جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@05:41:21 GMT

الإلهام.. الجزء الخفي لأقدارنا

تاريخ النشر: 6th, January 2026 GMT

الإلهام.. الجزء الخفي لأقدارنا

 

 

د. هبة محمد العطار

 

 

لم تكن تُمطر عندما بنى نبي الله نوح السفينة، وكان الجميع يسخرون من الفكرة؛ أرض يابسة، وسماء صامتة وأوامر لا يُفسِّرها المنطق، ومع ذلك لم يكن البناء فعل نجاة مؤجلة؛ بل فعل إيمان سابق على الحدث، كأنَّ القدر لا يكشف نفسه دفعة واحدة، وإنما يهمس أولًا في صورة إلهام لا نفهمه، ثم يتحقق حين يفوت أوان التفسير.

كل ما نُلهَم به ليس وليد المصادفة؛ بل قدرٌ يُمنح لنا قبل أن نُدرك شكله. نحن لا نُعطى الرؤية كاملة، بل نُعطى خطوة واحدة، حدسًا غامضًا، رغبة في الاتجاه عكس ما يبدو معقولًا. وما نعده أحيانًا حماقة أو وَهْمًا، يكون في الحقيقة استجابة مبكرة لشيء لم يُولد بعد.

وما لا نتوقعه هو غالبًا هدية الله الخفية؛ فالله لا يمنحنا دائمًا ما نتمناه؛ بل يمنحنا ما نحتاجه لننجو، حتى وإن جاء في هيئة واقع مؤلم، أو طريق لا يُشبه أحلامنا الأولى.. الألم هنا لا يكون نفيًا للعناية، بل أحد أشكالها القاسية... عناية تُخرجنا من الصورة التي صنعناها لأنفسنا، إلى الصورة التي نُصلِح بها ما تهدَّم بداخلنا لنُصلح الواقع الذي لا يشبهنا من حولنا.

لا يمكن فصل القدر عن مشاعرنا تجاه الأشياء التي تظهر في حياتنا دون ترتيب مُسبق؛ فنحن لا نختار توقيت حضور الأشخاص، ولا شكل الفرص، ولا حتى هيئة الألم، ومع ذلك نجد أنفسنا مُنجذبين أو مُنفِّرين، مطمئنين أو قلقين، وكأنَّ الوجدان يسبق الفهم. المشاعر هنا ليست رد فعل عابر؛ بل لغة أخرى للمعنى، وإشارات خفية تدُلُنا على ما لا نستطيع إدراكه بالعقل وحده. بعض الأشياء تدخل حياتنا فجأةً، بلا مقدمات ولا وعود؛ فنقاومها لأننا لم نُخطِّط لها، لا لأنها لا تنتمي إلينا.

ما يأتي بلا ترتيب قد يحمل ضرورة أعمق من كل ما رتبناه بعناية؛ فالفوضى الظاهرة ليست دائمًا عبثًا؛ بل قد تكون نظامًا لا نراه بعد، وتدريبًا داخليًا على الاتساع، وعلى القبول، وعلى إعادة تعريف ما نظنُّه خيرًا أو شرًا. هكذا تتشكل علاقتنا بالقدر لا عبر الفهم الكامل؛ بل عبر الإحساس المتدرج، والتصالح مع أن بعض المعاني لا تكشف نفسها إلّا حين نكف عن مقاومتها.

وحين يحاوطك واقع لا يُشبه أمنياتك، لا تفترض أنك خذلت، ولا تتعجّل الحكم على الطريق. ربما أنت فقط في مرحلة بناء السفينة، في زمن لا تُمطِر فيه السماء، ولا تبدو فيه الحاجة إلى النجاة واضحة. وربما ما تعيشه الآن ليس نهاية حلم؛ بل بداية وعيٍ جديدٍ، تتغير فيه معايير الأمان، ومعنى الوصول، وشكل الرجاء؛ فالإيمان الحقيقي لا يبدأ عند سقوط المطر؛ بل عند القدرة على الاستمرار في البناء رغم الصمت، ورغم نظرات الاستغراب، ورغم الوحدة.

هكذا يعمل القدر لا يشرح نفسه، ولا يُقدِّم ضمانات؛ بل يَطلب مِنَّا أن نثق، وأن نُكمل الطريق ونحن لا نرى نهايته كاملة، أن نُصدِّق الإلهام قبل أن يؤكده الواقع، وأن نفهم أن النجاة لا تأتي دائمًا كما اشتهيناها؛ بل كما قدر لها أن تكون، وربما أعظم الهدايا الإلهية ليست فيما ننتظره؛ بل فيما نفاجأ به، حين نكتشف بعد فوات الأوان أن ما ظننّاه انكسارًا، كان في الحقيقة بابًا آخر للحياة.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • طقس المملكة الأربعاء.. حارًا إلى شديد الحرارة ونشاط للرياح المثيرة للأتربة على عدة مناطق
  • لملوم: “بطاقة مفوضية اللاجئين” ليست وثيقة هوية ولا تمنح وضعًا قانونيًا في ليبيا
  • ماذا قالت لوباريزيان عن الدور الخفي للخليفي في إنقاذ كرة القدم الأوروبية؟
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • "حفرة جهنم".. دراما مشوقة تكشف الوجه الخفي للعشوائيات
  • إيزاك يعلق على رحيل مدرب ليفربول: محزن دائمًا.. وأتمنى له كل التوفيق
  • كاسيميرو: البرازيل ليست المرشح الأول لكأس العالم 2026 رغم القوة والطموح
  • تايلور سويفت تعلن عن تقديم أغنية جديدة لفيلم قصة لعبة 5
  • التوابل ليست مجرد نكهات وفوائدها لصحة الجسم كبيرة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش