وجوم.. أقنعة تلبسها الوجوه والقلوب وتنزعها نفس أخرى في ذات الجسد !
تاريخ النشر: 6th, January 2026 GMT
شخصيات تظهر على الجمهور بأقنعة ذات دلالات، قناع بدلالة البوم، وقناع بدلالة القطة، وقناع بدلالة القرد، وأخير بدلالة بشرية.
انطلق عرض "وجوم" لفرقة البن للفنون المسرحية والأدائية، آخر عروض مهرجان الشفق التجريبي بنسخته الأولى مساء أمس، بثلاث شخصيات ترتدي أقنعة حيوانية، كل ذو شخصية مختلفة تحمل وراءها حكاية من الماضي وامتد أثرها إلى الوقت الآني.
يواجه "النادلة" صاحبة قناع القطة، التي أدت دورها الفنانة روان الغيلانية، وهي شخصية حملت في داخلها حكايتها المرة لسنوات، حتى بات الصمت مستحيلا، فلا بد من أن تقال الحقيقة، وأن تُسرد القصة، وأن تعترف بالخطيئة التي بقيت في داخلها وسكنتها حد الانفجار.
أما الشخصية الثالثة فكانت للمتشرد، صاحب قناع القرد، الذي أدى دوره الفنان إبراهيم الأسود، فقد كانت شخصية تبحث عن الذات، تبحث عن اسم، تبحث عن اعتراف، أبسط حقوقه البشرية. يعيش مضطهدا باحثا عن لقمة عيش، عن مكان آمن يأوي إليه، ومكان يبيت فيه مطمئنا، إلا أن المجتمع يمنحه "الشارع" ليكون هناك بين الطرقات مادًّا يده للحصول على لقمة أو فتات مال.
وأخيرا شخصية رجل الأعمال، صاحب القناع البشري الذهبي، وأدى دوره الفنان مسعود العيسري، وهو صاحب النفوذ، والذي يحمل قصصه كذلك، قصصه التي أوصلته لما هو عليه، ظلت حبيسة نفسه مدة طويلة، ولكن النفس تأبى الصمت طويلا، حتى وإن كان الكلام لا يفيد.
سيطر على العمل الجو السوداوي، الكآبة غير المخلة برسالة العمل، الرسالة التي تعني كل إنسان، فما الشخصيات التي في العمل إلا انعكاس لفئة من الناس، فمن منا لا يخطئ، ومن منا لا يلامسه الفقر، ومن منا لا يملك مشروعًا يكون هو رب العمل به وصاحب الكلمة، ومن منا لا يملك من الأموال ما يدفع الناس إلى احترامه وتقديره والتودد إليه. كل تلك النماذج البشرية تسكن العالم، وتتعايش مع بعضها، وكلٌّ له حكاية ستحملنا الأيام إلى سردها يوما.
كما كان العمل مليئا بالرمزيات المتقنة، يتكرر في العمل حوار "هل تقيأت؟"، فيجيب الآخر "نعم"، ثم "هل استرحت؟" فيجيب الآخر "نعم"، وكأنَّ الكلام الذي ظل في دواخلهم لا يقوى على الكتمان، وكأنه طعام فاسد في بطونهم لا يرتاحون من ألمه حتى يتقيؤوه. كما أن لرمزية الأقنعة دلالة واضحة ترسخ من كل شخصية، فالبوم رمزٌ للحكمة والركازة، والقطة رمز للمشاكسة والطيش والعبث، والقرد رمز للمحتال المراوغ المتحايل والمتعايش على فتات الآخرين، والقناع البشري الذهبي دلالة على الوجاهة والمكانة الاجتماعية التي تجذب الاحترام إليها.
مشاهد عديدة توصف بالقوة والأداء العالي، تفرد الأبطال مع الجمهور في مشاهد الحوارات الفردية، الحوارات التي تعكس لحظة كسر الصمت، كانت تؤدى بأداء لافت قوي جذب الجمهور نحو الصمت والتأمل والتصفيق بحرارة. النادلة وهي التي تحكي كيف قُتل ابنها مجهول الأب، تلك من المشاهد الآسرة التي نقلت بها إحساسا مفرطا للجمهور. مشهد المتشرد وهو يصف كيف تم اعتقاله، مطلقين عليه السجين رقم 20 دون اسم، يُحكم عليه بتجريده من الاسم، فيصرخ محترقا من الداخل، وكأن الجهالة هي مصيره، وحق الحياة بكرامة أصبح مسلوبا منه، وكذلك بقية شخصيات العمل. هذا العمل الذي لا يمكن وصفه إلا بالعمل القوي، وكان مسك ختام المهرجان.
يكشف الممثلون وجوههم في عدة مشاهد، وكأنهم يعودون إلى حقيقة أخرى غير حقيقة الأقنعة، وكأن الإنسان في داخله وظاهره يحمل أكثر من نفس، كلها نفوس حقيقية وإن تناقضت، كلها قادرة على مواجهة الآخر لتصنع في ذات الشخص حربا نفسية.
