لماذا غضب المحامون المغاربة من مشروع قانون ينظم مهنتهم؟
تاريخ النشر: 6th, January 2026 GMT
الرباط- شهدت محاكم المغرب اليوم الثلاثاء حالة من الشلل وذلك بعد قرار جمعية هيئات المحامين التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية احتجاجا على مشروع قانون وضعته وزارة العدل لتنظيم مهنة المحاماة.
ويقول المحامون إن الصيغة النهائية لمشروع القانون التي أرسلتها الوزارة إلى الأمانة العامة للحكومة ثم وزعتها على رئاسة الحكومة والوزراء، تناقض ما تم التوافق حوله في جلسات الحوار بينهم، وتتضمن مواد "تمس باستقلالية المحاماة وبأسسها الكونية".
ويُنتظر أن يتدارس مجلس الحكومة المقرر عقده الخميس المقبل مشروع هذا القانون. وأفادت وزارة العدل بأنها وضعته بعد الاستماع إلى تصورات ومقترحات الجهات المعنية والهيئات التمثيلية بشأن مستقبل المهنة وتأهيلها، وفق ما جاء في المذكرة التقديمية لمشروع القانون الذي تتوفر الجزيرة نت على نسخة منه.
وتضمن مشروع القانون عدة مستجدات أبرزها اعتماد شروط ومعايير جديدة لممارسة المهنة، وفتح باب الممارسة أمام المحامين الأجانب، ومنع التظاهر داخل المحاكم أثناء انعقاد الجلسات.
واتجه إلى اعتماد نظام المباراة لممارسة المهنة عوض الامتحان كما هو عليه الحال في القانون الحالي، مشترطا ألا يتجاوز سن المرشح 40 سنة عوض 45، بهدف وضع وسائل عملية للتحكم في أعداد الوافدين إلى المهنة وتمكينهم من الحصول على التكوين اللازم لهم واستقطاب أجود الكفاءات، حسب المذكرة نفسها.
وبعد أن كان القانون الحالي يشترط شهادة الليسانس في الحقوق ثم اجتياز امتحان الأهلية في المحاماة والخضوع للتدريب لمدة ثلاث سنوات، اشترط القانون الجديد شهادة الماجستير في الحقوق لاجتياز مباراة ولوج المهنة ثم الخضوع لتكوين نظري لمدة سنة في معهد التكوين، فتدريبا لمدة عامين تحت إشراف هيئة المحامين المعنية.
إعلانوبعد قضاء فترة التدريب، يجتاز المحامي المتدرب امتحانا يحصل إثره على شهادة الكفاءة لممارسة المهنة. ونص القانون لأول مرة على ضرورة أن يتوفر المحامي على تكليف مكتوب من موكله يتضمن عددا من البيانات، وعلى إحداث مجلس هيئات المحامين واعتباره الممثل الوحيد لها أمام السلطات والإدارات العمومية.
في المقابل، اعترض المحامون على عدد من المواد التي قالوا إنها "تتضمن عيوبا تمس باستقلالية مهنة المحاماة وبالمكتسبات التي حققتها". ومن بين هذه المواد منح عدد من اختصاصات مجلس الهيئة التي ينتمي إليها المحامي لغير المجلس، ووجوب تبليغ وزارة العدل بعدد من قرارات النقيب والمجلس لكونه يكرس تبعيتها للحكومة.
كما يعيبون تقليص مهام المحامي بدل توسيعها، والسماح للمحامين الأجانب بممارسة المهنة دون التوفر على الشروط اللازمة لذلك في المغرب، وإمكانية الإذن لهم بفتح مكاتب دون استشارة نقيب الهيئة.
مسار طويلومر إعداد مشروع القانون بمسار طويل تخللته توترات أسفرت عن تأخير صدوره. وبعد التوصل إلى صيغة توافقية بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين في 2019، قررت الوزارة بعد تولي الوزير الحالي عبد اللطيف وهبي منصبه في 2021، وضع أرضية جديدة وتعديلات أثارت غضب هيئات المحامين.
ومع ذلك، وضعته الوزارة لدى الأمانة العامة للحكومة في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2024 ونظمت هيئات المحامين حراكا احتجاجيا ضده انتهت بسحبه ووضع لجنة لمناقشة جميع مطالبهم الاجتماعية والضريبية والتشريعية.
وقال رئيس جمعية هيئات المحامين النقيب الحسين الوزاني للجزيرة نت إن قرار التوقف الشامل عن العمل جاء نتيجة "وضعية عصيبة وصعبة" تعيشها مهنة المحاماة، بسبب مشروع القانون المنظم للمهنة.
