عمرو الورداني: الاحتفال بميلاد السيد المسيح تجديد للوعي بنور نبي من أنبياء الله
تاريخ النشر: 8th, January 2026 GMT
أكد الدكتور عمرو الورداني، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن الفرح في معناه الحقيقي هو الفرح المشترك، مستشهدًا بقوله تعالى: «قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا»، موضحًا أن الفرح الذي لا يُتشارك فيه لا يكتمل، وأن الوطن الذي لا يعرف الفرح يتحول إلى مساحة فيزيائية جامدة بلا روح، مشددًا على أن مصر عبر تاريخها لم ترضَ أبدًا أن تكون مجرد مساحة، بل اختارت دائمًا أن تكون وطنًا ذا معنى وروح وقيم.
وأوضح أمين الفتوى، خلال تصريحات تلفزيونية، اليوم الأربعاء، أن السيد المسيح عليه السلام له مكانة النور في الضمير الديني والإنساني، مؤكدًا أن الحديث عنه في الوجدان الإسلامي ليس حديثًا عن اسم في التاريخ أو رمز بعيد، ولا عن “آخر”، بل عن نبي من أنبياء الله أمرنا الله بالإيمان به واحترام مقامه والنور الذي جاء به، مبينًا أن مكانة سيدنا عيسى عليه السلام في العقيدة الإسلامية عظيمة لا تقبل انتقاصًا ولا جدلًا، ويكفي أن القرآن الكريم ذكر مولده الشريف في قوله تعالى: «والسلام عليَّ يوم وُلدت ويوم أموت ويوم أُبعث حيًّا»، حتى أصبح ميلاده عنوانًا قرآنيًا واضحًا لا ينفصل عنه الفرح والبهجة في الوجدان.
هل تصح صلاة المغرب قضاء بين أذان وإقامة العشاء؟.. أمين الإفتاء يجيب
أمين الإفتاء: أرباح الودائع البنكية حلال ويجوز للإنسان الانتفاع بها
هل الكذب في السيرة الذاتية للحصول على عمل حرام؟.. أمين الإفتاء يجيب
عندي 40 سنة وتأخر الزواج فماذا أفعل؟.. أمين الإفتاء يجيب
وأشار الدكتور عمرو الورداني إلى أن الجدل الذي يُثار أحيانًا حول توقيت الميلاد أو مشروعية الاحتفال به هو نفس الجدل الذي يُثار حول مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مؤكدًا أن جوهر المسألة ليس في التاريخ، بل في معنى الفرح والاحتفاء بنور الأنبياء، موضحًا أن من يثير هذه الإشكالات إنما يعاني من أزمة فهم للدين وعدم إدراك لعمقه الإنساني والرحيم، لافتًا إلى أن القرآن الكريم حسم مكانة السيد المسيح بقوله تعالى: «إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه».
وأضاف أمين الفتوى بدار الإفتاء أن البركة التي وصف بها القرآن سيدنا عيسى عليه السلام في قوله: «وجعلني مباركًا أينما كنت» ليست مجرد لفظ، بل رسالة رحمة وحضور خير ونور يُعاش في الواقع، مذكرًا بأن القرآن خص السيدة مريم عليها السلام بسورة كاملة تكريمًا وطهرًا واصطفاءً، ليبقى المعنى واضحًا بأن الرحمة والطهر قيم أساسية تجمع المصريين جميعًا من مشكاة واحدة.
وأكد أمين الفتوى بدار الإفتاء على أن مشاركة المصريين في الاحتفال بميلاد السيد المسيح عليه السلام ليست مجاملة ولا تمثيلًا اجتماعيًا، بل تعبير وجداني حقيقي وإيمان مشترك بقيمة النور في الحياة، مشددًا على أن نور الأنبياء هداية من الله ورحمة للناس كافة، وأن هذا الفهم هو سر راسخ في وجدان المصريين، حيث الإيمان الصادق يوسع القلب ولا يصنع حواجز، ويجعل الإنسان أرحم وأقرب وأكثر قدرة على العيش مع غيره في سلام، ليظل الاحتفال بميلاد السيد المسيح في مصر تجديدًا للوعي بنور نبي من أنبياء الله ومعنى إنساني ووطني متجدد.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الدكتور عمرو الورداني أمين الفتوى بدار الإفتاء دار الإفتاء الإفتاء الاحتفال بميلاد السيد المسيح أمین الفتوى بدار الإفتاء عمرو الوردانی أمین الإفتاء علیه السلام
إقرأ أيضاً:
حكم القطيعة والخصام والهجران المنهي عنه شرعًا
جاءت الشريعة الإسلامية بتوطيد العلاقات والروابط الإنسانية بين أفراد المجتمع الواحد؛ بل بين الإنسانية ككل، فدعت لإرساء معاني الإحسان والبر والمحبة بين الناس جميعًا، وحَثَّت على كل ما من شأنه أن يرسِّخَ روح المحبة والمودة، وإشاعة الوئام والتسامح والإخاء بين الناس جميعًا من غير تفرقة بين إنسانٍ وآخر؛ أيًّا كان جنسه أو لونه أو دينه، اتفقنا معه أو اختلفنا.
