من المقرر شرعًا أن قراءة سورة الإخلاص بعد ختم القرآن في جماعة أمر جائز، عملًا بالخبر الصحيح الوارد في كونها تعدل ثُلُثَ القرآن، وهو ما جرت عليه عادة الناس ومضى عليه عملهم، والفقهاء على استحباب تكرارها ثلاثًا بعد الختم لجبر أي نقص يكون قد دخل في قراءة بعض الختمة.

حكم قراءة سورة الإخلاص بعد ختم القرآن جماعة

واتفق العلماء على أن قراءة سورة الإخلاص بعد ختم القرآن في جماعة جائز في أصله؛ عملًا بالخبر الصحيح الوارد في كونها تعدل ثُلُثَ القرآن؛ فقد روي الإمام البخاري في "صحيحه" عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ».

آراء الفقهاء في حكم تكرار قراءة سورة الإخلاص ثلاثًا عند الختم

لكنهم اختلفوا في استحباب تكرارها ثلاثًا عند الختم، مع نصهم على أن تكرارها هو الذي جرت عليه عادة الناس ومضى عليه عملهم، واختلفوا أيضًا هل تكرر إذا كان الختم في الصلاة:

رأي المذهب الحنفي
عند الحنفية في استحسان تكرارها ثلاثًا عند الختم خارج الصلاة قولان، والاستحسان هو قول الأكثر، غير أنهم لم يستحسنوا تكرارها إذا كان الختم في الصلاة المكتوبة؛ جاء في "الفتاوى الهندية" (5/ 317، ط. دار الفكر): [قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثلاث مرات عَقِيبَ الختم لم يستحسنها بعض المشايخ، واستحسنها أكثر المشايخ لجبر نقصان دخل في قراءة البعض، إلّا أن يكون ختم القرآن في الصلاة المكتوبة فلا يزيد على مرة واحدة؛ كذا في "الغرائب"، ولا بأس باجتماعهم على قراءة الإخلاص جهرًا عند ختم القرآن، ولو قرأ واحد واستمع الباقون فهو أولى؛ كذا في "القنية"] اهـ.

وفي "فتاوى قاضي خان" (1/ 164، ط. المطبعة الأميرية ببولاق، بهامش "الفتاوى الهندية"): [وقراءة سورة الإخلاص ثلاث مرات عند ختم القرآن يستحسنه مشايخ العراق رحمهم الله تعالى، إلَّا أن يكون الختم في المكتوبة فلا يكرر سورة الإخلاص] اهـ.

رأي المذهب الشافعي

والشافعية يستحسنون تكرارها عند الختم؛ قال الإمام التاج السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" (10/ 285-286، ط. هجر): [حضرت الوالد رحمه الله -يعني الإمام تقي الدين السبكي شيخ الشافعية في زمنه- مرة في ختمة وقد وصل القُرّاء إلى سورة الإخلاص؛ فقرؤوها ثلاث مرات على العادة، وكان على يمينه قاضي القضاة عماد الدين علي بن أحمد الطرسوسي الحنفي، فالتفت إلى الشيخ الإمام وقال: في خاطري دائمًا أن أسأل عن الحكمة في إطباق الناس على تكريرها ثلاثًا.
فقال له الشيخ الإمام: لأنه قد ورد أنها تعدل ثلث القرآن فتحصل بذلك ختمة.
فقال القاضي عماد الدين: فلم لا يقرؤونها ثلاثًا بعد الواحدة التي تضمنتها الختمة ليحصل ختمتان؟
فقال الشيخ الإمام: مقصود الناس تحقيق ختمة واحدة؛ فإن القارئ إذا وصل إليها فقرأها ثم أعادها مرتين كان على يقين من حصول ختمة: إما التي قرأها من الفاتحة إلى آخر القرآن، وإمّا ثوابها بقراءة الإخلاص ثلاثًا. وليس المقصود ختمة أخرى. وهذا معنى مليح] اهـ.

والمعتمد عند الشافعية أن تكرار سورة الإخلاص عند الختم في الصلاة خلافُ الأَوْلى فقط، وليس سُنّةً ولا مكروهًا؛ لأنه لم يَرِدْ فيه نهي مخصوص:
جاء في "الفتاوى الفقهية الكبرى" للعلامة ابن حجر الهيتمي (1/ 184، ط. دار الفكر): [وسئل نفع الله تعالى به عن تكرير سورة الإخلاص في التراويح: هل يُسَنُّ؟ وإذا قلتم "لا" فهل يُكْرَه أم لا؟ وقد رأيت في "المعلمات" لابن شهبة: أن تكرير سورة الإخلاص في التراويح ثلاثًا كرهها بعض السلف، قال: لمخالفتها المعهود عمن تقدم؛ ولأنها في المصحف مرة فلتكن في التلاوة مرة اهـ فهل كلامه مقرَّرٌ معتمد أم لا؟ بينوا ذلك وأوضحوه لا عدمكم المسلمون.
فأجاب فسح الله في مدته بقوله: تكرير قراءة سورة الإخلاص أو غيرها في ركعة أو كل ركعة من التراويح ليس بسنة، ولا يقال مكروه على قواعدنا؛ لأنه لم يرد فيه نهي مخصوص] اهـ.
قال العلامة أبو بكر شطا الدمياطي في "حاشية إعانة الطالبين" (1/ 307، ط. دار الفكر) تعقيبًا على فتوى العلامة ابن حجر: [الذي فيها أن قراءة القرآن في جميع الشهر أولى وأفضل، وأن تكرير سورة الإخلاص أو غيرها في ركعةٍ ما خلافُ الأَوْلى فقط، وليس بسنة ولا بمكروه] اهـ.

 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: سورة الإخلاص فضل سورة الإخلاص قراءة سورة الإخلاص تكرار سورة الإخلاص فی الصلاة القرآن فی الختم فی ثلاث ا

إقرأ أيضاً:

الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة

يحتل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) مكانة استثنائية في التاريخ الإسلامي بوصفه أول المؤمنين، وربيب رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وصهره، وأحد أبرز القادة الذين أسهموا في تثبيت دعائم الإسلام في أصعب مراحله، وقد اقترنت سيرته بالجهاد والتضحية والعلم والحكمة والعدل، حتى أصبح نموذجاً متكاملاً للقائد الرسالي الذي جمع بين قوة الموقف ونقاء العقيدة وسمو الأخلاق، فاستحق بأمر الله أن يكون وصي رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وباب مدينة علمه ، وعندما يتناول المسلمون سيرة الإمام علي (عليه السلام)، فإنهم لا يستحضرون شخصية تاريخية عابرة، بل يستحضرون مدرسة متكاملة في القيادة الإيمانية والالتزام بالحق والثبات في مواجهة التحديات، وهي مدرسة امتدت آثارها عبر القرون وما تزال تلهم الأجيال في مختلف الميادين.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الإمام علي والوصاية على الأمة

المكانة الخاصة التي منحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي (عليه السلام)، حيث كان الأقرب إليه علماً وعملاً وجهاداً، وقد رافقه في مختلف مراحل الدعوة الإسلامية، منذ بداياتها الأولى وحتى انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى، وقد أجمعت الأمة على أن الإمام علي كان الامتداد الطبيعي للمشروع الرسالي الذي أسسه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما امتلكه من علم واسع وعميق للقرآن الكريم، لم ينله غيره، ولما عرف عنه من نزاهة وعدالة وزهد وإخلاص وشجاعة في خدمة الدين والأمة، وقد تميزت شخصيته بكونها تجسيداً عملياً للقيم الإسلامية، فلم يكن دوره مقتصراً على الجانب العسكري أو السياسي، بل شمل الجانب التربوي والفكري والأخلاقي، ما جعله مرجعاً مهماً في فهم الإسلام وتطبيقه.

شجاعة استثنائية صنعت التحولات الكبرى

من أبرز ما عُرف به الإمام علي (عليه السلام) شجاعته الفريدة التي تجلت في مختلف المعارك التي خاضها إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففي معركة بدر الكبرى كان من أبرز أبطال المسلمين الذين واجهوا قادة قريش وفرسانها، وأسهموا في تحقيق أول انتصار حاسم للدولة الإسلامية الناشئة، وفي معركة أحد ثبت إلى جانب رسول الله حين تفرق كثير من المقاتلين تحت ضغط الهجوم المعاكس، مسطراً أروع صور الوفاء والثبات، أما في معركة الخندق، فقد تجلت شجاعته بصورة استثنائية عندما خرج لمواجهة عمرو بن عبد ود العامري، الذي كان يعد من أشجع فرسان العرب وأشدهم بأساً، وقد مثل انتصار الإمام علي في تلك المواجهة نقطة تحول مفصلية في مجريات المعركة، وأسهم في كسر معنويات الأحزاب التي حاصرت المدينة المنورة، وفي معركة خيبر، برز دوره بصورة لافتة عندما عجزت الجيوش عن فتح الحصون المنيعة، فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الراية إلى الإمام علي عليه السلام، فقاد الهجوم وتمكن من فتح الحصون وتحقيق نصر كبير للمسلمين، في حدث بقي حاضراً في الذاكرة الإسلامية بوصفه نموذجاً للشجاعة والإقدام والثقة بالله.

مواجهة أعداء الإسلام وإسقاط مشاريعهم

لم تكن معارك الإمام علي (عليه السلام) مجرد مواجهات عسكرية، بل كانت معارك دفاع عن العقيدة وحماية للمجتمع الإسلامي الوليد من الأخطار التي كانت تهدد وجوده، فقد واجه قوى متعددة سعت إلى القضاء على الدعوة الإسلامية، سواء من المشركين الذين حشدوا طاقاتهم لمحاربة الإسلام، أو من القوى المعادية التي عملت على تقويض استقرار المجتمع المسلم،
وفي المواجهات التي شهدتها المدينة المنورة وخارجها، كان الإمام علي يمثل رأس الحربة في التصدي لتلك التحديات، حتى أصبح اسمه مقترناً بالنصر والثبات والإقدام، وأصبح حضوره في ساحات القتال عاملاً مؤثراً في رفع معنويات المسلمين وإرباك خصومهم، وقد أجمع كثير من المؤرخين على أن بصماته العسكرية كانت حاضرة في أبرز الانتصارات التي حققها المسلمون خلال حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

رجاحة الرأي والحكمة في إدارة الأزمات

إلى جانب بطولاته العسكرية، عُرف الإمام علي (عليه السلام) برجاحة العقل وسداد الرأي والحكمة في معالجة القضايا المعقدة، فقد كان أكثر الناس علماً وفقهاً بعد رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، واشتهر بقدرته على استنباط الأحكام ومعالجة المشكلات الاجتماعية والسياسية والقضائية، ولذلك كان مرجعاً مهماً في القضايا الكبرى التي واجهت المجتمع الإسلامي، وتكشف خطبه ورسائله وكلماته المأثورة عن عمق فكري وإنساني كبير، حيث قدم رؤى متقدمة في العدالة والحكم والإدارة والعلاقة بين الحاكم والرعية، ما جعل تراثه الفكري محل اهتمام الباحثين والمفكرين عبر العصور، كما تميزت شخصيته بالتوازن بين الحزم والرحمة، وبين القوة والعدل، وهو ما منح قيادته بعداً أخلاقياً وإنسانياً نادراً.

 

مدرسة في العدل والإنصاف

يُعد الإمام علي (عليه السلام) رمزاً للعدالة في الوعي الإسلامي، إذ ارتبط اسمه بالحكم العادل والإنصاف بين الناس دون تمييز، وقد انعكس هذا النهج في مواقفه العملية وسلوكه الشخصي، حيث كان يرفض استغلال السلطة أو توظيفها لتحقيق مصالح خاصة، ويرى أن مسؤولية الحاكم تقوم على خدمة الناس وصيانة حقوقهم وتحقيق العدل بينهم، ولذلك تحولت سيرته إلى مرجع أخلاقي وسياسي يستلهم منه الكثيرون مبادئ الحكم الرشيد والنزاهة والالتزام بالمسؤولية.

دلالات الدور الرسالي للإمام علي عليه السلام

إن قراءة سيرة الإمام علي (عليه السلام) تكشف مجموعة من الدلالات المهمة، أبرزها، أن القيادة في الإسلام تقوم على الكفاءة والإيمان والالتزام بالحق، وأن القوة الحقيقية ترتبط بالقيم والمبادئ وليس بالمصالح والمكاسب، وأن العلم والحكمة يمثلان أساساً لبناء المجتمعات واستقرارها، وأن الثبات في مواجهة التحديات شرط أساسي لتحقيق النصر، وأن العدالة تشكل الركيزة الأهم في بناء الدولة والمجتمع، كما تؤكد سيرته أن المشروع الإسلامي لم يقم على السيف وحده، وإنما قام على تلازم العلم والجهاد والأخلاق والعدل، وهي القيم التي جسدها الإمام علي في مختلف مراحل حياته.

ختاما ..

يبقى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) واحداً من أعظم الشخصيات في التاريخ الإسلامي، بما قدمه من تضحيات جسام في سبيل نصرة الدين، وبما جسده من نموذج فريد في الشجاعة والحكمة والعدالة والالتزام الرسالي، لقد كان حاضراً في كل المواقف المصيرية التي واجهت الأمة الإسلامية في بداياتها، وأسهم بدور محوري في حماية الدعوة وترسيخ أركانها، حتى أصبح رمزاً خالداً للقائد المؤمن الذي جمع بين قوة السيف ونور البصيرة، وبين البطولة في الميدان والحكمة في إدارة شؤون الأمة، لتظل سيرته مدرسة متجددة تستلهم منها الأجيال معاني الثبات والوفاء والإخلاص لله ولرسوله وللقيم التي جاء بها الإسلام، وكان كل ما امتلكه في إطار موقعه الذي هيأه الله له كوصي لهذه الأمة ووليها من بعد رسوله الكريم صلوات الله عليه وعلى آله

مقالات مشابهة

  • زي النهاردة.. الملك فؤاد يفتتح مطار ألماظة ويستقل ثلاث طائرات يقودها مصريون
  • حجة .. أمسية لمكتب الصحة وفرعي المياه والكهرباء ومستشفى عبس بيوم الولاية
  • حجة .. ندوة في المحابشة بذكرى يوم الولاية
  • الله أكبر.. عباس شومان يعلن إنهاء خصومة ثأرية في أسيوط استجابة لشيخ الأزهر
  • ندوة ثقافية في مديرية الجبين بريمة بذكرى يوم الولاية
  • أهمية الخشوع في الصلاة وتسابيح سيدنا النبي بعد أدائها
  • حكم الاكتفاء بأضحية النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمة
  • حجة.. أمسيات في مركز المحافظة وعبس ووشحة والمفتاح بذكرى يوم الولاية
  • تدشين فعاليات إحياء ذكرى يوم الولاية بمحافظة الحديدة
  • الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة