الزراعة حياة… فلماذا لا نزرع؟
د. ورود خصاونة
ما هي الأسباب التي أدّت إلى العزوف عن الزراعة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع كلفة المعيشة؟
أصبح تأمين الغذاء مسألة أساسية تمسّ حياة الناس اليومية، فالاعتماد الكبير على الاستيراد يجعلنا أكثر عرضة للتقلبات، ويؤكد الحاجة إلى العودة للاعتماد على الأرض.
وهنا يأتي دور الزراعة كحلّ قريب يمكن أن يخفف الكثير من الأعباء على الأسر والمجتمع.
في شمال الأردن بشكل خاص، تتوفر حول معظم البيوت مساحات صالحة للزراعة، سواء كانت حدائق صغيرة، أو أسطح منازل، أو أراضي مهملة لم تُستغل. وفي الوقت نفسه يعاني كثير من الناس من قلة فرص العمل أو ضعف الدخل.
سأطرح سؤالًا بسيطًا:
لماذا هجرنا الزراعة؟
هل يعتقد البعض أن هذا نوع من التحضّر، وأن الزراعة تعني الجهل والماضي؟
للأسف، إن بعض الناس يفهم التقدم والتحضر بطريقة خاطئة. فقد لفتني في سفري إلى معظم دول أوروبا منظر نساء صغيرات يقدن الجرارات الزراعية ويحلبن الأبقار، وعند الحديث معهن عرفت بأنهن من صاحبات وأصحاب الشهادات. وهذا العمل يُعتبر جزءًا من العمل البيتي، لا دخل له في العمل الخارجي، وأنه من الأفضل تناول الطعام من منتجات طبيعية طالما لدينا مساحة جميلة.
فالزراعة المنزلية لها آثار إيجابية كثيرة، أولها تحويل الأسر إلى أسر منتجة وتفريغ الطاقات السلبية. كما أن الزراعة المنزلية قادرة على توفير جزء من الاحتياجات الغذائية، وتخفيف المصاريف، وتحسين شكل المكان والبيئة المحيطة، إضافة إلى تنقية الهواء.
ليس المطلوب أن يكون الجميع مزارعين محترفين، بل أن تصبح الزراعة جزءًا من حياتنا اليومية. زراعة الخضار الأساسية، أو بعض الأشجار المثمرة، أو حتى الورد والنباتات الخضراء، تضيف جمالًا للمكان وهواءً أنقى، وتمنح الإنسان شعورًا بالراحة والارتباط بالأرض. فالزراعة ليست طعامًا فقط، بل منظر جميل، وبيئة صحية، وسلوك إيجابي.
عند سؤال البعض، يجيب بأن السبب هو قلة الماء. شحّ المياه غالبًا يُعتبر عائقًا أمام الزراعة، وهو تحدٍ حقيقي، لكنه لا يعني التوقف. فاليوم توجد وسائل حديثة تساعد على الزراعة بأقل كمية ممكنة من المياه، مثل الري بالتنقيط، وتجميع مياه الأمطار، وإعادة استخدام بعض المياه المنزلية.
ما نحتاجه هو نشر هذه الأفكار وتدريب الناس عليها، بدل الاكتفاء بالتحذير من الزراعة أو الخوف منها. فالزراعة لها أثر واضح في تحسين شكل المدن والقرى، تمامًا كما تفعل السياحة. فالأماكن الخضراء أكثر جمالًا وصحة، وتمنح شعورًا بالراحة والاستقرار، والبيوت والأحياء المزروعة تعكس صورة حضارية جميلة وتضيف قيمة للمكان وسكانه.
الزراعة هنا ليست بديلًا عن أي قطاع آخر، بل مكملة له وداعمة. ومن هنا تبرز أهمية البحث عن طرق زراعية تناسب واقعنا، مثل الزراعة المنزلية والمشاريع الزراعية الصغيرة، إضافة إلى تشجيع التعاون بين الناس. كما أن دور الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارة الزراعة، مهم في نشر التوعية وتقديم الإرشاد والدعم الفني، ومساعدة المواطنين على البدء بخطوات بسيطة وقابلة للتنفيذ.
الزراعة اليوم فرصة لتحسين الدخل وأسلوب حياة أفضل، وطريق لتعزيز الاعتماد على الذات. وإذا أردنا تحقيق اكتفاء حقيقي، فعلينا أن نبدأ من بيوتنا ومن وعينا بأهمية الأرض من حولنا. فالزراعة ليست فقط ما نأكله، بل ما نراه، وما نتنفسه، وما نتركه لأبنائنا في المستقبل.
المصدر
المصدر: سواليف
إقرأ أيضاً:
خالد الجندي: عصر “التزييف الرقمي” يفرض علينا حسن الظن وسوء الظن يهدم المجتمعات
حذر الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، من تصاعد ما وصفه بـ“عصر الفتن الرقمية” مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الواقع أصبح ممتزجًا بالمحتوى المزيّف، ما يجعل التمييز بين الحق والباطل أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
وأوضح الجندي، خلال حلقة برنامج "لعلهم يفقهون"، المذاع على قناة "dmc"، اليوم الثلاثاء، أن هذا الواقع الجديد يفرض على المجتمعات ضرورة التمسك بقيم أخلاقية راسخة، في مقدمتها “حسن الظن” و”التماس الأعذار”، مشيرًا إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾، معتبرًا أن سوء الظن المتكرر يؤدي إلى تفكك العلاقات الاجتماعية وانهيار الثقة بين الناس.
وأشار إلى أن المجتمعات في السابق، رغم غياب وسائل الإعلام الحديثة، كانت أكثر تماسكًا بفضل انتشار ثقافة حسن الظن، والتعامل بروح العذر والرحمة بين الناس، مؤكدًا أن هذه القيم كانت عنصرًا أساسيًا في حفظ استقرار المجتمع.
واستشهد بما نُقل عن بعض السلف الصالح، ومنهم ما رُوي عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “من علم من أخيه مروءة جميلة فلا يسمعن فيه مقالات الرجال”، في إشارة إلى ضرورة عدم الانسياق وراء الشائعات أو الروايات غير الموثوقة.
كما أشار إلى ما ورد عن العلماء في تراث التزكية والأخلاق، ومنه قول سعيد بن المسيب رحمه الله: “ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك”، موضحًا أن الأصل في التعامل بين الناس هو حمل أفعال الآخرين على الخير ما أمكن.
وأكد أن النصوص القرآنية والسنة النبوية دعت إلى هذا المعنى، مستشهدًا بقوله تعالى في سورة الحجرات، داعيًا إلى تجنب الظنون السيئة التي تزرع القطيعة بين الناس.
وشدد الجندي على أن التسرع في الحكم على الآخرين، أو الانسياق وراء محتوى مجهول المصدر عبر وسائل التواصل، يؤدي إلى فقدان الثقة وتفكك العلاقات، مؤكدًا أن “حسن الظن” ليس سذاجة، بل هو وعي أخلاقي يحمي المجتمع من الانهيار النفسي والاجتماعي.
وشدد على أن التماس الأعذار والبحث عن التفسير الإيجابي لسلوك الآخرين يخفف من التوتر الاجتماعي، ويحفظ المودة بين الناس، ويمنع تراكم الضغائن التي تهدد استقرار الأسر والمجتمعات.
اقرأ المزيد..