في واحدة من أكثر الليالي درامية في تاريخ فنزويلا الحديث، انتهت عملية أمريكية خاطفة باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من قلب كراكاس. لكن خلف هذا المشهد الصاخب، كان هناك اسم واحد يتردد بقوة داخل أروقة القرار في واشنطن: وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.

شبكة “سي إن إن” الأميركية كشفت، الثلاثاء، أن روبيو لم يكن مجرد منفذ للسياسة الأمريكية، بل كان القوة الدافعة والعقل الاستراتيجي الذي مهد للعملية منذ أشهر، مستندا إلى عداء قديم ومتجذر مع مادورو.

تداعيات فنزويلا تضرب قطاع الطاقة الكندي .. ودعوات لتسريع مشاريع التصديرهافانا تكشف هويات 32 عميلاً كوبياً قتلوا في الهجوم الأمريكي على فنزويلاروسيا تندد بتهديدات استعمارية جديدة وعدوان مسلح ضد فنزويلافنزويلا .. حملة واسعة للبحث عن المتواطئين في اختطاف مادورو

عداء شخصي يتحول إلى استراتيجية دولة

بحسب مصادر مطلعة، فإن روبيو، المولود لأسرة مهاجرة من كوبا، وضع مادورو “نصب عينيه” منذ سنوات، واعتبره خصما أيديولوجيا وسياسيا. وخلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، كان روبيو من أبرز الداعين إلى تشديد العقوبات على كاراكاس، واصفا مادورو بـ“الديكتاتور المرتبط بتجارة المخدرات”.

هذا العداء لم يبق في إطار الخطاب السياسي، بل تحول مع الوقت إلى خطة متكاملة لإزاحة مادورو وعزل نظامه، انتهت باعتقاله.

البيت الأبيض وغرفة العمليات الحقيقية

تكشف “سي إن إن” أن روبيو عمل في الأشهر التي سبقت العملية جنبا إلى جنب مع ستيفن ميلر، نائب كبير موظفي البيت الأبيض، لصياغة الاستراتيجية النهائية. وخلال تلك الفترة، نادرا ما غادر روبيو البيت الأبيض، الذي اتخذه قاعدة لعملياته، فيما قلّت زياراته لوزارة الخارجية إلى الحد الأدنى.

حتى عطلات نهاية الأسبوع، كان روبيو يقضي الكثير منها إلى جانب ترامب في فلوريدا، متجنبا السفر إلى الخارج، وموفدا نائبه بدلا عنه، في إشارة إلى مدى تركيزه على الملف الفنزويلي.

وبحسب المصادر، جرت النقاشات الحساسة حول “اليوم التالي” لما بعد مادورو داخل دائرة ضيقة من مستشاري ترامب الموثوقين، في مقدمتهم روبيو وميلر، بينما تم تهميش عدد كبير من المسؤولين في الحكومة الفيدرالية.

خطة متعددة الأدوات

الاستراتيجية التي قادها روبيو اعتمدت على تصعيد تدريجي: ضغط اقتصادي وسياسي خانق، يليه تحرك عسكري محسوب. وركز روبيو على تصوير مادورو باعتباره “تاجر مخدرات يدير شبكة إجرامية”، وهي مقاربة اقتنع بها ميلر لاحقا، معتبرا أنها تخدم المصالح الأميركية أكثر من أي حسابات تتعلق بالهجرة أو العلاقات الدبلوماسية.

وعمل الرجلان معا في جلسات مغلقة لصياغة القرارات الكبرى، من التفاوض غير المباشر، إلى قصف قوارب يُشتبه في تهريبها للمخدرات، وصولا إلى تعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.

ثقة ترامب وانتقادات الكونغرس

وتشير المصادر إلى أن ترامب منح روبيو وميلر ثقة كاملة، وهو ما مكّنهما من إقناع الرئيس الأميركي بالمضي قدما في خيار التصعيد ضد مادورو. غير أن هذا النهج لم يخل من الجدل، إذ واجه روبيو انتقادات حادة من مشرعين اتهموه بتضليل الكونغرس، عبر الإيحاء بأن الإدارة لا تسعى إلى تغيير النظام أو تنفيذ عمليات داخل فنزويلا.

ورغم الإحاطات الرسمية، ما تزال تفاصيل الخطة غامضة، في ظل حديث عن إدارة الملف من خارج القنوات التقليدية لوزارة الخارجية.

ما بعد مادورو

ومع غياب أي تمثيل دبلوماسي أميركي داخل فنزويلا، يرى دبلوماسيون سابقون أن إدارة روبيو اليومية للملف “غير واقعية” نظرا لتعدد مهامه، ما قد يفرض عليه التفويض أو تعيين مبعوث خاص.

في المقابل، أعلن روبيو استعداد واشنطن لإقامة علاقات مع ديلسي رودريغيز، التي أدت اليمين كرئيسة مؤقتة للبلاد، وتعهدت بالتعاون مع الإدارة الأميركية، وسط حديث عن استعدادات لإعادة فتح السفارة الأميركية في كراكاس إذا أعطى ترامب الضوء الأخضر.

هكذا، لم يكن اعتقال مادورو مجرد عملية أمنية عابرة، بل ذروة صراع طويل قاده ماركو روبيو بهدوء من خلف الكواليس، محولا عداءه القديم إلى واحدة من أخطر المناورات في السياسة الأميركية تجاه أميركا اللاتينية.

طباعة شارك فنزويلا اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته كراكاس وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ماركو روبيو ونيكولاس مادورو العقل المدبر الذي قاد إلى سقوط مادورو

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: فنزويلا اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته كراكاس وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مارکو روبیو

إقرأ أيضاً:

ماذا وراء تعيين توماس باراك لدمشق وبغداد؟

 

حين قررت إدارة ترامب وضع ملفي سوريا والعراق في حقيبة دبلوماسية واحدة وتسليمها لتوم باراك، لم تكن مجرد تسمية لمبعوث جديد، بل كانت إعلانًا صريحًا عن تغيير قواعد اللعبة في المشرق العربي. واشنطن اليوم تقلب الطاولة على أساليبها القديمة؛ وبدلاً من سياسة العقوبات والضغط المستمر، يبدو أنها تتجه نحو تفاعل مباشر قد يشمل صفقات وتقاربات غير متوقعة.
​الأهم هنا هو الوعي الأمريكي المستجد بأن دمشق وبغداد ملف واحد لا ينفصل، وأن إدارة هذه المنطقة لا يمكن أن تنجح بالانفراد، بل من خلال نسج شبكة مصالح مشتركة تجمع تركيا وسوريا والعراق معاً.
​هذا التحول يضع المنطقة أمام سيناريوهين: إما نجاح هذه الهندسة السياسية وبالتالي محاصرة النفوذ الإيراني وتقليص الدور الروسي لصالح عودة أمريكية قوية، أو الفشل الذي سيعني ارتداداً عنيفاً يغرق المنطقة في موجة توتر جديدة.
​المحك الحقيقي الآن لا يكمن في ذكاء الخطة، بل في قدرة إدارة ترامب على توفير الدعم والنفَس الطويل لتنفيذها، فهل نحن أمام رؤية استراتيجية متكاملة، أم مجرد مسكّن مؤقت للأزمة؟ الإجابة لن تتأخر كثيراً، وستكتبها التحركات الأولى لتوم باراك على الأرض وردود الفعل القادمة من دمشق وبغداد.

حين تبحث في كواليس واشنطن عن تفسير لجرأة التحركات الأخيرة في المشرق العربي، ستجد أن الإجابة تبدأ من طبيعة الرجل الذي اختاره ترامب لهندسة هذه المرحلة، وهو أن توماس باراك لا ينتمي إلى تلك الطبقة التقليدية من الدبلوماسيين الذين يديرون الأزمات بالورقة والقلم من خلف المكاتب المغلقة، بل هو أقرب لعقلية برجل الصفقات الميداني الذي يمتلك توليفة استثنائية من النفوذ السياسي والخلفية الشخصية، جعلته الأداة الأنسب لقلب الطاولة في المنطقة، و​هذا النفوذ يترجمه باراك اليوم من فوق مقعده كسفير للولايات المتحدة في أنقرة، وهو موقع يمنحه بالتبعية مفاتيح رئيسية للتحكم في خيوط الملف السوري، فبعد أن تسلم ملف سوريا كمبعوث خاص، جاء القرار الأخير بتوسيع صلاحياته ليشمل العراق أيضاً، ليصبح الرجل بمثابة المايسترو الذي يدمج الساحتين لأول مرة تحت رؤية تنسيقية واحدة ونافذة.