وأوضح للجزيرة نت أن هذا المشروع "ضرب في العمق مكتسبات المحاماة واستقلاليتها وحصانة الدفاع وفرض وصاية كبيرة عليها، مما سيُفقدها دورها الريادي والمحوري داخل منظومة العدالة". وأضاف أن "المساس باستقلالية المحاماة وحصانتها يعني في جوهره المساس بحق المواطن في المحاكمة العادلة باعتبار أن وجود المحامي شرط أساسي من شروط هذه المحاكمة".
وأكد أن هيئة المحامين خاضت جلسات حوار مع وزارة العدل بحسن نية وجدية ومسؤولية، غير أن مشروع القانون "خلا من التوافقات ولم يحترم ما تم الاتفاق عليه"، وهو ما دفع الهيئات المهنية إلى رفضه بصيغته الحالية لكونه "لا يستجيب لمتطلبات تنظيم مهنة المحاماة في مغرب اليوم، ولا ينسجم مع دستور 2011 ولا مع التزامات المغرب الدولية".
وتابع النقيب الحسين الوزاني أن استقلالية المحاماة "مكسب أساسي لا يمكن التراجع عنه، وركن من أركان دولة الحق والقانون"، مؤكدا أن المحامين "لا يقبلون هذا الوضع ولن يقبلوه، وهم مستعدون للتصعيد إلى مستوى غير مسبوق. وأنهم ليسوا ضد الحوار، لكنهم يريدون حوارا جادا يحترم الالتزامات المتبادلة والتوافقات".
تحركاتمن جانبها، راسلت فيدرالية جمعيات المحامين الشباب بالمغرب كلا من المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة وسيط المملكة، ودعتهما إلى القيام بالمساعي القانونية والاتصالات اللازمة قصد إرجاع الأمور إلى نصابها.
إعلانوقال رئيس الفيدرالية سعد الله التونسي إن المحامين بعد أن حملوا الشارات احتجاجا على مشروع القانون، وراسلوا هيئات دستورية، قرروا التوقف الكامل عن العمل، ويعملون على الترتيب لخطوات أخرى بغرض سحب مشروع القانون وعدم عرضه على المسطرة التشريعية بمضمونه الحالي.
وأوضح للجزيرة نت أن المشروع أخل بعدد من المرتكزات الكونية التي تقوم عليها المحاماة كمهنة نبيلة منها الاستقلالية والحصانة وحرية التعبير والتنظيم والسر المهني، وبالمرتكزات الدستورية المتعلقة بالحقوق المكتسبة.
وبرأي التونسي، فإن هذا المشروع لم يتم التوافق عليه منهجيا وموضوعيا إذ لم يأت في مواده بما يجعل مهنة المحاماة تقوم بأدوارها كاملة. ووصفه بأنه انتكاسة حقوقية وقانونية وجاء ليجعل المهنة "متحكم فيها ومدجنة، وهذا فيه ضرب لحقوق المتقاضين والموكلين".
وأعلنت هيئات حقوقية وقانونية أخرى رفضها لمشروع القانون، إذ دعا قطاع المحاماة التابع لحزب التقدم والاشتراكية (معارضة) الحكومة إلى السحب الفوري له مطالبا بعدم إحالته، في صيغته الحالية، على البرلمان.
وطالب في بيان له بضرورة العودة إلى منطق الحوار الجاد والمسؤول والملتزم، واعتماد الصيغة التي جرى التوافق بشأنها سابقا مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب، باعتبارها الحد الأدنى لمطالب المحاميات والمحامين، بما يكرس الثقة في المؤسسات ويحفظ استقلال المهن القضائية.
بدورهم، أعلن محامو فيدرالية اليسار الديمقراطي (معارضة) رفضهم الشديد لمشروع القانون، معتبرين في بيان لهم أن صيغته الحالية تعكس "توجها يهدد جوهر المهنة ويمس باستقلاليتها ووظيفتها الحقوقية".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات لمشروع القانون هیئات المحامین مهنة المحاماة مشروع القانون وزارة العدل
إقرأ أيضاً:
الصراع الخفي بين فرنسا وألمانيا.. لماذا فشل مشروع الطائرة الخارقة الأوروبي؟
في عام 1985، أرسل الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران إلى المستشار الألماني الغربي هيلموت كول، برقية أعرب فيها عن أسفه لفشل مشروع الطائرة الأوروبية المقاتلة. ورغم تأكيد ميتران على أهمية المقاتلة للأمن الأوروبي وأهميتها لمستقبل الصناعة العسكرية الأوروبية، إلا أنه برر انسحاب فرنسا من المشروع باختلاف الاحتياجات العسكرية للدول المشاركة، داعيا إلى ضرورة التخطيط المسبق قبل البدء في بناء التعاون العسكري الأوروبي. استمر مشروع المقاتلة فيما بعد ولكن من دون فرنسا، وهي المقاتلة التي عرفها العالم فيما بعد باسم "يوروفايتر تايفون".
