديدة التي طالت الصرافين وشركات تحويل الأموال والمؤسسات المالية المرخصة جاءت في هذا السياق، بهدف ضبط حركة الأموال ومراقبة مصادرها، وأما تأثير هذه الإجراءات على السوق النقدية، فيعتمد على مدى تشدد تطبيقها.

إعلان ويشير الخبير الاقتصادي والمالي نور الدين إلى احتمالين اثنين: الأول: تبقى القيود على حركة الأموال محدودة ومقتصرة على التصريح عن مصادر الأموال، كما كان يحصل سابقا مع المبالغ الكبيرة، وهو السيناريو المرجح حاليا، ولن يؤثر على التوازنات النقدية في السوق. الثاني: تتحول الإجراءات إلى قيود صارمة تشمل مختلف عمليات القطع (الجرد المالي) والتحويل، مما قد يؤدي إلى تشوهات في السوق النقدية، شبيهة بما حصل في تجارب إقليمية سابقة، مع ظهور اختلالات في سعر الصرف، وتأثير على المعروض من الدولار.

ويستبعد نور الدين وصول الوضع إلى هذا الحد، مؤكدا أن الإجراءات الحالية تهدف أساسا إلى الامتثال للضغوط الخارجية، من دون المساس بالاستقرار النقدي في السوق المحلية.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الرقابة المالیة هذه الإجراءات حرکة الأموال للجزیرة نت نور الدین على حرکة

إقرأ أيضاً:

اليمن.. مكتب النائب العام يختتم دورة تدريبية لمأموري الضبط القضائي بالهيئة العامة للبريد

 

اختتمت في المعهد العالي للقضاء بأمانة العاصمة، اليوم الثلاثاء، 02 ذو الحجة 1447هـ الموافق 19 مايو 2026م الدورة الثالثة من البرنامج التدريبي الخاص بإعداد مأموري الضبط القضائي في القضايا المتعلقة بأعمال البريد، بإشراف النيابة العامة.

هدفت الدورة، التي نظمتها على مدى أربعة أيام، دائرة التدريب والتأهيل بمكتب النائب العام إلى تنمية معارف 30 متدرباً من أعضاء النيابة العامة ومأموري الضبط القضائي العاملين بالهيئة العامة للبريد، بالمهارات القانونية العملية في مجال الضبطية القضائية، ورفع كفاءة المشاركين ومنحهم الصفة الضبطية لتمكينهم من أداء مهامهم في ضبط المخالفات المرتبطة بالخدمات البريدية.

وفي الاختتام، اعتبر وزير الاتصالات وتقنية المعلومات المهندس محمد المهدي، تنظيم قطاع البريد السريع وخدمات النقل والتوصيل عبر المنصات الإلكترونية، أحد المرتكزات الاستراتيجية لإعادة الانضباط لهذا القطاع الحيوي.

وأشار إلى أن هيئة البريد تجاوزت دورها التقليدي لتقوم بدور تنظيمي ورقابي يواكب التحولات الرقمية والاقتصادية في البلاد، موضحًا أن منح مأموري الضبط القضائي الصفة القانونية بالتنسيق مع النيابة العامة يعزّز من حماية حقوق المستهلكين والمتعاملين ويضمن بيئة تنافسية عادلة.

وأكد الوزير المهدي، أن التنظيم البريدي اللوجستي يحمي المستهلك والمواطن من مخاطر الاحتيال وضياع الشحنات والعبث بالأسعار، ويضمن للمتاجر والشركات المرخصة بيئة منافسة عادلة وشبكة توصيل آمنة وموثوقة تعتمد أرقى معايير الجودة والأمان الرقمي.

وبين أن هذا التحول يرتبط ارتباطاً وثيقاً بازدهار التجارة الإلكترونية في البلاد، إذ لا يمكن إقامة سوق رقمي حقيقي ومستدام دون وجود ذراع لوجستي منضبط يضمن كفاءة تدفق السلع محلياً، وانسيابية الصادرات والواردات دولياً عبر شبكة البريد السريع الدولي المترابطة.

وعدّ وزير الاتصالات الارتقاء بالخدمات البريدية خطوة سيادية تتجلّى في ثلاثة مسارات متكاملة: مسار أمني وسيادي يضمن حماية البيانات الفردية وخصوصية العملاء ويصون الأمن القومي، ومسار اقتصادي يسعى لدمج القطاع غير الرسمي في الاقتصاد المنظم ومكافحة التهرب الضريبي والعشوائية، ومسار خدمي تنموي يرفع جودة الحياة اليومية للمواطن ويسهل حصوله على احتياجاته بأمان.

وأشاد بتبني النيابة العامة ممثلة بالنائب العام، والمعهد العالي للقضاء، ودائرة التدريب والتأهيل بمكتب النائب العام، مثل هذه الدورات التدريبية النوعية التي شملت تأهيل 81 متدرباً من وكلاء النيابة ومأموري الضبط القضائي بفروع الهيئة.

بدوره، أكد النائب العام القاضي عبدالسلام الحوثي، أن منح صفة الضبطية القضائية يأتي في إطار تطبيق القانون الذي يخضع له الجميع، مشدداً على ضرورة ممارسة هذه الصلاحيات بحيادية وشفافية، وعدم التباطؤ في اتخاذ الإجراءات القانونية عند توفر الشبهة.

وأشار إلى أهمية الالتزام بما تضمنته الدورة من مفاهيم وتشريعات باعتبارها مرجعاً عملياً لمأموري الضبط القضائي، دعيًا إلى توثيق إجراءات الضبط القضائي بمحاضر رسمية دقيقة.

وأوضح القاضي الحوثي، أن النيابة العامة هي صاحبة الاختصاص الأصيل في رفع الدعوى العامة ومتابعة القضايا، محذراً من التفتيش العشوائي أو الاجتهاد خارج النصوص القانونية.

وفي اختتام الدورة التي حضرها نائب وزير العدل وحقوق الإنسان القاضي إبراهيم الشامي، أوضح رئيس المكتب الفني بمكتب النائب العام القاضي أحمد الجندبي، أن منح صفة الضبطية القضائية لمأموري البريد يمثل مسؤولية كبيرة وأمانة أمام الله والشعب.

وأشار إلى أن الدورة جاءت لصقل قدرات المشاركين وتوحيد الإجراءات بما يحقق العدالة ويعكس صورة مشرقة للدولة أمام المواطنين، مشيدًا بمستوى تفاعل واستعداد منتسبي الهيئة العامة للبريد والتوفير البريدي، مع مثل هذه الدورات التدريبية.

وثمّن القاضي الجندبي، الجهد الذي بذلته دائرة التدريب والتأهيل بمكتب النائب العام، والهيئة العامة للبريد، ووزارة الاتصالات في إعداد الدورة وتهيئة الكادر، مشيداً بالدعم المتواصل من النائب العام لأعمال التدريب.

وتلقى المشاركون خلال الدورة محاضرات حول مفاهيم سيادة القانون، سلطات الضبط القضائي وعلاقتها بالنيابة العامة، واستعراض قضايا واقعية في مجال الخدمات البريدية، والامتيازات والمحظورات والعقوبات المرتبطة بها، إضافة إلى تطبيقات ونقاشات عامة.

حضر الاختتام رئيس جهاز التفتيش بمكتب النائب العام القاضي علي الأحصب، وعميد المعهد العالي للقضاء القاضي الدكتور محمد الشامي ونائبه الدكتور يحيى الخزان، ورئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان علي تيسير ومدير عام الهيئة العامة للبريد والتوفير البريدي عمار وهان، وعدد من القضاة وأعضاء النيابة العامة.

مقالات مشابهة

  • برج الثور.. حظك اليوم الأربعاء 3 يونيو 2026: إحباط وإرهاق
  • السجن مدى الحياة لراشد الغنوشي في قضية الجهاز السري لحركة النهضة
  • هيئة السوق المالية: قبول طلب تقييد دعوى جماعية مقامة من أحد المستثمرين ضد بعض أعضاء مجلس الإدارة وأعضاء لجنة المراجعة في إحدى الشركات الغذائية
  • الذهب بين الفائدة والتوترات الجيوسياسية.. توقعات جديدة لحركة الأسعار في مصر
  • الداخلية تكشف واقعة تقييد أطفال وتهديد والدتهم ببني سويف
  • رئيس مصلحة الجمارك يكشف أبرز التسهيلات والإجراءات الجديدة لدعم حركة التجارة وتيسير الإفراج الجمركي
  • اليمن.. مكتب النائب العام يختتم دورة تدريبية لمأموري الضبط القضائي بالهيئة العامة للبريد
  • الكويت تقبض على سجناء هاربين
  • خبير اقتصادي: "حياة كريمة" المبادرة الأضخم تاريخياً لبناء المواطن المصري
  • وزير المالية يعلن تسهيلات جمركية جديدة