​لكن أبعد من المناصب هناك بعد إنساني وثقافي يمنح باراك تفوقاً نوعياً، فالرجل الذي يعود بجذوره إلى أصول لبنانية يفهم جيداً الشفرة الاجتماعية والسياسية للمجتمعات العربية، ولديه قدرة أعلى على بناء الجسور والتحدث بلغة يفهمها الفاعلون على الأرض، بعيداً عن الجفاء الدبلوماسي الغربي المعتاد، ​ومع ذلك لا ينبغي إغفال العقلية التي تحركه فباراك يتحرك بعقيدة سياسية صارمة تلخصها مدرسة أمريكا أولاً، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية ماركو روبيو بوضوح حين وضعه في خانة الموثوقين القادرين على تطويع هذه الأوراق المعقدة لصالح واشنطن، فنحن إذن أمام شخصية تجمع بين مرونة الجذور وحسم الأجندة، مما يجعله المحرك الفعلي لأي نظام إقليمي جديد يتشكل في دمشق وبغداد.

أما عن الجمع بين سوريا والعراق في حقيبة دبلوماسية واحدة ليس مجرد ترتيب إداري لتخفيف زحام المبعوثين، بل هو اعتراف أمريكي بواقع الأرض، فواشنطن أدركت أخيراً أن الفصل بين بغداد ودمشق كان خطأً استراتيجياً، طالما أن الحدود بينهما تكاد تكون ملغاة فعلياً أمام تحركات السلاح والفصائل وشبكات النفوذ، ​من هنا تسعى إدارة ترامب لفرض نفسها كوسيط وحيد لإدارة التنسيق الأمني والعسكري بين الدولتين، وهي خطوة ذكية لسحب هذا الملف من يد أطراف إقليمية أخرى، والأهم أن هذه المظلة الموحدة ستمنح واشنطن ورقة ضغط قوية، فبدلاً من تفاوضها مع كل دولة على حدة، ستصبح حوافز مثل رفع العقوبات أو أموال إعادة الإعمار عبارة عن صفقة إقليمية واحدة وشاملة، تُعرض على دمشق وبغداد معاً مقابل ثمن سياسي وأمني محدد.

واتذكر حين رفع ترامب العقوبات عن سوريا في مايو 2025، فكان يمهد لسياسة جديدة قائمة على الصفقات المباشرة، ومنذ ذلك الوقت بدأ توماس باراك يتحرك لفتح القنوات المغلقة مع دمشق، وجاء قراره الأخير ليوكد أن واشنطن تريد تحويل هذا التقارب إلى مسار دائم، و​الفكرة هنا بسيطة وذكية فبدلاً من ترك دمشق مجبرة على الارتماء في أحضان روسيا وإيران بسبب العزلة، قررت إدارة ترامب أن تجلس مع النظام السوري على طاولة حوار واحدة، لأن أمريكا تدرك أن أفضل طريقة لإبعاد طهران وموسكو هي تقديم بدائل حقيقية لدمشق، واللعب على ورقة الاستقرار ومحاربة التطرف، لتضمن واشنطن في النهاية أنها أصبحت اللاعب الأهم في المنطقة.

وأن جمع باراك بين منصب السفير في أنقرة ومهمته الجديدة في سوريا والعراق ليس مجرد جمع بين وظيفتين، بل هو اعتراف ذكي من واشنطن بأن مفاتيح الحل في المشرق العربي تمر حتماً عبر تركيا، فإدارة ترامب تدرك أنك لا تستطيع تفكيك العقدة السورية دون وجود شريك إقليمي قوي بوزن أنقرة على نفس الطاولة، 
و​الخطة هنا تعتمد على استغلال النفوذ التركي لترتيب الأوراق، بحيث تلعب أنقرة دور الجسر الذي يساعد في إعادة إدماج سوريا في محيطها العربي، وهذا التنسيق الثلاثي الناشئ بين واشنطن وأنقرة ودمشق يهدف إلى خلق معادلة مصالح جديدة، تضمن لتركيا أمن حدودها، ولأمريكا تقليص خصومها، ولدمشق العودة للمشهد، مما قد يفتح الباب أخيراً لتسوية حقيقية للأزمة السورية بعيداً عن التدخلات الخارجية الأخرى.

