دونالد ترامب ونفط فنزويلا - مقامرة كبرى
تاريخ النشر: 9th, January 2026 GMT
بعد ساعات فقط من القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بواسطة الولايات المتحدة في غارةٍ عند منتصف الليل يوم 3 يناير أوضح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دافعه الى ذلك. قال "صناعة النفط في فنزويلا فاشلة.. فاشلة تماما.. ولفترة طويلة من الزمن." وأضاف "سنجعل شركاتنا النفطية الكبيرة جدا في الولايات المتحدة تنفق بلايين الدولارات وتصلح من شأن البنية التحتية المدمرة وتشرع في جني المال للبلد.
كان هذا الإعلان يفوح بنكهة انتقام يتلذذ به صاحبه. فقبل 18 عاما مضت وفي ظل رئاسة هوغو شافيز أمَّمَت فنزويلا الأصول التابعة للشركات الأمريكية والغربية الأخرى. رفعت هذه الشركات دعاوى إلى المحاكم الأمريكية والدولية ضد فنزويلا وشركة النفط الوطنية الفنزويلية (بي دي في إس أيه) تطالب فيها بتعويضات تصل في مجموعها الى 60 بليون دولار. وفي يوم 16 ديسمبر طالب ترامب فنزويلا بإعادة "كل النفط ومناطق الامتياز والأصول الأخرى التي سرقوها منا في السابق."
لكن الرئيس الأمريكي يريد ما هو أكثر من القصاص. فعقودٌ من عدم كفاية الاستثمار وسوء الإدارة تسببت في هبوط انتاج نفط فنزويلا بنسبة الثلثين منذ أواخر العشرية الأولى الى حوالي مليون برميل في اليوم. والفكرة هي أن استعادة القدرة الإنتاجية المعطّلة ستجعل فنزويلا بلدا ثريا وفي ذات الوقت تملأ الجيوب الأمريكية. وما هو أفضل من ذلك أن فنزويلا تجلس على حوالي 300 بليون برميل من النفط أو 20% من احتياطيات العالم. وهذا ما يعني ضمنا أن الإنتاج قد يشهد المزيد من الارتفاع ولبعض الوقت. كما أن نفطها الثقيل وعالي الكبريت هو بالضبط ذلك النوع الذي تعاني المصافي الأمريكية من شح مزمن في إمداداته وفي وقت يشهد توترا في علاقات أمريكا مع كندا التي تزوِّدها به.
السؤال إذن هو: ما الذي لا يُعجِب في اندفاع ترامب نحو النفط؟ الكثير كما يبدو. في الأجل القريب من المرجح وبقدر أكبر أن ينخفض انتاج فنزويلا من النفط وليس أن يتعافى. ففي ديسمبر أعلنت الولايات المتحدة عن فرض حصار على الشحنات الفنزويلية التي تنقلها سفن مدرجة في قائمة سوداء. ثم استولت على واحدة منها. ومنذ تلك الواقعة هبط التصدير وبلغ حجم النفط الفنزويلي العائم على متن السفن المتوقفة أعلى مستوياته على مدى عدة سنوات.
كما تواجه فنزويلا أيضا شحا في "النافتا" وهي المادة المذيبة التي تحتاجها لجعل خامها فائق اللزوجة نفطا قابلا للنقل. فالنافتا لم تعد تأتي من روسيا. وما لم يُرفع الحصار وهذا يعتمد على التطورات السياسية والعسكرية سيلزم خفضُ المزيد من انتاج فنزويلا، ربما الى أقل من 700 ألف برميل في اليوم.
قد يتعافى الإنتاج في شهور قليلة إذا كان هنالك انتقال سياسي سلس ورُفعت العقوبات الأمريكية المفروضة على فنزويلا بما في ذلك الحصار البحري. وهذا غير مؤكد الى حد بعيد.
ربما تؤدي أعمال الصيانة الأساسية والإصلاحات الى رفع انتاجها الى 1.2 مليون برميل في اليوم بنهاية عام 2026، حسب تقدير شركة البيانات "كيبلر."
لكن ذلك يظل أقل بعض الشيء من القدرة الإنتاجية القصوى لفنزويلا ويجعلها متخلفة قليلا عن ليبيا التي تحتل المرتبة الثامنة عشرة في انتاج النفط عالميا. ولكي تضخ فنزويلا المزيد ستحتاج الى التغلب على ثلاث مشاكل هي بالتحديد: الحاجة الماسَّة للتمويل ونقص العمالة والسوق العالمية المتخمة بالإمدادات النفطية.
