#سواليف

#عاصفة #تكريم #الشخصية #التوك_توكرية إذ يفتح #ملف_التكريمات في #الجامعات_الاردنية.

د. #عبدالحكيم_الحسبان

لم تكن ليلة الامس عادية على كثير من العاملين في جامعة اليرموك ولا على المهمتمين بشؤونها ولا على رئيسها وإدارتها الذي وجدوا أنفسهم غارقين وسط عاصفة من الكتابات والتعليقات على المواقع الالكترونية كما على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي.

وأما محور عاصفة الامس، فقد كان بث محتوى عن تكريم شخصية لم يعرف الاردنيون لها أي انجاز على الارض الاردنية الواسعة أو في الميدان الاردني أو العالمي الاوسع، بل هي نمت وازدهرت وأتت لتكرم في الجامعة من عالم التيك توك واليوتيوب الافتراضي. وما أن تم بث المعلومة عن تكريم هذه الشخصية حتى باتت محور الحديث والمشاركات والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي لتتبعها تصريحات بطعم التصحيحات او التبريرات من ادارة الجامعة.
ولقد كان سيل المنطوقات والكتابات حول الخبر جارفا ولم يكن بالامكان حتى متابعته. فكيف إذا تعلق الامر بتفنيده وتوضيحه وتبريره. والحال، فإن حادثة الامس مثلت لغما جديدا انفجر في وجه ادارة الجامعة الجديدة وكان عليها أن تمضي ساعات الليل وهي تحاول استدراك ما جرى وسط سيل من التعليقات السلبية جدا جدا، والشتائم العلنية، والتهكمات التي أصابت الجامعة في إسمها ونالت بالتأكيد من رصيدها وسمعتها.
وفي محاولة فهم ما جرى بالامس، فان من المهم وضع مسألة التكريمات التي تقوم بها جامعة اليرموك والجامعات الاردنية عموما موضع النقاش والنظر بل وحتى النقد والمراجعة. فلم تكن حادثة الامس هي الاولى ولم تكن حدثا عابرا او يتيما، بل كان تكريم الامس المثير للجدل هو استمرار لنهج ومسلسل طويلين من حفلات التكريم وأعراسها. ومنذ سنوات يخضع العاملون في الجامعة لغزو بصري مرده طوفان من الصور والفيديوهات ذات ألوان الفساتين النارية الزاهية البراقة تزف لهم اخبار جيوش طويلة من المكرمين وخصوصا المكرمات عجزت ذاكرة الناس والعاملين في الجامعة عن تذكر اسمائهم وأسمائهن، لانها ببساطة تعجز عن تذكر انجازات حقيقية على الارض أو بأفعال مؤثرة حقيقية تتعلق بمعظم هؤلاء المكرمين والمكرمات (مع تشديد الراء).
لم تكن عاصفة الامس مفاجئة لي، لانني ومنذ سنوات اكتب عن خطورة ما يجري فيما يتصل بظاهرة التكريمات. وما جرى بالامس كان متوقعا بالنسبة لي وكنت انتظره واتوقعه. كنت على يقين ان موضوعة التكريمات ستنفجر في لحظة ما في وجه المؤسسة ومن يقودها. وأما وقد انفجر اللغم بوجه الجامعة والتعليم العالي بالامس، فقد بات من المهم مناقشة الموضوع بجرأة علمية وبعقل علمي ومؤسسي بارد. فسيل الشتائم، والتهكمات، والاستهزاءات بالجامعة واسمها، وموقعها على الفضاء الالكتروني العابر للحدود والدول والقارات كان كفيلا بنسف اطنان من العمل على الارض وفي الاعلام( في وعن) التصنيفات ونيل الاعتمادات العالمية وعن تقدم الجامعة في تصنيفات شنغهاي وكابول وبوركينا فاسو. خطأ مثل الذي حدث بالامس كفيل بأن ينسف جهدا طيبا لجيش من العلماء الطيبين.
في موضوعة حفلات وأعراس التكريم ولان الجامعة هي مؤسسة عمومية ووطنية وليس حيازة أو شيئا او عقارا لفرد يفعل فيه وبه ما يشاء، فقد بات من الضروري نقل موضوعة التكريمات من نطاق الاجتهاد الفردي لهذا الشخص او تلك ممن يتخذون القرار، ومن نطاق محاولات صعود بعض الطامحات او بعض الطامحين في الجامعة في التسلق من خلال تكريم شخصيات يراهنون أنها ستحملهم إلى جنة الكرسي الاكبر من ذلك الذي يجلسون عليه راهنا، ومن نطاق تسويق بعض الطامحات والطامحين وتلميعهم لبعض الوجوه من الطامحين خارج الجامعة، ومن نطاق تكتيك اكرم عطوفتك او معاليك اليوم كي تكرمني بكرسي او موقع غدا.
في مشهديات التكريم المتلاحقة في اليرموك وصورها التي تغزونا، تحضر في الذاكرة تكريمات كثيرة جرت في سنوات سابقة أثارت كثيرا من اللغط، وبدلا من أن تزيد من رصيد الجامعة وادارتها فقد فعلت النقيض. ففي الذاكرة صور لحفل تكريم نظمه عميد لشخوص متهمين من قبل جمهور الجامعة بانهم زرع شيطاني من الاتباع والموالين والمواليات الشخصيين له. وفي الذاكرة صور لتكريم جماعي مهيب لعشرات من المكرمات من الجنس اللطيف أثار جبالا من اللغط بل ومن الغضب حول المعايير المؤسسية التي اعتمدت في اختيار المكرمات. والنتيجة كانت، انه وبدلا من تحقيق المؤسسة لزيادة في رصيدها فقد زاد عدد منتقديها من العاضبين وتحديدا من الغاضبات عليها وخصوصا ان قوائم المكرمات بدت عليها بصمات سايكولوجيا الطموح الشخصي النسائي.