أقل ما يتحقق به قطع الخصام والخروج من الهجران المنهي عنهراعى الشرع الشريف ما تكون النفس الإنسانية مجبولة عليه من الصفات التي من شأنها أن تُقَرِّبَ الناس من بعضهم أو تُبْعِدَهُم، فأذِن بالهجر لأيامٍ لا تزيد على الثلاثة كأصلٍ عامٍّ؛ وهي وقت كافٍ لتهدأ فيه النفوس من غضبها، ويراجع كلٌّ مِن المتشاحنين نفسه، ويصل مَن هجره، فإن زاد على الأيام الثلاثة بلا مسوِّغٍ شرعيٍّ: حَرُمَ عليهما، وأثما ما داما مشتركَين في الهجر والخصام والقطيعة ولم يبادر أحدهما بالصلح والوصل، وأقل ما يخرج به من الهجر: إلقاء السلام، ويُستحب علاوة على ذلك مبادلته الكلام والعودة إلى ما كانا عليه قبل الهِجران وتدخُّل الشيطان.
والأصل في الإخاء: الإنسانية والآدمية؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «النَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» أخرجه الأئمة: أحمد في "المسند"، وأبو داود والترمذي -وصححه- والبيهقي في "السنن" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» أخرجه الشيخان.
قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (6/ 127، ط. أوقاف المغرب): [أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث] اهـ.
أقل ما يتحقق به قطع الخصام والخروج من الهجران المنهي عنه
إذا نوى أحدُ المتخاصمَين الصُّلْحَ وسَعَى فيه جُوزِي على نِيَّتِهِ وسَعْيِهِ في الصلح؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لَا تَحِلُّ الْهِجْرَةُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنِ الْتَقَيَا فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْآخَرُ السَّلَامَ؛ اشْتَرَكَا فِي الْأَجْرِ، وَإِنْ أَبَى الْآخَرُ أَنْ يَرُدَّ السَّلَامَ؛ بَرِئَ هَذَا مِنَ الْإِثْمِ، وَبَاءَ بِهِ الْآخَرُ» أخرجه الإمامان: الطبراني في "الأوسط"، والحاكم في "المستدرك" وصححه.
وفي حديث هشام بن عامر رضي الله عنه مرفوعًا: «فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ سَلَامَهُ؛ رَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ، وَرَدَّ عَلَى الْآخَرِ الشَّيْطَانُ» أخرجه الأئمة: عبد الله بن المبارك والطيالسي وابن الجعد وأحمد -واللفظ له- وأبو يعلى في "مسانيدهم"، والبخاري في "الأدب المفرد"، وغيرهم.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ؛ فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الْأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ بَاءَ بِالْإِثْمِ»، زَادَ أَحْمَدُ: «وَخَرَجَ الْمُسَلِّمُ مِنَ الْهِجْرَةِ» أخرجه الأئمة: البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو دود -واللفظ له- والبيهقي في "السنن".
قال الإمام البيضاوي في "تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة" (3/ 264، ط. أوقاف الكويت): [«فَقَدْ بَاءَ بِإِثْمِهِ» يحتمل أن يكون الضمير المجرور فيه للبايِئِ، فيكون المعنى: أنَّ المُسلِّم خرج من الهجرة، ونُفِيَ مِن الوِزر، وبَقِيَ الإثمُ على الذي لم يردَّ السلامَ، ويحتمل أن يكون للمسلَّم، والمعنى: أنه ضَمَّ إثمَ هِجران المسلِّم إلى إثم هِجرانه، وَبَاءَ بهما؛ لأن التهاجُرَ يُعَدُّ منه وبسببه] اهـ.
وجملة هذه الروايات وغيرها يدُلُّ على أنَّ أقلَّ ما يحصل به الخروج مِن الهِجران هو السلامُ وإن اجتنب مخالطته والكلام معه، وبه تبرأ ذمة المسلِّم من الشحناء والقطيعة والإثم؛ كما هو قول جماهير العلماء، واشترط الإمام أحمد والإمام ابن القاسم من المالكية إضافةً إلى السلام: عدم تأذِّي المسَلَّم عليه من اجتناب الكلام معه؛ لأن السلام يهدف إلى نَفْيِ الأذى، ويُزيل الضغائن، وَيُورث التحابُب، ويَنشر الأُلفة، وهو أدفعُ للضغينة بغير مؤنةٍ، واكتسابُ أخُوَّةٍ بأهوَنِ عطية، وبقاءُ التأذي يعكِّر صفو هذه المعاني؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
قال بدر الدين العيني الحنفي في "عمدة القاري" (22/ 137، ط. دار إحياء التراث): [واختلفوا: هل يخرج بالسلام وَحْدَهُ مِن الهِجران؟ فقالت البغادِدَةُ: نعم، وكذا قول جمهور العلماء: إن الهِجرة تزول بمجرد السلام وَرَدِّهِ، وبه قال مالكٌ في رواية، وقال أحمد: لا يبرأ من الهِجرة إلا بِعَوْدِهِ إلى الحال التي كان عليها أولًا، وقال أيضًا: إن كان تركُ الكلام يؤذيه لم تنقطع الهِجرة بالسلام، وكذا قال ابن القاسم] اهـ.
وقال الإمام أبو الوليد الباجي المالكي في "المنتقى شرح الموطأ" (7/ 215، ط. مطبعة السعادة): [أما إذا سَلَّمَ: فقد رَوَى ابنُ وهبٍ عن مالكٍ: إذا سَلَّمَ عليه ولا يكلمه بهذا المقدار الذي نُهِيَ عنه من المهاجرة فقد قطع الهجرة. وقد قال ابن القاسم في "المزنية" في الذي يُسَلِّمُ على أخيه، ولا يكلمه بغير ذلك بل يجتنب كلامَه: إن كان غير مؤذٍ له؛ فقد برئ من الشحناء] اهـ.