العام 2026 لا يبدو عام انفجار مفاجئ، بل عام نفاد الصبر على إدارة الانهيار؛ فبعد سنوات من تدوير الأزمات وإعادة إنتاجها، وتمديد الصراعات، والرهان على تسويات مؤقتة لا تُنهي الحروب ولا تبني دولا، يقترب الإقليم العربي من لحظة مختلفة: لحظة يدرك فيها اللاعبون الإقليميون والدوليون أن كلفة الإبقاء على الوضع القائم باتت أعلى من كلفة تغييره.

لم تعد السياسة تُستخدم لفتح مسارات حل، بل لتأجيل الصدام. ومع تراكم الملفات المفتوحة من السودان إلى غزة، ومن اليمن إلى ليبيا، يصبح السؤال أقل دبلوماسية وأكثر خشونة: إلى متى يمكن إدارة الانهيار دون أن يُفرض حل بالقوة؟

الإقليم الذي عاش على التهدئات المؤقتة، والوساطات المكررة، والتوازنات الهشة، يصل إلى نقطة يتقاطع فيها الإرهاق مع الحسابات الصلبة. أزمات بلا أفق سياسي، حروب بلا منتصر، ودول تُستنزف حتى آخر ما فيها، بينما يُعاد تدوير الخطاب نفسه عن الاستقرار. في هذه اللحظة، لا تعود المواجهة احتمالا نظريا، بل خيارا مطروحا على الطاولة، ولو بغير إعلان.

عام 2026 يبدو أقرب إلى لحظة اختبار قاسٍ للاعبين الإقليميين النشطين، وفي مقدمتهم الإمارات، التي بنت خلال العقد الماضي شبكة نفوذ عابرة للحدود، لكنها تدخل الآن مرحلة تآكل المواقع، لا توسّعها.

وللتذكير، فقد دعمت الإمارات حفتر ضد الحكومة الشرعية في ليبيا، ودعمت حميدتي ضد الحكومة الشرعية في السودان، ودعمت الانفصاليين في جنوب اليمن، ودعمت حكومة ميانمار ضد مسلمي الروهينغا، ودعمت الهندوس ضد مسلمي الهند، ودعمت الصين ضد مسلمي الإيغور، ودعمت القوى المتطرفة في الصومال، وساهمت في بناء سد النهضة الإثيوبي، وحاربت المسلمين في أوروبا وحرضت عليهم؛ فقد تسببت في غلق أكبر مسجد في إيرلندا، وهو مسجد ومركز إسلامي يعدّ الأهم في البلاد، وساندت المعارضة الماليزية الفاسدة، ومولت الانقلاب ضد عمران خان في باكستان، ومولت الانقلاب على أردوغان، وكانت وراء الانقلاب في مصر، وكانت المحرض الأول على حصار قطر، وكانت ستغزوها لولا التدخل التركي، وحاولت التدخل في الجزائر وتونس، واستولت على ثروات كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وخصوصا الذهب.. إضافة إلى ما لا يتسع له المجال من كوارث سياسية وعسكرية وأخلاقية قامت بها الإمارات لصالح أجندة صهيونية بحتة، لا مصلحة للعرب فيها من قريب أو بعيد، وليس آخرها التحالف مع الكيان المحتل ضد المقاومة في غزة وفلسطين بعامة.

أولا: الإمارات والكيان الصهيوني: تحالف وظيفي لا شراكة متكافئة

من الخطأ قراءة العلاقة الإماراتية الإسرائيلية بوصفها تحالفا سياسيا تقليديا، بقدر ما هي تحالف ميكانزمي يقوم على تقسيم أدوار: إسرائيل: عقل أمني/ تكنولوجي، والإمارات: منصة لوجستية "تمويل، وغطاء عربي". وهذا يظهر بوضوح في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وبعض الملفات الأمنية في ليبيا والسودان.

لكن المشكلة أن كلفة هذا الدور بدأت ترتفع؛ فالكيان المحتل لا يدفع أثمانا سياسية في الإقليم، والإمارات تدفع من رصيدها العربي والأفريقي.. ومع اشتداد الحرب في غزة وتحوّل الكيان المحتل إلى عبء أخلاقي وسياسي عالمي، يصبح الارتباط الوظيفي به نقطة ضعف لا مصدر قوة كما خُيّل لأبو ظبي التي باتت في أعين الجميع مثالا صارخا للخيانة والارتهان لأعداء الأمة!

وأتصور أن عام 2026 قد يكون أول عام تُجبر فيه أبو ظبي على خفض مستوى دورها الخبيث؛ لا لأنه هابط أخلاقيا، بل لأنه أصبح مكلفا سياسيا.

ثانيا: غزة كحدث أنهى عصر "الإدارة" وفتح عصر الانفجار

ما جرى في غزة لم يكن حربا بقدر ما كان انهيارا دوليا جماعيا للأخلاق، ففي 2026، ستتكشّف نتائج هذا الانهيار؛ حيث لم يعد ممكنا احتواء الغضب، بعد أن فقدت المسكنات السياسية خواصها العلاجية، ولم يعد مصطلح التهدئة قابلا للتسويق..

غزة ليست فصلا في كتاب 2026، بل الصفحة التي احترقت وبقي أثرها. ما بعدها ليس امتدادا طبيعيا للتاريخ، بل تاريخٌ مُصاب بجرح مفتوح. وكل محاولة للحديث عن الاستقرار أو النظام أو التهدئة دون المرور من غزة، هي كتابة فوق رماد لم يبرد بعد.

في 2026، لن تكون غزة سؤالا أخلاقيا معلقا، بل عاملا محدِّدا لمسار المنطقة؛ فالسابقة التي فُرضت هناك ستُنتج ثلاثة مسارات متوقعة:

1. تطبيع العنف بشكل أكثر اتساعا، فما جرى في غزة سيُقرأ، عمليا، كإشارة سماح بمزيد من العنف والقتل والتدمير، حيث إن الإفراط في ممارسة الجريمة لا يترتب عليه ثمن سياسي حاسم أو عقاب دولي، لأن العقاب الدولي قابل للتأجيل أو التفريغ..

والرأي العام يمكن إنهاكه حتى يفقد قدرته على الرفض؛ وفي 2026، سيظهر هذا في نزاعات أخرى تُدار بعقلية "اضرب أولا وفسّر لاحقا"، لأن غزة أثبتت أن الصدمة لا تردع طويلا.

2. انحسار السياسة واتساع الأمن: غزة ستُسرّع انتقال المنطقة من منطق التسويات إلى منطق "إدارة أمنيّة للأزمات"، قائم على الاحتواء بالقوة لا بالحلول الدبلوماسية، أو إعادة الحقوق إلى أهلها، ومعاقبة المجرم.. وباختصار، سيسود منطق خفض سقف السياسة لصالح الإخماد القسري أو القهري للأزمات.

في 2026، سيُعاد تعريف "الاستقرار" كغياب للفوضى الظاهرة، لا كوجود لعدالة أو أفق، وستُبرَّر الإجراءات القاسية باعتبارها دروسا مستخلصة من "الفوضى الغزاوية".

3. تآكل الشرعية وتراكم الغضب المؤجل: إن النتيجة الأخطر ليست الانفجار الفوري، بل تراكم اللا معنى: شعوب ترى ولا تُصدّق، قوانين تُستدعى وتُعلّق حسب هوية المستفيد منها، وخطاب رسمي لا يقنع حتى أصحابه..

غزة لم تُغلق بابا في التاريخ، بل فتحت سابقة. وفي 2026، ستُدار المنطقة على أساس تلك السابقة: عنف بلا رادع، سياسة بلا أفق، واستقرار بلا شرعية. وما يبدو اليوم صمتا، سيتحوّل غدا إلى سياق عام يصعب الفكاك منه.

وللحديث بقية..