وفي مقابل حفلات التكريم لاسماء هي في كثير من الاحيان من خارج الجامعة ومن خارج الحقل الاكاديمي فان العاملين في الجامعة وخصوصا أن الجامعة التي انشات في منتصف سبعينيات القرن الماضي وما زال بعض من يعملون بها قد ساهموا وشاركوا ليس علميا فقط في مسيرتها، بل وحدث ان شارك بعضهم في لحظات التاسيس وبناء كلياتهم، بل اجزم ان هناك من كان منهم يعمل جنبا الى جنب مع عمال الحدادة والنجارة وهم يستكملون تشييد مبانيها. فهؤلاء من الجيل المؤسس يرقب وبكثير من الحزن والخيبة حفلات التكريم واعراسها وتعليلاتها المستمرة والاحتفاء باناس لا يعرفون بالضبط ما قدموه، وما قدمن من عمل وعطاء للجامعة. أسماء كثيرة في كليات كثيرة تستحق أن تكرم.
وعلى المستوى الشخصي، فقد حصل وأن عايشت قصة ما تزال تثير الكثير من المرارة والغضب في نفسي وهي تستحضر هنا من باب خدمة المؤسسة والجامعة والوطن. فقبل حوالي العام والنصف حدث أن قرر الاستاذ الدكتور عبدالرزاق بني هاني أن يغادر الجامعة مقدما استقالته منها. فتم قبول الاستقالة بالرغم من امكانية استمراره بالعطاء في المؤسسة. ولمن لا يعرف هذه الشخصية، فيكفي ان يبحث في المكتبة ليعرف أننا نتحدث عن شخصية تنوعت اسهاماتها الكبيرة، ففي الحقل العلمي احتفل مجمع اللغة العربية (وليس جامعة اليرموك) قبل اشهر باكتمال جهد العلامة بني هاني على معجم اللغة العربية الاقتصادي ليكون المؤلف رقم 35 ضمن قائمة كتبه القيمة، ناهيك عن عشرات المقالات في أهم المنشورات العالمية ذات المصداقية والموثوقية.
وعلى المستوى الوطني فقد خدم الرجل الدولة والناس في البلاد حين شغل موقع امين عام وزارة التخطيط، كما شغل موقع رئيس جامعة أهلية. واما على مستوى الايادي البيضاء في اليرموك، فبالاضافة إلى الاف ساعات العمل مع الطلبة والزملاء والادارة في خدمة الجامعة، ففي رصيد الاستاذ بني هاني وخلال السنة ونصف الاخيرة من خدمته في الجامعة تبرعات يبلغ حجمها 300 الف دينار جمعها مستثمرا علاقته وسمعته الطيبة كي يرفد خزينة الجامعة. وفي رصيده أيضا مبلغ خمسة ملايين دينار سابقة كان له الفضل في تأمينها كي يكتمل مشروع بناء مكتبة الجامعة. وفي رصيده الانساني الكبير تمويله تجهيز قاعتين كبيرتين حديثتين في مبنى الاقتصاد في الجامعة من دخله الخاص بمبلغ يزيد عن عشرين الف دينار كان يمكن له أن يفضل ان ينفقها في استبدال بيته المكون من شقة قديمة في عمان ليسكن في فيلا أكثر رفاهية.
وأما ما يثير الحزن بعد كل هذه التفاصيل المتعلقة بالاستاذ بني هاني، فهي أن الرجل قدم استقالته وقبلت بسهولة حزينة. وخسرت الجامعة مصدرا بشريا كبيرا حقيقيا ومجربا. والحزين أن الرجل غادر دون أن يحظى حتى باستقبال في مبنى الرئاسة أو في مبنى الكلية التي عم خيره فيها، ليس كي يقال للرجل شكرا، ولكن كي نرى المؤسسة وهي تكرم نفسها وتحتفي بمن يبني فيها، وبمن يساهم في نموها وازدهارها. أجزم أن نموذج الاستاذ بني هاني ليس استثناءا في الحالة اليرموكية. فقائمة من قدموا خيرا عميما للجامعة تطول بعضهم ما زال على قيد الحياة، وبعضهم غادر الدنيا جسدا ولكن أثره بقي في مباني الجامعة وعلى السنة العاملين فيها، وكلهم أو جلهم غادروا الحرم الجامعي الى بيوتهم والغصة تملأ قلوبهم.
ولان موضوعة التكريم ليست مجردة ممارسة اخلاقية تتعلق بتكريس صفة خلقية او قيمة اخلاقية تشتمل على فكرة ان من يفعل خيرا للمؤسسة يجب أن يحصل هو على تعويض او مردود نفسي يفيه حقه لقاء ما قدمه للمؤسسة، بل هي تتعدى الاخلاقي لتصل الى المهني والمؤسسي والاداري بل والاقتصادي والنفعي. ففكرة التكريم لا تعزز المنظومة الاخلاقية فقط بل هي جزء من العملية الانتاجية والاقتصادية والادارية والسياسية والاجتماعية والتربوية وهي باهمية التشريعات والتجهيزات والبني التحتية والموارد المالية التي تشتمل عليها المؤسسة.