استطاع مخرج العمل، أسامة زايد، أن يلامس جزءا كبيرا من التجريب في هذا العمل، فقط أقحم بذكائه عنصرا جديدا على المسرح وفضائه العلوي وامتداده على الجمهور، مستخدما طائرة درون، التي حلقت تارة فوق الممثلين بطريقة احترافية وأداء متقن، وحلقت كذلك بعشوائية مدروسة فوق رؤوس الجمهور لتعطي الجمهور جرعة مضاعفة من الإحساس بالارتباك والقلق والريبة. كذلك صوت الدرون تم توظيفه بالعمل بشكل متقن، وكأن الدرون سلطة رقابية تشاهد الجميع وتتبع خطاهم، وتعلم بحقيقتهم ولكنها تصمت!
لا يمكن أن يمر هذا العمل دون إشادة بمخرجه أسامة زايد، الذي يثبت قدرة هائلة على الإبداع وكسب الرهان الصعب، وهو صناعة "الإبهار". استطاع توظيف النص، الذي وُصف بالصعب والعميق المتطلب قراءات عديدة، للكاتبة المبدعة آية الكلبانية، كما استطاع توظيف قدرات الممثلين الأقوياء بشهادة الجمهور والمعقبين توظيفا دقيقا. كما وُصف المتحكمون في "الدرون" بالممثلين، إذ كانوا عنصرا مؤثرا في العمل وإن لم يظهروا بوجوههم.
ولا بد من الإشادة بفريق العمل، الذي قدم عملا متماسكا قويا يكشف عن اشتغال كبير، فإضافة إلى الأسماء سالفة الذكر، شارك في العمل ممثلو الدرون محمد الهنائي وملهم الهنائي، ويحيى الحراصي مساعدا للمخرج، وخالد بالفورا مهندس الديكور، وسالم المكلي في الإخراج الصوتي، وعهود الجهضمية مصممة الأقنعة، وفلك في الأزياء، وفارس النهدي في التصميم، وجمعة الجابري وحمود التوبي كلاهما في إدارة الخشبة، ومحمد العبري الإشراف العام.
وكما يقال، الكمال لله وحده، ومما قد يؤخذ على العمل الأخطاء العديدة في اللغة العربية وأحكامها التي وقع بها الممثلون، دون تأثير على الأداء والإحساس.
التعقيب
وكانت خاتمة الجلسات التعقيبية برؤية فنية rدّمها الباحث والمخرج المسرحي بدر النبهاني، بحضور مخرج العمل أسامة زايد، وأدار الجلسة الفنان المسرحي الصلت السيابي.
واستهل السيابي الجلسة بالحديث معرفا ببدر النبهاني، مستعرضا تجربته البحثية والإخراجية، كما قدّم مخرج العمل، قبل أن يفتح باب القراءة النقدية للعرض.
أما بدر النبهاني فقد توقف مطولا عند فكرة العمل، معتبرا أن العرض ينتمي إلى المسرح الفكري الوجودي، الذي لا يسعى إلى تقديم إجابات بقدر ما يراكم الأسئلة، مشيرا إلى أن النص يشتغل على حقيقة معروفة ومعلومة، لكنها غير محتملة، لذلك تلجأ الشخصيات إلى إدارة هذه الحقيقة بدل مواجهتها. وقرأ فضاء الحانة بوصفه بنية رمزية وسلطوية في آن واحد، تتعدد تأويلاتها بين السياسي والاجتماعي، وصولا إلى كونها محكمة وجودية، يتم فيها التفريغ، والنسيان، وإعادة تدوير الإنسان داخل منظومة مغلقة.
وتطرق النبهاني إلى البناء الدرامي، موضحا أن النص لا يعتمد على تطور حدثي تقليدي، بل يقوم على التكرار والدوران في حلقة مغلقة؛ حيث تحل اللغة محل الفعل، ويصبح الصمت جزءا من البنية الدرامية، فيما تتخذ الشخصيات طابعا رمزيا أكثر من كونها شخصيات نفسية مكتملة.
وفي قراءته للجانب الإخراجي، أشار النبهاني إلى أن المخرج قدّم معالجة واعية ومحترمة للنص، اشتغلت على الصورة، والإيقاع، والأداء، دون القفز على النص أو تفريغه من مضمونه، معتبرا أن العرض اختار منطقة الأمان في التعامل مع نص فكري كثيف، فمال إلى الشرح أكثر من المغامرة، وهو خيار مشروع، لكنه يحدّ من الذهاب بعيدا في التجريب.
وفي ختام الجلسة، تحدث مخرج العمل أسامة زايد، مشيرا إلى أن العرض جاء نتيجة اشتغال طويل على النص والفكرة، ورغبة في تقديم تجربة مسرحية تطرح أسئلة مفتوحة دون فرض تأويل محدد على المتلقي، مؤكدا أن اختياراته الإخراجية كانت واعية بطبيعة النص وكثافته الفكرية، وساعية إلى تحقيق توازن بين الفكرة، والأداء، والصورة المسرحية. كما ثمّن أسامة زايد الملاحظات النقدية والمداخلات، معتبرا إياها جزءا من تطور التجربة، ومؤكدا أن مثل هذه الجلسات تمثل مساحة حقيقية للحوار وتبادل الرؤى بين صناع العرض والجمهور.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: مخرج العمل أسامة زاید فی العمل منا لا
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026