واشنطن بوست: فريق ترامب يضع كوبا في مرمي التصعيد مع تلويحات بالضغط والحرمان النفطي
تاريخ النشر: 7th, January 2026 GMT
كشفت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تصعيد جديد في سياستها تجاه كوبا، مع تلويحات مباشرة بفرض ضغوط قاسية قد تشمل خنق الجزيرة نفطياً، في أعقاب العملية العسكرية الأمريكية التي أطاحت بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
ووفق ما أوردته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، فإن البيت الأبيض ووزارة الخارجية لا ينظران إلى تداعيات ما جرى في فنزويلا على كوبا بوصفها نتيجة جانبية، بل كجزء من هدف أوسع يتمثل في إضعاف النظام الشيوعي في هافانا ودفعه نحو الانهيار.
وأوضحت الصحيفة في سياق تقرير إنه لم تتلق أي دولة صدمة أقوى من كوبا جراء تداعيات العملية العسكرية الأمريكية التي نُفذت فجر السبت الماضي وأسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، إذ امتدت ارتداداتها بسرعة عبر أمريكا اللاتينية والعالم، لكن وقعها كان الأشد في هافانا.
ففي غضون ساعات من تنفيذ العملية وقبل أن تعترف الحكومة الكوبية رسمياً بما جرى، انتشرت المكالمات الهاتفية والرسائل النصية في أرجاء الجزيرة، ناقلة أنباء مقتل عشرات من عناصر النخبة في قوات الأمن الكوبية أثناء مشاركتهم في حماية مادورو في كاراكاس.
وعندما أصدرت الحكومة الكوبية بيانها الرسمي مساء الأحد، معلنة مقتل 32 من عناصرها العسكرية والأمنية في العاصمة الفنزويلية، كانت تواجه بالفعل أزمة أكبر: إذ بات واضحاً أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وضعت كوبا نفسها ضمن أهدافها المباشرة.
فقد حرص كل من الرئيس ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو، خلال عطلة نهاية الأسبوع، على التأكيد أن انهيار النظام الشيوعي في كوبا ليس مجرد نتيجة محتملة لإطاحة مادورو، بل هدف تسعى إليه واشنطن صراحة.
وقال ترامب، أثناء عودته إلى واشنطن على متن الطائرة الرئاسية بعد عطلة مطوّلة في ولاية فلوريدا: "لا أعتقد أننا بحاجة إلى اتخاذ أي إجراء"، مضيفاً أن كوبا، في ظل غياب مادورو وإمدادات النفط التي كانت فنزويلا توفرها لها، تبدو وكأنها على وشك السقوط.
أما روبيو، فذهب أبعد من ذلك، ملمحاً إلى أن الولايات المتحدة قد تكون مستعدة لتوجيه "دفعة" إضافية لتسريع هذا الانهيار. وقال في مقابلة يوم الأحد:" لن أتحدث عن خطواتنا المستقبلية"، لكنه أضاف: "لو كنت أعيش في هافانا وكنت جزءاً من الحكومة، لشعرت بالقلق".
وقد لاقت هذه التصريحات صدى واسعاً داخل أوساط الجالية الكوبية في المنفى، وخصوصاً في جنوب فلوريدا، حيث هيمنت قضية «تحرير كوبا من الحكم الشيوعي» على الحياة السياسية لعقود. وشهدت مناطق من "ليتل هافانا" إلى مدينة دورال ، المعروفة بلقب «دورالزويلا» لكثرة الفنزويليين فيها، احتفالات عفوية شارك فيها مئات الأشخاص، ارتدى بعضهم قبعات ترامب الحمراء ولفّوا الأعلام الكوبية حول أكتافهم.
كما أصدر قادة أمريكيون من أصول كوبية، غالبيتهم من الجمهوريين، بيانات داعمة، في وقت طغت فيه تغطية تطورات فنزويلا على شاشات التلفزيون المحلية.
وقال داريل فرنانديز، المحصل الضريبي المنتخب في مقاطعة ميامي-ديد، إن كوبا تمثل "جذر" المشكلات في فنزويلا ونيكاراغوا وغيرها من الأنظمة اليسارية في المنطقة، مضيفاً:"لقد حان الوقت لمحاسبة نظام كاسترو الشيوعي والاشتراكي القاتل، وأن ينال الشعب الكوبي حريته أخيراً".
لكن خبراء في الشأن الكوبي، داخل الجزيرة وخارجها، أبدوا قدراً أكبر من التحفظ، مؤكدين أن انهيار النظام ليس أمراً محسوماً في غياب تدخل أمريكي مباشر.
وقال مايكل بوستامانتي، الأستاذ المشارك في التاريخ ومدير برنامج الدراسات الكوبية في جامعة ميامي:"إذا كان السؤال هو ما إذا كانت الحكومة الكوبية ستنهار من تلقاء نفسها بسبب تفاقم الألم الاقتصادي الناتج عن توقف شحنات النفط الفنزويلي، فأنا أشك في ذلك كثيراً".
ولسنوات طويلة، اعتمدت كوبا على النفط الفنزويلي لتشغيل محطات الكهرباء ووسائل النقل، مقابل إرسال عناصر أمنية وكوادر طبية إلى فنزويلا، في إطار اتفاق تضامني بين الحلفاء اليساريين في كاراكاس وهافانا.
وأضاف بوستامانتي:" قد أكون مخطئاً، لكن كوبا مرت بهذا الوضع من قبل ونجت"، في إشارة إلى ما يُعرف في كوبا بـ«الفترة الخاصة»، التي بدأت عام 1991 بعد الانهيار المفاجئ للمساعدات الخارجية عقب تفكك الاتحاد السوفياتي.
ومن جانبه، قال خوان غونزاليس، الذي شغل منصب مدير شؤون نصف الكرة الغربي في مجلس الأمن القومي خلال إدارة الرئيس جو بايدن، إن "وقف إمدادات النفط سيشكل ضغطاً هائلاً على الوضع الإنساني" في كوبا، التي تعاني بالفعل من انقطاعات متكررة للكهرباء ونقص حاد في الغذاء، لكنه أضاف:" لا أعتقد أن النظام سيرفع الراية البيضاء".
وعلى الرغم من تحسن اقتصادي محدود خلال إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، حين أدت إعادة العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وهافانا إلى زيادة السياحة وفتح نوافذ ضيقة للاستثمار والملكية الخاصة، فإن الاقتصاد الكوبي لم يتعاف قط من صدمة انهيار الاتحاد السوفياتي.
وعلى مدى سنوات، انزلقت البلاد تدريجياً نحو فوضى اقتصادية، نتيجة العقوبات الأمريكية وسوء الإدارة، حتى من وجهة نظر بعض مؤيدي الحزب الشيوعي الكوبي نفسه.
وقال الدبلوماسي الكوبي السابق كارلوس ألزوغاراي، في اتصال هاتفي من منزله في هافانا:" لا شك أن مستوى التهديد ارتفع، وهذا أمر بالغ السوء". لكنه أضاف أن من الممكن أن تقدم روسيا ودول أخرى دعماً لكوبا، وربما يدفع ذلك الحكومة إلى فتح الاقتصاد وتنفيذ ما نصح به الاقتصاديون منذ وقت طويل ورفضت تنفيذه".
وكان الدعم الفنزويلي خلال عهد الرئيس الراحل هوجو تشافيز، في مطلع الألفية، قد ساعد كوبا على الخروج من «الفترة الخاصة» والتخفيف من وطأة العقوبات الأمريكية. ومنذ ذلك الحين، تجاوزت هافانا وفاة الزعيم التاريخي فيدل كاسترو، وجائحة كوفيد-19، وتفكيك ترامب خلال ولايته الأولى للانفتاح المحدود الذي أطلقه أوباما، إضافة إلى احتجاجات شعبية واسعة عام 2021.
غير أن الولاية الثانية لترامب، بزخمها وتصعيدها، تمثل تهديداً جديداً وغير مسبوق لقيادة كوبا.
وعلى مر السنين، دعا اقتصاديون داخل الحكومة الكوبية إلى إصلاحات عميقة، كما شجعتها على ذلك دول حليفة مثل الصين وفيتنام وروسيا. وحذر راؤول كاسترو، الذي تولى السلطة عام 2006 خلفاً لشقيقه فيدل، في خطاب شهير أمام البرلمان عام 2010 قائلاً:" إما أن نصحح المسار، أو سينفد الوقت ونحن نسير على حافة الهاوية، وسنسقط".
لكن خططه لتوسيع دور القطاع الخاص وتقليص ملكية الدولة اعتُبرت متناقضة ونُفذت بشكل جزئي، ولم تعالج جذور الأزمة، كما اصطدمت محاولات أخرى برفض الحزب الحاكم السماح للأسواق بالعمل بحرية، وبفشل إصلاح العملة، وباستثمارات حكومية ضخمة في قطاع سياحي متعثر، وباتساع نفوذ شركة «جايسا» العسكرية التي تسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد.
وفي ذروة الدعم الفنزويلي، كانت كوبا تتلقى نحو 100 ألف برميل نفط يومياً، ما مكّنها من تلبية احتياجاتها وبيع منتجات مكررة في الخارج للحصول على عملة صعبة. لكن هذه الكميات تراجعت إلى نحو 30 ألف برميل يومياً العام الماضي، بسبب العقوبات الأمريكية وسوء الإدارة في فنزويلا.
وأدى ذلك، إلى جانب تقادم المصافي والبنية التحتية والأعاصير، إلى انقطاع الكهرباء على مستوى البلاد خمس مرات على الأقل العام الماضي.