مقالات ذات صلة رسالة مؤلمة من زوجة أنس الشريف تبكي القلوب .. كبرت شام يا أنس 2026/01/06

والحال، فان قرارات التكريم كما فلسفته، كما طقوسه، كما توقيته، كما اهدافه، كما قوائم المكرمين فقد آن أوان نقلها والعبور بها من تكتيكات الطامحات والطامحين الفردية والانانية والشخصية والشخصانية إلى استراتيجات وتكتيكاتي المؤسية والعلمية بل والاخلاقية والمهنية. كما بات من الضروري على من يصنعون السياسات في حقل التعليم العالي العمل الحثيث على اعادة تعريف الجامعة في السياق الاردني ، وما المطلوب منها، وما هي اهدافها، وما هي الاخلاقيات المرتبطة بها، ومن هو جمهورها، ومن .. ومن.. ومن.. الخ. فحين ترى جامعة تكرم شخصية من عالم الفيس بوك او التيك توك فهذا يعني ببساطة أن تعريف الجامعة لم يعد واضحا، وأن غموضا وخلطا وتشويشا اصاب المجتمع والاكاديميا وصناع القرار حول مفهوم الجامعة وتعريفها وماهيتها.
وعلى صعيد اليرموك، وكي ننتقل إلى المؤسسية على صعيد التكريمات، ربما صار من المهم تشكيل لجنة تتمتع بالكفاءة والسمعة الطيبة والخبرة الطويلة ترتبط بالرئاسة مباشرة تناط بها مهمة صياغة فلسفة التكريمات، والمصادقة على أسماء من يتم اقتراحهم لتكريمهم، كما تناط بها التحقق من اسماء من يقترحون لتكريمهم ومن اسباب اقتراح تكريمهم، كما تناط بها مراقبة طقوس التكريم، وبما يجعلها هي مسؤولة عن حسن سير اجراءات التكريم وتتحمل بالتالي اي انحراف يجري في موضوعة التكريم.

المصدر

المصدر: سواليف

كلمات دلالية: سواليف عاصفة تكريم الشخصية الجامعات الاردنية الجامعة فی فی الجامعة بنی هانی من نطاق لم تکن

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • جامعة قنا تتصدر الجامعات المصرية في جودة بيانات المعامل والأجهزة العلمية
  • برج الأسد.. حظك اليوم الأربعاء 3 يونيو 2026: تحقيق أهدافك الشخصية
  • صبري عبدالمنعم يكشف سبب توجه بعض الفنانين للتيك التوك
  • خلافات متصاعدة حول قانون الأحوال الشخصية قبل إقراره
  • تقرير أمريكي يكشف تفاصيل مكالمة عاصفة بين ترامب ونتنياهو بشأن لبنان
  • متى يحق لأستاذ الجامعة الحصول على إجازة تفرغ علمي؟.. القانون يجيب
  • تكريم الأمهات المثاليات بالإدارات الصحية في الجيزة (صور)
  • اليابان: عاصفة قوية تقترب من طوكيو وتوقع مصابين
  • حسام الحداد يكتب: من التنوير إلى التحريم.. كيف يفتح تضييق "الأنشطة الطلابية" أبواب التطرف؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش