نائب: الحكومة والبرلمان وراء الأزمة المالية الحادة في البلاد
تاريخ النشر: 7th, January 2026 GMT
آخر تحديث: 7 يناير 2026 - 12:48 م بغداد/ شبكة أخبار العراق- قال النائب مضر الكروي ، الأربعاء، بعد استكمال هيئة رئاسة مجلس النواب وتشكيل اللجان، وفي مقدّمتها اللجنة المالية، وبين إعادة فتح هذا الملف المعلّق. فمع بدء الجلسات، ستكون اللجنة أمام مهمّتين متداخلتين في آن واحد؛ الأولى مطالبة الحكومة بإرسال جداول 2025 وبيان تفاصيلها بابًا بابًا، والثانية بلورة آلية واضحة لحسم موازنة 2026، عبر طرح أفكار تتلاءم مع الواقع المالي العراقي، بدل تكرار وصفات السنوات الماضية.
واضاف، جوهر المشكلة أنّ العراق دخل تجربة “الموازنة الثلاثية” على أساس قانون واحد يغطي الأعوام 2023 و2024 و2025، بأرقام إنفاق ضخمة وعجز واضح، وسعر نفط افتراضي أكثر تفاؤلًا ممّا أثبته السوق لاحقًا. القانون نصّ على إرسال جداول سنوية توضّح أين تذهب الأموال في كلّ سنة، من مشاريع المحافظات إلى التخصيصات القطاعية، لكن ما حدث عمليًا هو أنّ السنة الثالثة تحوّلت إلى منطقة رمادية؛ الصرف جارٍ، والالتزامات مستمرّة، بينما الجداول التي تمنح البرلمان حقّ الفحص والتعديل لم تصل أصلًا، أو بقيت حبيسة الأدراج التنفيذية.بهذا التحوّل، تصبح “جداول 2025” أكثر من مستند مالي؛ تتحوّل إلى اختبار لحدود الرقابة الحقيقية على المالية العامة، وإلى مرآة تعكس كيف يمكن أن تُدار تريليونات الدنانير بعيدًا عن النقاش البرلماني العلني، في وقت يُطلب من المواطن أن يتحمّل نتائج تلك القرارات من دون أن يطّلع على تفاصيلها. وتابع الكروي، “مَن يُحاسَب؟” يتحرّك بين السياسة والرقابة والقضاء، ولا يجد حتى الآن جوابًا حاسمًا. على المستوى النظري، يمتلك مجلس النواب أدوات رقابية واسعة؛ يمكن للجنة المالية أن تطلب من الحكومة الجديدة كشفًا تفصيليًا عن طريقة الإنفاق في 2025، وأن تستضيف الوزراء والمسؤولين المعنيّين لشرح أسباب تأخّر الجداول، بل وأن تذهب إلى استجواب إذا ثبت أنّ التأخير لم يكن خللًا إداريًا عابرًا، بل قرارًا سياسيًا متعمّدًا لتفادي النقاش العلني في الأرقام. في المقابل، يستطيع ديوان الرقابة المالية أن يضع أمام النوّاب والرأي العام تقريرًا يجيب عن سؤال الشارع المباشر: على أيّ أساس صُرفت مئات التريليونات في سنة لم تُقَرّ جداولها؟ وما حجم الالتزامات التي رُحّلت إلى 2026 من دون غطاء تشريعي واضح؟ وكيف تداخلت هذه الالتزامات مع العقود والمشاريع التي مُدّدت أو أُحيلت في ظلّ هذا الفراغ؟ فتح “دفاتر 2025” بهذه الصورة لا يكون ترفًا رقابيًا، بل شرطًا مسبقًا لإقناع الناس بأنّ الحديث عن “الإصلاح المالي” ليس مجرّد شعار للاستهلاك السياسي.إلّا أنّ المعضلة الأعمق تكمن في تضارب المصالح؛ فالقوى التي شاركت في إدارة موازنة 2025 داخل السلطة التنفيذية، هي نفسها تقريبًا التي تمتلك اليد الطولى داخل البرلمان. وهنا تتحوّل المساءلة إلى اختبار للنظام السياسي برمّته: هل يمتلك الشجاعة لإخضاع سنة مالية كاملة لمراجعة حقيقية، أم أنّ الملف سيُنقل من رفّ إلى رفّ إلى أن يطويه النسيان تحت عناوين أخرى؟ التحدّي الأكبر، كما يشير الكروي، يُطِلّ من بوّابة 2026. فالسنة الجديدة لا تبدأ من نقطة صفر، بل فوق طبقات متراكمة من الإنفاق العام؛ رواتب متضخّمة باتت تبتلع الجزء الأكبر من الموازنة، تعاقدات طويلة الأمد في ملفات الكهرباء والبُنى التحتية، التزامات تجاه الإقليم والمحافظات، إلى جانب ديون داخلية وخارجية تتراكم فوائدها عامًا بعد عام.في المقابل، أسعار النفط التي بُنيت عليها فرضيّات الموازنة الثلاثية تراجعت بصورة ملحوظة؛ ما يعني أنّ كلّ برميل يُباع اليوم بسعر أدنى من السعر الذي صُمّم عليه الإنفاق. هذا الفارق لا يبقى حبيس الجداول والحسابات، بل ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على تمويل الرواتب والخدمات، وعلى هامشها في الإنفاق الاستثماري. لذلك يحذّر الكروي من أنّ الوضع المالي في 2026 “لن يكون سهلًا”، وأنّ الأمر “يستدعي اتخاذ قرارات من شأنها توفير قدر من المرونة والانسيابية في التعامل المالي، وتأمين تمويل دوائر الدولة وضمان استمرارية ملف الرواتب”.سياسيًا، تبدو موازنة 2026 امتحانًا مبكّرًا للحكومة المقبلة وللبرلمان الجديد معًا؛ فهي ستكشف إلى أيّ مدى يمكن للقوى السياسية أن تنتقل من منطق تأجيل المشكلة إلى منطق الاعتراف بالأرقام كما هي، وأن تتحمّل كلفة الانتقال من خطاب “الوفرة النفطية” إلى خطاب إدارة الندرة بشفافية أكبر أمام الشارع. فعليًا، يتحدّث العراق عن موازنة ثلاثية بسقوف إنفاق تقترب من 200 تريليون دينار سنويًا، مقابل إيرادات مخطّطة بحدود 135 تريليون دينار، ما يعني عجزًا ورقيًا يقارب 65 تريليون دينار لكلّ سنة من سنوات 2023 و2024 و2025 إذا تحقّقت فرضيّات القانون. هذه الفرضيّات بُنيت على سعر نفط مُفترض يقارب 70 دولارًا للبرميل، وصادرات يومية بحدود 3.5 مليون برميل، بينها حصة من نفط إقليم كوردستان تُقدَّر بنحو 400 ألف برميل يوميًا. مع هبوط الأسعار في فترات متكرّرة إلى مستويات أقرب إلى 60 دولارًا، يصبح كلّ فرق مقداره 10 دولارات في السعر نظريًا كفيلًا بحذف ما يقرب من 10 إلى 12 تريليون دينار سنويًا من الإيرادات، إذا بقيت كميات التصدير على ما هي عليه. وبحساب بسيط، فإنّ استمرار سقوف الإنفاق الحالية مع أسعار نفط أدنى، ومن دون إجراء تعديل جذري في أبواب الصرف، يدفع العجز الفعلي في 2026 إلى منطقة عشرات التريليونات من الدنانير، ويحوّل أيّ حديث عن “موازنة إنقاذ” إلى مجرّد إعادة تدوير لعجز متراكم جرى ترحيله عمليًا من 2023 و2024 و2025 إلى السنة الجديدة تحت عنوان “الاستمرارية”. في الخلفية، يظلّ ملف جداول 2025 علامة مكثّفة على طريقة إدارة الدولة للمال العام في لحظات التحوّل السياسي. فالدولة التي تسمح بمرور سنة مالية كاملة من دون أن توضّح بالتفصيل أين ذهبت أموالها، ستواجه صعوبة حقيقية في إقناع مواطنيها بأنّ موازنة 2026 هي موازنة “إنقاذ” لا موازنة “ترقيع”. والعراق الذي يريد، كما يُقال رسميًا، أن يتحرّك نحو إصلاح مالي وهيكلي جدّي، لا يستطيع أن يفتح صفحة جديدة قبل أن يُقدّم كشف حساب عن الصفحة السابقة: أين كانت الجداول؟ مَن قرّر حبسها أو تأجيلها؟ وما حجم ما أُنفق فعلًا على التنمية، وما الذي تسرب في مسارات أخرى لا يراها الرأي العام؟ ما يطرحه مضر الكروي في تصريحه القصير يفتح بابًا أوسع من مجرّد استفسار تقني؛ إنّه يضع إصبعه على فجوة بين النصّ الدستوري والممارسة الفعلية. وإذا أرادت القوى السياسية أن تُثبت أنّ حديثها عن “إصلاح مالي” ليس مجرّد شعار، فإنّ نقطة البداية لن تكون في اختيار رقم جديد لسعر النفط في موازنة 2026، بل في مواجهة سؤال يبدو بسيطًا، لكنّه أخطر بكثير ممّا يظهر في العنوان: كيف أُديرت تريليونات 2025 في “غرف مظلمة”، ومَن يملك الشجاعة لفتح الباب أمام العراقيين ليروا الصورة كاملة؟
المصدر
المصدر: شبكة اخبار العراق
كلمات دلالية: تریلیون دینار موازنة 2026 ر الکروی من دون
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..