ورأى مراقبون أن فرص تنفيذ إصلاحات حقيقية تظل ضعيفة في ظل قيادة الرئيس ميجيل دياز-كانيل وبنية السلطة الحالية، موضحين :" لا نعتقد أن الكوبيين يائسون إلى حد الترحيب بتدخل أمريكي أو بسيطرة جماعات من منفى ميامي. ما يريده الناس هو تغيير الحكومة الكوبية، لكن بشروط كوبية، لا مفروضة من الخارج".
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: واشنطن بوست ترامب مادورو وشك السقوط
إقرأ أيضاً:
مكالمات مشتعلة بين ترامب ونتنياهو ،،!!
ترامب ونتنياهو.. تحالف تحت ضغط المكالمات المتوترة وإعادة رسم حدود النفوذ تكشف ،، المعطيات المتداولة في الإعلام الإسرائيلي والأمريكي عن مرحلة أكثر توترًا في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، في ظل تصاعد الخلافات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خلفية إدارة الحرب وتوسيع نطاقها الإقليمي.
وبحسب ما أوردته القناة 12 الإسرائيلية، فإن مكالمة هاتفية حديثة بين الجانبين اتسمت بحدة غير مسبوقة، وخرجت عن الإطار التقليدي للحوار بين الحليفين، لتعبّر عن خلاف سياسي عميق حول حدود التصعيد العسكري، خصوصًا في ما يتعلق بلبنان وإيران.
المعطيات التي تداولتها وسائل إعلام إسرائيلية وأمريكية تشير إلى أن ترامب عبّر عن رفض واضح لتوسيع العمليات العسكرية باتجاه بيروت، محذرًا من أن الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة قد ينعكس سلبًا على إسرائيل نفسها، ويزيد من عزلتها الدولية، ويضع واشنطن في موقف سياسي ودبلوماسي بالغ التعقيد.
وتذهب بعض الروايات الإعلامية إلى أن أجواء المكالمة شهدت تبادلًا حادًا في اللغة السياسية، يعكس توترًا غير معتاد في مستوى التنسيق بين الطرفين، وهو ما اعتُبر مؤشرًا على انتقال الخلاف من مستوى إدارة ملفات إلى مستوى إعادة تعريف أولويات كل طرف.
في المقابل، نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن أوساط سياسية في تل أبيب أن بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية عبّروا عن استياء واضح من الموقف الأمريكي، خصوصًا فيما يتعلق بملف وقف إطلاق النار والقيود المفروضة على توسيع العمليات ضد إيران وحزب الله، معتبرين أن هذه المواقف تُضعف قدرة إسرائيل على فرض معادلات الردع في الميدان.
هذا التباين في الرؤى لا يأتي في فراغ، بل يتزامن مع مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الجبهات العسكرية في غزة ولبنان، مع الملف الإيراني الذي يظل محورًا مركزيًا في حسابات الأمن الإقليمي. وفي هذا السياق، تبدو واشنطن أكثر ميلًا إلى ضبط التصعيد ومنع انفجار شامل قد يخرج عن السيطرة، بينما تميل حكومة نتنياهو إلى خيار الحسم العسكري التدريجي.
وتكشف هذه التطورات عن حقيقة أعمق تتجاوز الخلافات الظرفية، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، رغم رسوخها الاستراتيجي، لم تعد محصنة من التباينات الحادة في التقدير السياسي، خصوصًا عندما تتقاطع الحسابات الميدانية مع الضغوط الدولية المتصاعدة على إسرائيل.
كما أن الحديث المتزايد عن “العزلة الدولية” لإسرائيل لم يعد مجرد خطاب إعلامي، بل بات جزءًا من الحسابات السياسية داخل واشنطن نفسها، التي تخشى من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى إضعاف موقعها في المنطقة وإعادة تشكيل خريطة التحالفات الإقليمية.
وفي ضوء ذلك، يمكن قراءة التوتر الأخير باعتباره مؤشراً على مرحلة انتقالية في طبيعة العلاقة بين الطرفين، حيث لم يعد الدعم الأمريكي يُمنح دون شروط سياسية واضحة، ولم تعد إسرائيل تتحرك في فضاء مفتوح من الغطاء السياسي غير المحدود.
إن ما كشفته القناة 12 الإسرائيلية، إلى جانب التسريبات الأخرى، لا يعكس مجرد خلاف عابر، بل يشير إلى اختبار حقيقي لمعادلة استراتيجية ظلت لعقود من الزمن أحد ثوابت الشرق الأوسط، لكنها اليوم تواجه إعادة صياغة تحت ضغط الحرب، والرأي العام الدولي، وتغير أولويات القوى الكبرى.
وفي المحصلة، يبدو أن العلاقة بين ترامب ونتنياهو دخلت مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: إدارة الخلاف داخل التحالف، بدلًا من غياب الخلاف داخله.
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ...،!!