وبعد أربعة عقود، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، إذ أعلنت ألمانيا وفرنسا، في يونيو/حزيران الماضي (2026)، تخليهما عن مشروع نظام القتال الجوي من الجيل التالي "FCAS" وفي القلب منه مشروع طائرة مقاتلة من الجيل السادس، والتي كان من المنتظر أن تحل محل المقاتلتين يوروفايتر تايفون الأوروبية، ورافال الفرنسية بحلول عام 2040.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2لماذا لا تضرب إيران إسرائيل في المواجهة الحالية؟list 2 of 2الحب في زمن "الكوتشينغ".. متى أصبح كل فعل مرضا نفسيا؟end of listالمشروع الذي بدأ بطموح كبير عام 2017، باتفاق بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل، رصد بموجبه البلدان، اللذان انضم إليهما إسبانيا فيما بعد، 100 مليار يورو (نحو 114 مليار دولار)، لأجل بناء مظلة قتال جوي متكاملة، تشمل مقاتلة من الجيل السادس تمثل جوهرة التاج في المشروع، ومسيرات ذاتية التحكم مصاحبة وداعمة للمقاتلة تتولى مهام التشويش والاشتباك، ومحطات طاقة، ونظام سحابي قتالي، أي نظام نقل بيانات وقيادة وتحكم مشترك يدعم القتال الجوي.
"كشفت التصاميم الأولى عن مقاتلة ذات محركين وجناح مثلث عريض، مع ذيلين مائلين وخطوط خارجية ناعمة تقل فيها الزوايا والبروزات"
كشفت التصاميم الأولى قبل التوقف عن مقاتلة كبيرة نسبيا، أكبر وأثقل من رافال لأنها ستحتاج إلى حمل كمية كبيرة من الوقود وأجهزة الاستشعار والأسلحة داخل البدن، ذات محركين وجناح مثلث "دلتا" عريض يندمج بسلاسة مع البدن، مع ذيلين مائلين وخطوط خارجية ناعمة تقل فيها الزوايا والبروزات. وهذا الشكل الانسيابي ضروري لخفض البصمة الرادارية وتعزيز قدرات التخفي، مع منح الطائرة قدرة مقبولة على المناورة.
إعلانكان من المقرر أيضا أن تحتوي الطائرة على مساعد إلكتروني يعتمد على الذكاء الاصطناعي لمساعدة الطيار في اتخاذ القرار عن طريق منحه المعلومات المطلوبة بسرعة وبساطة تمنحه القدرة على التصرف في وقت قليل، وهذه السرعة في التصرف تعد مسألة حياة أو موت في حالات القتال الجوي المحتدم. وكانت إيرباص، إحدى الشركتين الرئيسيتين في المشروع بجانب شركة داسو الفرنسية، قد درست دمج تقنيات مثل الأوامر الصوتية، والتحكم بالإيماءات، والعروض البصرية المتكيفة، بحيث لا يضطر الطيار إلى متابعة عشرات الشاشات، بل يتلقى صورة موحدة ومبسطة لما يجري حوله.
كما أن الطائرة كطائرة جيل سادس تحمل الكثير من المستشعرات والرادارات وأجهزة الاستطلاع، وتقود سربا من الطائرات الداعمة تقاتل معًا فيما يعرف بـ"الاشتباك الجوي التكاملي" (collective air combat)، ويستعين قائد الطائرة بالمسيرات في التشويش والدفاع عن المقاتلة الأم، وإرباك الدفاعات الجوية.
كما تلاحظ، فهذه السمات سالفة الذكر تعد منطلقا أساسيا لكل مشروعات الطائرات المقاتلة من الجيل الجديد. ولكن على الرغم من الرغبة الحكومية في الاستمرار في المشروع، فشلت الشركتان القائمتان على مشروع المقاتلة في الاتفاق فيما بينهما على تفاصيل فنية وتقنية في الطائرة، فبينما رغبت "داسو"، الشريك الفرنسي، أن تتولى دورا قياديا بسبب رغبتها في الحفاظ على أسرارها الصناعية، ترى إيرباص ممثلة ألمانيا وإسبانيا أنها يجب أن تتولى دورا مساويا.
كما أن التقديرات المالية للتكلفة النهائية للمشروع ارتفعت رويدا رويدا، حيث بدأت من 100 مليار يورو (نحو 114 مليار دولار)، ثم ارتفعت إلى 170 مليار يورو (نحو 193 مليار دولار)، وقد تأجل المدى الزمني لدخول الطائرة الخدمة من عام 2040 إلى عام 2055، هذا في حد ذاته تسبب في اضطراب إضافي، خاصة وأن جزءا كبيرا من أسباب التعاون كان متعلقا بالميزانية واحتواء التكلفة المرتفعة.
"في النهاية ظهر أن كلا من باريس وبرلين أرادت لنفسها طائرة بمواصفات مختلفة"
في النهاية، ظهر أن البلدين، ألمانيا وفرنسا، يريدان طائرتين مختلفتين. من ناحيتهم، يمتلك الفرنسيون ترسانة نووية، وحاملة طائرات عاملة وأخرى مستقبلية، وبالتالي يرغبون في أن تكون الطائرة المقاتلة قادرة على العمل من فوق حاملات الطائرات، وحمل أسلحة الردع النووي الفرنسية، وتنفيذ عمليات بعيدة المدى باستقلال عن الولايات المتحدة وحلف الناتو.
أما ألمانيا، التي لا تمتلك حاملات طائرات واشترت مقاتلات "إف-35" لتنفيذ مهام المشاركة النووية داخل الحلف، فكانت تميل إلى طائرة أكثر اندماجا مع الأنظمة الأمريكية والأوروبية الموجودة بالفعل، ومع تغير البيئة الأمنية بعد حرب أوكرانيا، أصبح التنازل عن هذه المتطلبات الوطنية أكثر صعوبة.
من وجهة نظر "داسو" الفرنسية، لا يمكن تصميم طائرة بهذه الحساسية عبر إدارة جماعية يتساوى فيها جميع الشركاء في كل قرار، إذ ترى الشركة أن المقاتلة تحتاج إلى مهندس معماري واحد يمتلك الكلمة النهائية في شكل الهيكل وتقنيات التخفي والمحرك ودمج الأسلحة. وكانت الشركة تخشى أن يؤدي تقاسم التفاصيل مع "إيرباص" إلى تسرب المعرفة الصناعية التي راكمتها فرنسا عبر برامج "ميراج" و"رافال". وفي المقابل، رأت برلين ومدريد أن تمويل المشروع بصورة شبه متساوية يقتضي حصول صناعاتهما على نصيب حقيقي من التصميم والتقنيات، لا الاكتفاء بدور المورد أو المقاول الفرعي تحت قيادة فرنسية مطلقة.
إعلانيقول جان بيير مولني من المعهد الفرنسي للشؤون الدولية والإستراتيجية (IRIS) إن سبب فشل المشروع يعود إلى بدايته من الأساس، إذ اتخذ البلدان قرارا سياسيا بالتعاون وتقسيم المهام بنسبة 50% إلى 50%، دون دراسة جدوى هذا الترتيب. وثبت أن هذا الترتيب غير واقعي، بحسب الباحث، لأن داسو تمتلك خبرة كبيرة في تطوير المقاتلات وكان يجب أن يكون لها الأولوية في تطويرها وكان يجب إعادة النظر في هذا التقسيم، بطريقة عملية تسمح لكل شريك بالعمل في الأجزاء التي يمكنه الإنجاز فيها بشكل أفضل.
على العكس من ذلك يرى إميل أرتشامبو من المجلس الألماني للعلاقات الخارجية (DGAP) إن المشروع لم يكن محكومًا عليه بالفشل منذ البداية، وأن السبب في فشله هو غياب الرؤية السياسية التي توجه القطاع الصناعي ولا تخضع له، حيث تركت الحكومات الشركات كي تحدد اتجاه المشروع وفق مصالحها الصناعية. وفي رأيه، كان ينبغي على القيادة السياسية الفرنسية والألمانية أن تضع منذ البداية تصورًا واضحًا عن الطائرة المطلوبة، ومن يملك القرار النهائي، وكيف توزع المسؤوليات والتقنيات.