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الأزمات السودان اليمن الإمارات السودان اليمن الإمارات أزمات قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة رياضة سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی غزة

إقرأ أيضاً:

الحرس الثوري الإيراني يوسّع هجماته على قواعد أميركية بالأردن ويُدمّر مركز بيانات في الإمارات   

 

 

أعلن الحرس الثوري الإيراني، اليوم، أن قواته الجوفضائية شنت هجوماً جديداً بالصواريخ والمسيّرات استهدف قاعدتين عسكريتين أميركيتين في الأردن، هما “الملك فيصل” و”الأمير حسن”، وذلك في إطار ما وصفته بـ”الرد على اعتداءات العدو”.

 

وذكر بيان للحرس أن المرحلة الأولى من الهجوم أسفرت عن تدمير حظيرة لتجهيز طائرات F-15، وإلحاق خسائر بـ8 طائرات أميركية بدون طيار من طراز MQ-9، بالإضافة إلى تضرر طائرتين أخريين بشكل كبير. كما استهدف هجوم منفصل حظيرة مروحيات، ما تسبب بأضرار جسيمة لمروحيتين ثقيلتين، بينما أدى استهداف مركز إيواء قوات أميركية إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم.

 

وأكد الحرس أن “عملية معاقبة المعتدي مستمرة”، محذراً من أن استمرار الاعتداءات قد يدفع إيران إلى تنفيذ “عملية قادمة” تضع الولايات المتحدة في حالة حداد عام.

 

على الصعيد الدبلوماسي، اتهمت وزارة الخارجية الإيرانية واشنطن بانتهاك القانون الدولي، معتبرة أن الهجمات والتهديدات الأميركية المتكررة ضد المنشآت النووية الإيرانية، خصوصاً في منطقة “كولانغ” التي لا تشهد أي نشاط نووي، ما هي إلا ذرائع للعدوان.

 

وفي تطور لافت، كشف العميد شكارجي، المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية، عن تدمير مركز بيانات ضخم تابع للعدو في الإمارات، خلال ما أسماه “الحرب المفروضة الثالثة”. وأوضح أن المركز استُحدث على مدى 20 عاماً بدعم واستثمارات أوروبية وصهيونية وأميركية، بهدف السيطرة على المنطقة، مؤكداً أن “خمسة عقود من الاستثمارات الأميركية في المنطقة ذهبت أدراج الرياح مع تدمير قواعدها”.

 

في غضون ذلك، حذّرت المهمة البحرية الأوروبية “أسبيدس” من ارتفاع خطر استهداف السفن المرتبطة بمصالح إسرائيلية أو أميركية أو سعودية في البحر الأحمر وخليج عدن، داعيةً إياها إلى تجنب الإبحار هناك إلى حين انخفاض مستوى التهديد. وأشارت بيانات تتبع السفن إلى أن أربع ناقلات عدّلت مسارها بعد تحذيرات مماثلة من جماعة “أنصار الله” للسفن المتجهة إلى الموانئ السعودية.

 

من جهته، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن بلاده لا تزال منفتحة على التفاوض مع إيران، لكنه اتهم طهران بعدم الجدية في المحادثات، مشيراً إلى أن التصعيد الحالي عطّل اثنين من أهم ممرات الطاقة في العالم.

الأربعاء, 22 يوليو 2026 - 8:00 م0 104 فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست ‏Reddit واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة تسجيل 23 حالة إصابة جديدة بفيروس كورونا في خمس محافظات خلال الساعات الماضية الأربعاء, 29 سبتمبر 2021 - 4:19 م بوادر انفراج في العلاقة ما بين قطر ودول “الحصار” الخميس, 27 فبراير 2020 - 12:58 م عودة ٣٥ ألف مغترب يمني من السعودية خلال الثمانية أشهر الماضية الخميس, 7 سبتمبر 2023 - 12:06 ص اخر تحديث مسائي لاسعار صرف الريال اليمني امام العملات الأجنبية في كلا من صنعاء وعدن الإثنين, 18 أكتوبر 2021 - 3:22 م اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التعليق *

الاسم *

البريد الإلكتروني *

الموقع الإلكتروني

احفظ اسمي، بريدي الإلكتروني، والموقع الإلكتروني في هذا المتصفح لاستخدامها المرة المقبلة في تعليقي.

شاهد أيضاً إغلاق الأخبار ترامب يشترط انضمام السعودية للاتفاقية الإبراهيمية للموافقة على اتفاق نووي معها  الخميس, 23 يوليو 2026 - 7:25 م جديد الأخبار ترامب يشترط انضمام السعودية للاتفاقية الإبراهيمية للموافقة على اتفاق نووي معها  الخميس, 23 يوليو 2026 - 7:25 م عُمان تحيي الوساطة .. ومحاولات لنزع فتيل التصعيد بعد حصار البحر الأحمر الخميس, 23 يوليو 2026 - 7:00 م أكثر من 2300 مستوطن يقتحمون الأقصى بحماية الاحتلال.. والأوقاف تحذّر من “التقسيم الزماني والمكاني”   الخميس, 23 يوليو 2026 - 6:45 م الحصار البحري يتوسع: من هرمز إلى البحر الأحمر .. والنفط في أعلى مستوى منذ 6 أسابيع الخميس, 23 يوليو 2026 - 6:24 م القمة النسوية اليمنية تُثمّن إسهامات الزهراء لنقي في دعم السلام وتعزيز مشاركة النساء في اليمن الخميس, 23 يوليو 2026 - 6:21 م الأكثر قراءة خلال اسبوع الأخبار ترامب يشترط انضمام السعودية للاتفاقية الإبراهيمية للموافقة على اتفاق نووي معها  الخميس, 23 يوليو 2026 - 7:25 م عُمان تحيي الوساطة .. ومحاولات لنزع فتيل التصعيد بعد حصار البحر الأحمر الخميس, 23 يوليو 2026 - 7:00 م أكثر من 2300 مستوطن يقتحمون الأقصى بحماية الاحتلال.. والأوقاف تحذّر من “التقسيم الزماني والمكاني”   الخميس, 23 يوليو 2026 - 6:45 م الحصار البحري يتوسع: من هرمز إلى البحر الأحمر .. والنفط في أعلى مستوى منذ 6 أسابيع الخميس, 23 يوليو 2026 - 6:24 م القمة النسوية اليمنية تُثمّن إسهامات الزهراء لنقي في دعم السلام وتعزيز مشاركة النساء في اليمن الخميس, 23 يوليو 2026 - 6:21 م اظهر المزيد

 

فيسبوكتويترتيلقرام

موقع حيروت الإخباري خيارك الأفضل لتصفح آخر الأخبار المحلية، العربية والعالمية من مصدرها

جميع الحقوق محفوظة © حيروت الأخبار من مصدرها 2026، عن الموقع سياسة الخصوصية اتصل بنا فيسبوك تويتر واتساب تيلقرام زر الذهاب إلى الأعلى إغلاق البحث عن: فيسبوكتويترتيلقرام إغلاق بحث عن

مقالات مشابهة

  • الناقلات الإماراتية.. وجهات جديدة وشراكات تعيد تشكيل الوصول العالمي
  • سقوط “محتال التحويلات الوهمية”.. يفك لغز عشرات عمليات النصب التي استهدفت تجارًا بمختلف المدن
  • اترك هاتفك بالمنزل في المرة المقبلة التي تخرج فيها للمشي لهذا السبب
  • ما هي تسريحات الشعر التي رسمت ملامح النجمات في صيف 2026؟
  • طبيب الإنسانية.. استشاري عظام يفتح أبواب عيادته للفقراء والأرامل والأيتام: "اكشف مجانًا وادفع وقت ما ربنا يرزقك"
  • نوح غالي: الأزمات فرصة مصر الكبرى لبناء اقتصاد مرن ومستدام
  • ثروت : أنا أول واحد قلت إن الفيفا فيها نيفة
  • مادة بترميها في الزبالة تحمي من السرطان
  • 5 دروس من النصف الأول لعام 2026 ستحدد ملامح قطاع البناء في الإمارات خلال النصف الثاني من العام
  • الحرس الثوري الإيراني يوسّع هجماته على قواعد أميركية بالأردن ويُدمّر مركز بيانات في الإمارات