وفقا لتقديرات شركة ريستاد انيرجي الاستشارية ستتطلب إعادة انتاج فنزويلا من النفط الى مستواه الذي كان عليه قبل 13 عاما إنفاقا رأسماليا بقيمة حوالي 110 بليون دولار على العمليات الاستكشافية والإنتاجية وحدها. وهذا ضعف ما استثمرته كبرى شركات النفط الأمريكية في مجموعها حول العالم في عام 2024.
يعتقد ترامب كما يبدو أن تلك الشركات ستندفع للتوقيع على "شيكات إنفاق كبيرة". ربما تتوسع شيفرون في عملياتها الإنتاجية. فهي موجودة أصلا في فنزويلا وتصدر حوالي 200 ألف برميل الى أمريكا بموجب استثناء من العقوبات. لكن الشركات الأخرى لم تنسَ معاناة الماضي. لذلك نجاح خطط ترامب بالكاد سيكون مضمونا. الى ذلك، سيغادر ترامب البيت الأبيض بعد ثلاث سنوات وربما يفقد اهتمامه بهذه الخطط قبل ذلك الوقت. لذلك لاذت كبرى الشركات الأمريكية بالصمت إزاء نداء الرئيس ترامب (للاستثمار في فنزويلا). كما لم تُبدِ شركات تجارة السلع العالمية استعدادا للانطلاق إليها، حسبما يقول جان فرانسوا لامبرت، مستشار تمويل وتجارة السلع. بل ستكون البنوك وشركات التأمين المطلوبة لتمويل وتأمين شحنات النفط أبطأ في العودة الى فنزويلا.
حتى إذا أمكن اقناع عدد كاف من شركات النفط لضخ أموالها من المشكوك فيه أن تتخلص صناعة النفط الفنزويلية من تخلفها وتلحق بالركب. ففي السنوات الأخيرة عانت من نزيف هائل للعقول (فقدان للكفاءات). فعشرات الآلاف من العاملين المهرة من مهندسين الى جيولوجيين تركوا البلد.
إلى ذلك شركة النفط الوطنية الفنزويلية تتولى إدارتها الى حد كبير القوات المسلحة في الوقت الحاضر. ولإنشاء استثمارات مشتركة مع الشركات الغربية يجب إعادة تشكيل كاملة لهذه الشركة التي يوجد بها 70 ألف عامل. فهي (بوضعها الراهن) قد لا يكون بمقدورها العمل كشريك مفيد اقتصاديا لسنوات عديدة.
إن أي نفط إضافي يمكن لفنزويلا ضخّه سيتدفق الى سوق متخمة. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتخطى إمداد النفط العالمي الطلب عليه حتى نهاية هذا العقد، على الأقل بسبب الإنتاج القوى في بلدان كالبرازيل وغيانا بل حتى في أمريكا نفسها وأيضا النمو الفاتر في الطلب.
ويتوقع عدة محللين أن تخفِّض الفوائضُ أسعارَ النفط العالمية باتجاه 50 دولارا للبرميل وربما أقل هذا العام والعام التالي. وهذا السعر أقل من سعر التعادل لمعظم حقول النفط الفنزويلية التي توجد بها احتياطيات معقولة. أما المشروعات الجديدة فكثيرا ما تكون أقل تنافسية.
في السيناريو الأكثر تفاؤلا تتوقع شركة كيبلر ارتفاع انتاج نفط فنزويلا الى ما بين 1.7 مليون الى 1.8 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2028.
إذا حدث ذلك قد يتسبب في إعادة ترتيب لافتة للتدفقات التجارية. فالمصافي الأمريكية من المرجح أن تتلقَّف بعض البراميل الإضافية. لقد استوردت نصف مليون برميل إضافي في اليوم في أوائل العشرية الثانية. وكوبا التي ظلت تشتري النفط الفنزويلي منذ فترة طويلة بشروط ميسّرة ستتجه الى المكسيك وروسيا طلبا للمساعدة. ومصافي الصين المستقلة الصغيرة (المعروفة باسم مصافي برَّاد أو إبريق الشاي) والتي اعتادت على شراء معظم الإمدادات الفنزويلية بخصم في السعر قد تُستبعَد من تجارته. وربما تقلل شركات النفط الصينية المملوكة للدولة من وجودها المحلي كذلك.