"تركت الحكومات الشركات كي تحدد اتجاه المشروع وفق مصالحها الصناعية"
وفي مقالته التي نُشرت قبل الإعلان الألماني الرسمي عن فشل المشروع، اقترح أرتشامبو محاكاة المشروع البريطاني الموازي، والذي يقوم على استقلال داخلي للبرامج المكونة للمشروع بحيث لا يؤثر تعثر واحد منها على الأجزاء الأخرى، وذلك بدلا من اعتماد نموذج عمل مركزي على الطريقة الفرنسية والألمانية. يعني ذلك تقسيم البرنامج إلى مشروعات فرعية تتمتع باستقلال نسبي، مثل المقاتلة المأهولة، والمحرك، والمسيرات المرافقة، والسحابة القتالية، والمستشعرات. بذلك، وإذا تعطل مشروع بسبب خلاف بين الشركاء، يمكن أن يستمر العمل على المشاريع الأخرى بصورة منفصلة.
لقد سبق أن فشلت عدة مشاريع سابقة بين برلين وباريس بسبب مثل هذه الخلافات البيروقراطية. مثل مشروع طائرة الدوريات البحرية عام 2021، ومشروع مسيرة استطلاع مسلحة، بالإضافة إلى أن برنامج الدبابة المشتركة يعاني من مشكلات شبيهة، ففي حين ترغب ألمانيا في دبابة ثقيلة تمثل وحدة أساسية في القتال الأرضي، فإن فرنسا مهتمة أكثر بدبابة خفيفة قابلة للنقل الجوي، بحيث تسمح بمهام التدخل السريع خارج فرنسا.
بجانب كل هذه العقبات "التقنية"، يمكننا أن نتوقع أيضا وجود أسباب أعمق مما يظهر على السطح، تتعلق بتباينات واختلافات بين البلدين بشكل عام، في النواحي الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية. فعلى الرغم من إصرار المسؤولين على أن فشل المشروع لا يتعلق "بأزمة في العلاقات الفرنسية الألمانية"، إلا أن الإعلان الألماني المنفرد بالتخلي عن المشروع قد يوحي بالعكس، وهو الإعلان الذي تم بعدما توصل المستشار الألماني والرئيس الفرنسي لقناعة بعدم إمكانية استكمال الطريق.
في الواقع، كان المعهد الفرنسي للشؤون الدولية والإستراتيجية نشر دراسة في عام 2020 رصدت المشكلات التي يعاني منها البرنامج والعلاقات الصناعية بين فرنسا وألمانيا في العموم. استندت الدراسة إلى مقابلات مع مسؤولين حكوميين وصناعيين من البلدين، وتنبأت بشكل كبير بما آل إليه الوضع بخصوص مشروع المقاتلة في نهاية المطاف.
بحسب الدراسة فإن أول أسباب الخلاف هو أن فرنسا وألمانيا لا تنطلقان من التصور نفسه للتهديدات والمهام العسكرية، فالتخطيط الألماني كان يركز بدرجة أكبر على الدفاع الجماعي داخل حلف الناتو ومواجهة التهديد الروسي في أوروبا، بينما طورت فرنسا قواتها لخوض عمليات مستقلة خارج أراضيها، إلى جانب مهام الردع النووي والعمل من حاملات الطائرات. وتعتقد باريس أن خبرتها القتالية تمنحها فهمًا أكثر دقة لما تحتاج إليه قواتها، لكن اختلاف الاستخدام المتوقع للسلاح يؤدي بالتبعية إلى اختلاف مواصفات المقاتلة، بما يشمل المدى والحمولة وغيرها.
إعلانينطلق الفرنسيون في تحديد احتياجاتهم بشكل خاص من مفهوم الاستقلال الأوروبي عن المظلة الأمريكية، وقد حرصت باريس منذ زمن طويل على استقلال سياستها الدفاعية عن الناتو حتى إنها سبق لها أن انسحبت عمليا منه في ستينيات القرن الماضي في عهد شارل ديغول. وتنتقل فرنسا رويدا رويدا من إستراتيجيتها الخاصة للاستقلال الوطني نحو مفهوم أوسع للاستقلال الأوروبي، أي أن فرنسا توسع إستراتيجيتها الوطنية لتعميمها أوروبيا.
"ينطلق الفرنسيون في تحديد احتياجاتهم من مفهوم الاستقلال الأوروبي عن المظلة الأمريكية"
على الجانب الآخر فإن الألمان أكثر وفاءً للعمل داخل مظلة الناتو، حتى إن مبادرة العمل المشترك التي اقترحتها ألمانيا عام 2014 تقوم على أن تتعاون كل مجموعة متجاورة من الدول داخل مظلة الحلف، مثل أن تتعاون ألمانيا مع بولندا وهولندا والدنمارك كدول متجاورة في إستراتيجية دفاعية مشتركة. وهي الرؤية التي ينظر إليها الفرنسيون على أنها لا تضمن الاستقلال الأوروبي المنشود.
السبب الثاني في الخلاف يرجع إلى التباين الجذري بين نظامي اتخاذ القرار وشراء الأسلحة في كل من برلين وباريس. ففي فرنسا، يجري تحديد المتطلبات بصورة مركزية من خلال تعاون وثيق بين هيئة الأركان والمديرية العامة للتسليح، بما يسمح بتوحيد الرؤية العسكرية والتقنية تحت إدارة واحدة. أما في ألمانيا فتتوزع المسؤوليات بين مؤسسات أكثر عددا، ويشارك البرلمان بصورة أوسع في إقرار برامج التسليح، إذ أن المشروعات التي تتجاوز قيمتها 25 مليون يورو (نحو 28 مليون دولار) تحتاج إلى موافقة البرلمان. ويرى الفرنسيون أن هذا النظام أكثر صرامة وبطئًا، ويجعل تعديل المواصفات واتخاذ القرارات خلال التطوير أكثر صعوبة.
في المقابل، يرى الجانب الألماني أن الشركات الفرنسية تدخل المفاوضات مدعومة بتحالف متين بين الدولة والصناعة. فالحكومة الفرنسية تمتلك حصصا أو نفوذا داخل عدد من شركات الدفاع، وتستطيع دعمها سياسيا وماليا بطرق عدة، بينما تعمل الشركات الألمانية في بيئة أكثر اعتمادًا على المنافسة والسوق، وتخضع لقيود قانونية وبيروقراطية أوسع. لذلك يشعر الألمان بأنهم يدخلون التعاون من موقع تفاوضي أضعف، وأن "داسو" مثلا لا تمثل شركة منفردة فحسب، بل تقف خلفها شبكة متماسكة من المسؤولين العسكريين والسياسيين والصناعيين القادرين على اتخاذ قرارات سريعة والدفاع عن المصالح الفرنسية.
"الشركات الفرنسية تدخل المفاوضات مدعومة بتحالف متين بين الدولة والصناعة"
ويزيد من الخلاف تمسك الطرفين بمفهوم السيادة الصناعية والتكنولوجية. ففرنسا تريد أن يحقق التعاون الأوروبي استقلالا إستراتيجيا، لكنها ترغب في الوقت نفسه في الاحتفاظ بالسيطرة على التقنيات الحساسة التي راكمتها في برامج مثل "ميراج" و"رافال". ويتساءل الألمان عن حدود ما تقبل فرنسا مشاركته، وعن مقدار الاعتماد المتبادل الذي يمكن أن تسمح به. ولا يتعلق الأمر فقط بملكية براءات الاختراع، بل أيضا بأماكن مراكز البحث والمختبرات وخطوط الإنتاج، لأن الدولة التي تستضيفها تحصل على الحصة الأكبر من الوظائف، وتحتفظ بالقدرة على تطوير التكنولوجيا في الأجيال اللاحقة.
ولهذا تحولت مسألة تقسيم العمل والقيادة إلى قضية سيادية وليست مجرد خلاف حول الأرباح. ترى داسو أنها تمتلك الخبرة الأساسية في تصميم المقاتلات، ولذلك ينبغي أن تكون صاحبة السلطة النهائية في القرارات الهندسية ودمج الأنظمة. لكن ألمانيا وإسبانيا، ممثلتين بدرجة كبيرة في إيرباص، لا تريدان تمويل مشروع ضخم ثم تبقيان في مرتبة الموردين، بل تطالبان بنصيب مساوٍ من التقنيات وأعمال التطوير والقدرة على اتخاذ القرار. وكل تنازل عن جزء من العمل يعني خسارة خبرات ووظائف وقدرة صناعية قد لا يمكن استعادتها لاحقا.
وتبرز أيضا مشكلة تصدير الأسلحة. تنظر فرنسا إلى التصدير باعتباره ضروريًا لتقليل تكلفة تطوير الأسلحة، والحفاظ على خطوط الإنتاج، وبناء النفوذ والشراكات الأمنية. أما ألمانيا، فبسبب تاريخها، تتبنى سياسة أكثر تحفظًا، وتتأثر قراراتها بدرجة أكبر بالبرلمان والنقاشات القانونية والسياسية الداخلية. ويخشى المصنعون الفرنسيون أن يخضعوا للمساءلة القانونية في حالة تصدير أسلحة تحتوي على مكونات ألمانية لدولة يحظر القانون الألماني تصدير السلاح إليها. أو تخشى فرنسا أن تعرقل القوانين الألمانية تصدير الأسلحة التي تعول عليها باريس كثيرا.
إعلانغير أن الدراسة تعتبر سوء الفهم وانعدام الثقة أخطر من الخلافات المعلنة نفسها. فالفرنسيون لا يفهمون دائمًا المؤسسات الألمانية المعقدة، كما أنهم يخشون أيضًا أن تنشأ نزعة قومية في ألمانيا تعيد أشباح ما حدث في الحرب العالمية الثانية مع حصول ألمانيا على أسلحة متقدمة، بينما يشك الألمان في حقيقة النوايا الفرنسية، وهل تسعى باريس حقا إلى استقلال أوروبي مشترك أم إلى توسيع نفوذها الخاص تحت لافتة أوروبية.
كل في طريقهبعد انهيار المشروع يبحث كل من البلدين عن البدائل المتاحة أمامه. بداية، يجب على البلدين أن يلتمسا طريقًا لإكمال باقي مكونات مشروع القتال المستقبلي (FCAS) ولكن من دون المقاتلة، خصوصا جوهر المشروع، أو على الأقل نظام مشاركة البيانات والسحابة القتالية والذي أكد المستشار الألماني أنها ستستمر، ومن المنتظر أن يتفاوض البلدان مستقبلا حول الطريقة التي ستدار بها الأمور بعد التخلي عما كان يمثل درة عقد المشروع.
ولكن تبقى الخلافات السياسية عقبة في الطريق، ففرنسا كانت تمثل قائدا للمشروع بشكل ما، ولكنها ستفقد هذه القيادة، لأن إيرباص هي التي تتولى الأجزاء المهمة الأخرى. ناهيك بالسؤال الأهم الذي سرعان ما سيبرز للواجهة: ما أهمية مكونات المشروع الأخرى في حالة التخلي عن الجزء الرئيسي فيه؟ وما شكل التنسيق بين تلك المكونات والطائرة المقاتلة التي ستسعى كل دولة لتطويرها أو الحصول عليها؟
تمتلك شركة داسو القدرة على تطوير مقاتلة وحدها، ولكن باريس لن تكون قادرة على تمويل المشروع. وقد أعلنت الحكومة الفرنسية على لسان وزيرة الدفاع بأنها ستمضي قدمًا في صناعة المقاتلة، قائلة إن ثماني سنوات من التطوير و2.5 مليار يورو (نحو 2.8 مليار دولار) يمكن البناء عليها مستقبلا.
"أبدت إيرباص استعدادا لقيادة تحالف من 8 شركات ألمانية لتصنيع طائرة جيل سادس ألمانية خالصة"
بالمثل، تصر ألمانيا على المضي قدما في الحصول على مقاتلة جيل سادس، لذلك فإنها إما ستبدأ مشروعًا جديدًا أو تنضم لأحد المشروعات المتاحة. من جهتها أبدت إيرباص استعدادا لقيادة تحالف من 8 شركات ألمانية لتصنيع طائرة جيل سادس ألمانية خالصة، مؤكدة أن برلين تمتلك الخبرة والتكنولوجيا والتصميم اللازمين لبناء هذه المقاتلة. ومع ذلك فالحكومة الألمانية لم تحسم أمورها إن كانت ستمضي قدمًا في دعم إنتاج طائرة ألمانية خالصة، تاركة الباب مفتوحا أمام احتمالات أخرى.
أحد تلك الاحتمالات هو الخطة التي تقودها بريطانيا بمشاركة إيطاليا واليابان. ستعطي ألمانيا حال انضمامها دفعة مالية كبرى للمشروع، في وقت تعاني فيه بريطانيا في تمويل برامجها الدفاعية، ولكن سيكون عليها أن تقنع الشركاء الجدد بأن بإمكانهم الاستفادة من نظام مشاركة البيانات والسحابة القتالية، أو المسيرات المصاحبة.
يمثل الحصول على المزيد من طائرات "إف-35" خيارًا متاحًا بالنسبة للألمان أيضا، ولكن هذا الأمر سيجعل من ألمانيا تبتعد عن المظلة الأوروبية الخالصة التي كان يأمل القادة الأوروبيون في تطويرها، كما أن الطائرة "إف-35" طائرة من الجيل الخامس وليس من الجيل السادس.
"يمكن لألمانيا أن تتفاوض مع السويد للمشاركة في مشروعها المحتمل للحصول على طائرة جيل سادس من إنتاج شركة ساب"
وأخيرًا يمكن لألمانيا أن تتفاوض مع السويد للمشاركة في مشروعها المحتمل للحصول على طائرة جيل سادس من إنتاج شركة ساب، والتي من المنتظر أن تكون خليفة المقاتلة الخفيفة متعددة المهام ساب غريبين، ولكن هناك إشكالية الجدول الزمني، فالخطة السويدية تستهدف الحصول على المقاتلة بحلول عام 2060، فيما كانت تأمل ألمانيا أن تحصل على طائرة جيل سادس بحلول عام 2040 كما كان مقررًا في حالة استمرار التعاون الألماني الفرنسي.
بالنسبة لإسبانيا، الشريك الأصغر في الترويكا، فهي تبدو أقرب للألمان منها للفرنسيين، وأحد الخيارات المطروحة أمام مدريد هو الاستمرار إلى جانب ألمانيا لا سيما أن شركة إيرباص لها فرع إسباني أيضًا. وشركاء الصناعة الإسبان أبدوا حماسًا لمشاركة المجموعة الألمانية في تطوير طائرة جديدة، ولكن يظل الأمر غامضًا حتى هذه اللحظة.
ورغم هذه البدائل المتاحة، فإن إلغاء مشروع المقاتلة يعد عرضا لمشكلة أكبر وأكثر وضوحا: ألمانيا وفرنسا دولتان مهمتان للغاية بالنسبة لأمن أوروبا، خصوصا بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وتعاونهما في سبيل الاستقلال الدفاعي الأوروبي حاسم، وليس من المرجح أن تنجح أوروبا في الاستغناء عن المظلة الأمريكية في غياب التعاون بين هذين البلدين.
وتزيد أهمية الأمر بالنظر إلى أن المشكلة لم تكن أبدًا في مشروع عسكري تم التخلي عنه، ولكن في مجمل البيئة السياسية والاقتصادية التي تقف وراء هذا الفشل وما يعكسه ذلك من عدم ثقة.
يرى جان بيير مولني أن توقف المشروع يعد فشلا ذريعا للتعاون العسكري بين أكبر دولتين في الاتحاد الأوروبي، ويرى أن فقدان فرنسا للمرونة يراه الألمان كغطرسة، بينما يشعر الألمان أنهم يستطيعون شراء كل شيء بالمال. بالنسبة لتيموسين إيبو من معهد "بيوند ذا هوريزون" الكائن ببلجيكا، والمختص بمسائل الدفاع الأوروبي، أن فشل المشروع يعكس عجز أوروبا عن تحويل الشعارات إلى أفعال.
"فشل المشروع يعكس عجز أوروبا عن تحويل الشعارات إلى أفعال"
من وجهة نظره، فإنه بينما تتحدث الحكومات عن التكامل، فإن الشركاء الصناعيين لا يزالون ينطلقون من رؤى محلية محدودة. والنتيجة أن الأوروبيين يظلون أسرى للمظلة الأمنية الأمريكية، فيما يظل الاستقلال العسكري الأوروبي مرهونا بقدرة الحكومات الأوروبية على دفع الشركات الصناعية للعمل وفق منظومة أوروبية موحدة وعلى التعاون معًا في إطار تعاون أوروبي بدلاً من التركيز على المصالح الوطنية.
في الختام، يبعث فشل المشروع برسائل سياسية خطيرة عن التعاون الأوروبي في وقت لا تمتلك أوروبا رفاهية هذه الخلافات. كما أنه يقوض الآمال في تعاون ألماني-فرنسي آخر خلال السنوات المقبلة، وهو الأمر الذي أكده وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس حين قال: "لقد كان مشروعًا طموحًا أكثر من اللازم، أما الآن فنحن نواجه الحقيقة".
لم يكن مشروع المقاتلة المستقبلية إذن مجرد مشروع عسكري تشترك فيه أكبر دولتين في الاتحاد الأوروبي، ولكنه كان رمزا لمجمل التعاون العسكري الأوروبي، ولجهود الاستقلال الأوروبي عن مظلة الحماية الأمريكية. وبالتالي يمثل فشله إحباطا كبيرا لجهود القارة في بناء ثقل إستراتيجي جديد، في عالم متغير تتبدل فيه خرائط النفوذ. يطرح هذا التعثر أسئلة أكثر خطورة: هل أوروبا قادرة على أن تكون عملاقا سياسيا وعسكريا كما هي عملاق اقتصادي؟ أم أن قدرها أن تظل واقعة بين حليف أمريكي متنمر وخصم روسي لا يرحم؟