وما زلت اتذكر حين صرح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن باراك هو الرجل الأنسب لتطبيق أجندة أمريكا أولاً في المنطقة، لم يكن يتحدث بشعارات انتخابية، بل كان يلخص الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في كلمتين الا وهي دبلوماسية أقل كلفة ومكاسب أكبر، و​الفكرة هنا قائمة على فلسفة بسيطة وهي واشنطن لم تعد مستعدة لإنفاق تريليونات الدولارات في حروب عسكرية لا تنتهي بالشرق الأوسط، والبديل الذكي هو استخدام الدبلوماسية والصفقات المباشرة لحماية مصالحها الأساسية، وباراك سيتحرك لتركيز الجهود الأمريكية حول ملفات محددة ومباشرة، مثل مكافحة الإرهاب، تأمين خطوط الطاقة، وقطع الطريق أمام النفوذ الصيني والإيراني المتزايد، وهذا التحول المرن يسمح لإدارة ترامب بتحقيق أهدافها الإقليمية بأقل خسائر ممكنة، وفي نفس الوقت إعادة توجيه الموارد والتركيز نحو الداخل الأمريكي.

إذا جمعنا كل هذه الخيوط والمؤشرات معاً، وقارنا هذا التحرك بما كان يحدث في الماضي، يبدو واضحاً أن ما يفعله ترامب اليوم عبر توماس باراك ليس مجرد تبديل وجوه، بل هو انقلاب كامل في طريقة تفكير واشنطن تجاه منطقتنا، واننا أمام قواعد لعبة جديدة تماماً تختلف عن كل ما عشناه مع الإدارات الأمريكية السابقة.
ف​الملفات التي كانت واشنطن تديرها بالقطعة، فتقارب سوريا بمعزل عن العراق، صُهرت اليوم في بوتقة واحدة، والمنصب نفسه لم يعد مجرد لقب لمبعوث تقليدي، بل تحول إلى تفويض رئاسي ثقيل يتحرك به باراك وهو لا يزال ممسكاً بمقعد السفارة في أنقرة، ما يعني أن الدور التركي لم يعد على الهامش بل أصبح في قلب الطاولة.

و​لكن التحول الأبرز يكمن في العقلية نفسها، فالإدارة الأمريكية تجاوزت أخيراً لغة العقوبات والضغط التي أثبتت عقمها، لتفتح الباب لرفع القيود والتقارب المباشر، ولم تعد المعركة مقتصرة على فكرة مواجهة إيران من بعيد، بل تحولت إلى بناء تفاهمات عملية مع دمشق وبغداد على أرض الواقع، و​هذا التغيير يعكس نضجاً سياسياً مختلفاً لإدارة ترامب باتباعه استراتيجية واقعية تبحث عن الصفقات الممكنة بدلاً من الغرق في الشعارات، وتؤكد أن واشنطن قررت أخيراً أن تدير مصالحها في الشرق الأوسط بعيون ترى الواقع كما هو، لا كما تتخيله المكاتب المغلقة.

مقالات مشابهة

  • الخارجية الأميركية: المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية تمضي نحو التوصل لاتفاق شامل
  • روبيو: الولايات المتحدة لم تصل بعد إلى مبتغاها في فنزويلا
  • ترامب يعيّن حليفا له مديرا للاستخبارات الأميركية
  • جنبلاط اتّصل بشيخ العقل مهنئًا إياه بنجاح القمة الروحية
  • الرئيس البرازيلي: ماركو روبيو يعادي أمريكا اللاتينية وأبلغت ترامب بأنه لا يحب البرازيل
  • "عشرينية" تنتحل صفة طالبة.. والشكوك تكشف المستور
  • ماركو روبيو يبرر الحرب الأمريكية ضد طهران بمحاولتها بناء درع تقليدي
  • مصرع 7 من أسرة واحدة إثر سقوط سيارة بترعة المريوطية في الجيزة
  • بداخلها 7 من أسرة واحدة.. سقوط سيارة بترعة المريوطية بالبدرشين
  • ماذا وراء تعيين توماس باراك لدمشق وبغداد؟