كل هذا يمكن أن يفيد أمريكا تجاريا وجيو-سياسيا لكن بقدر محدود فقط. ووفقا لجورج ليون المحلل بشركة ريستاد إنيرجي أي شيء أكثر جذرية يبدو مشروعا طويل الأجل. مثلا كالعودة بالإنتاج الفنزويلي الى 2.3 مليون - 3 مليون برميل في اليوم. وهذا هو مستواه في أواخر العشرية الثانية والذي يساوي الإنتاج الحالي للكويت ثامن أكبر منتج للنفط في العالم.
اختطاف ترامب للرئيس الفنزويلي مادورو يبدو مثيرا وسريعا. لكن العائد الاقتصادي منه لن يكون لا مثيرا ولا سريعا.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: ملیون برمیل فی الیوم النفط الفنزویلی
إقرأ أيضاً:
تركيا: التدخل الإسرائيلي المستمر في لبنان قد يعصف بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية
قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن الولايات المتحدة وإيران تبذلان جهودا صادقة لتمديد وقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز.
وأكد فيدان في حديث لوكالة "بلومبرج" أن تركيا تعمل على تسهيل المفاوضات بين طهران وواشنطن، إلا أنه أشار إلى أن التدخل الإسرائيلي المستمر في لبنان يشكل خطرا جسيما قد يقوض هذه المفاوضات.
وقال: "أنا على ثقة من صدق نوايا الأمريكيين والإيرانيين، إنهم يريدون وقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز. لكنني لست متأكدا من نوايا إسرائيل".
من جهة أخرى، تحدثت تقارير إعلامية داخل إيران، عن أن "النص الإيراني النهائي لمذكرة التفاهم المحتملة بين إيران والولايات المتحدة، والهادفة إلى إنهاء الحرب، لا يزال قيد المناقشة والمراجعة داخل طهران"، مؤكداً أنه لم يتم إرسال أي رد رسمي حتى الآن.
وأوضح المصدر، في تصريحات لوكالة "مهر"، أن "إيران تتعامل مع المقترحات المطروحة بحذر شديد"، مشيراً إلى أن سجل الولايات المتحدة في عدم الالتزام بالاتفاقات السابقة والتجارب التاريخية بين الطرفين يدفع صناع القرار الإيرانيين إلى التدقيق في جميع التفاصيل قبل اتخاذ أي خطوة.
وأضاف أن "فريق التفاوض الإيراني يركز على ضمان تحقيق مكاسب عملية وملموسة لإيران، مستنداً في ذلك إلى الخبرات والتجارب السابقة في مسار المفاوضات مع واشنطن".
في وقت سابق، قال سعيد أجرلو عضو الفريق الإعلامي للهيئة التفاوضية في إيران، إن زيارة محمد باقر قاليباف إلى قطر، تطرقت إلى نقاشات بشأن الأموال الإيرانية المجمدة.
وأوضح أجرلو أن الفريق التفاوضي الإيراني يصر على أن يكون 12 مليار دولار تحت تصرفه فور توقيع الاتفاق.
وأضاف أجرلو أن المفاوضات جرت على أساس أنه إذا واجهت إيران أي اضطراب في الوصول إلى الأصول المجمدة، فيمكنها الانسحاب من الاتفاق، مشيرا إلى أن هذا المبلغ يجب أن يستخدم بطريقة تضمن تنفيذ الاتفاق.
وأوضح أن 6 مليارات دولار من هذا المبلغ هي أموال إيرانية مجمدة سابقا، بينما تمثل الـ6 مليارات الأخرى المبلغ الذي ينبغي تحريره في هذه المرحلة، لافتا إلى أن قطر تواصل دورها كوسيط لمحاولة حل هذه المسألة.
في سياق آخر، قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم الثلاثاء، إنه "لا شيء يمكن أن يبرر" استمرار العمليات العسكرية واحتلالا إسرائيليا مطوّلا في لبنان، في وقت تواصلت المواجهات ليلا بين إسرائيل وحزب الله رغم إعلان واشنطن عن هدنة.
وقال وزير الخارجية الفرنسي في حديث تلفزيوني عبر فرانس تي في "من غير الوارد إطلاقا أن يُضحّى بلبنان تكفيرا نوعا ما عن تعثّر التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنه تحدث مساء الاثنين مع نظيره الأميركي ماركو روبيو.
وقال بارو "ما نريده هو أن تُعقد المحادثات المقررة هذا الأسبوع بين الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية في أفضل الظروف الممكنة".
ترامب يوبخ نتنياهو بسبب لبنان
كشفت مصادر أمريكية لموقع أكسيوس أن الرئيس دونالد ترامب شن هجوما حادا على رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو خلال اتصال هاتفي يوم الاثنين على خلفية التصعيد الإسرائيلي في لبنان.
وبحسب المصادر، وبخ الرئيس ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب التصعيد الإسرائيلي في لبنان خلال مكالمة مليئة بالألفاظ النابية يوم الاثنين، وفق ما أفاد به مسؤولان أمريكيان ومصدر ثالث مطلع على المكالمة لموقع "أكسيوس".
ووفق المصادر، وصف ترامب نتنياهو بأنه "مجنون" واتهمه بـ"نكران الجميل"، كما أوقف خطة إسرائيلية كانت تستهدف تنفيذ ضربات على بيروت.
وقال مسؤول أمريكي إن "ترامب أبلغ نتنياهو أن تنفيذ تهديداته بقصف العاصمة اللبنانية سيؤدي إلى مزيد من عزلة إسرائيل دوليا".
وأضافت المصادر أن ترامب ذكّر نتنياهو بدعمه له خلال محاكمته في قضايا الفساد، قائلا: "أنت مجنون.. كنت ستدخل السجن لولا دعمي لك.. أنا أنقذك والجميع يكرهك الآن.. والجميع يكره إسرائيل بسبب ذلك".
كما نقل مصدر آخر أن ترامب صرخ بوجه نتنياهو قائلا: "ماذا تفعل بحق الجحيم؟".
ووفق المسؤولين الأمريكيين، فإن ترامب يدرك أن حزب الله يطلق النار على إسرائيل، لكنه اعتبر أن رد نتنياهو في الأيام الأخيرة كان "غير متناسب" خصوصا مع توسيع العملية البرية في جنوب لبنان وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين.
وأشار مسؤول أمريكي آخر إلى أن ترامب اعترض أيضا على سياسة تدمير المباني لاستهداف قائد واحد من حزب الله.
وفي أعقاب الاتصال، أفاد مسؤول إسرائيلي لموقع "أكسيوس" بأن إسرائيل لم تعد تخطط لضرب أهداف لحزب الله في بيروت.
ورغم التوتر، أكد نتنياهو بعد الاتصال أن إسرائيل ستواصل عملياتها في جنوب لبنان، وقال: "موقفنا لم يتغير".
لكن مسؤولا أمريكيا آخر اعتبر أن ترامب فرض موقفه بالكامل خلال الاتصال، مضيفا أن نتنياهو أنهى المكالمة بالقول: "حسنا، حسنا.. فقط تأكدوا من معالجة كل شيء".
وكانت هيئة البث العبرية الرسمية قد أفادت بأن إسرائيل خططت لمهاجمة الضاحية الجنوبية صباح الاثنين ولكن في الساعات القليلة الماضية وبسبب التدخل الأمريكي، تم تأجيل الهجوم.
وأشارت إلى أنه ومع تصاعد وتيرة هجمات حزب الله، من غير الواضح في هذه المرحلة ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسمح بهجوم على بيروت في ظل التهديدات الإيرانية بما فيها شن هجوم مباشر على إسرائيل.
كما تأتي التطورات عقب إعلان وكالة أنباء "تسنيم" الإيرانية شبه الرسمية بأن طهران اتخذت قرارا بتعليق تبادل الرسائل غير المباشرة مع واشنطن، نتيجة تواصل الهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، واشترطت لاستئناف هذه المحادثات أن توقف إسرائيل هجماتها على لبنان وتنسحب بالكامل من المناطق التي احتلتها.
جدير بالذكر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أنه أجرى مكالمة جيدة جدا مع حزب الله وأن الحزب وافق على وقف كافة عمليات إطلاق النار بحيث يتوقف تبادل الهجمات بين الطرفين.
كما أشار إلى أنه أجرى اتصالا مثمرا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مؤكدا أن إسرائيل لن تهاجم حزب الله والحزب لن يهاجم إسرائيل.