فجوة مالية بـ79 مليار دولار.. الحرب تعمّق أزمة الاقتصاد الإسرائيلي
تاريخ النشر: 9th, January 2026 GMT
كشفت الحرب على غزة هشاشة النظام الاقتصادي والضريبي في إسرائيل، مع فجوة دفاعية تقدر بـ250 مليار شيكل (حوالي 79 مليار دولار) خلال العقد المقبل.
وتواجه الحكومة خيارات صعبة بين زيادة الضرائب، أو الاقتراض، أو تقليص الإنفاق المدني، في ظل ضغوط على الطبقات الوسطى والعليا واستحالة تحصيل المزيد من الفئات الدنيا.
وكشفت بيانات حديثة لمصلحة الضرائب الإسرائيلية عن أزمة بنيوية تتجاوز الحاجة المؤقتة لزيادة الإيرادات، لتصل إلى حدود النموذج الاقتصادي والضريبي نفسه.
وتعتبر إسرائيل بحاجة إلى نحو 250 مليار شيكل إضافية (حوالي 79 مليار دولار) خلال العقد المقبل، لتمويل الإنفاق الدفاعي المتوقع وتعويض الخسائر المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن الحرب على غزة، بينما تكاد تبلغ قدرة الدولة على الجباية سقفها.
وأظهرت ورقة بحثية بعنوان "دخل المقيمين الإسرائيليين – نوفمبر/ تشرين الثاني 2025" أعدها 4 اقتصاديين في مصلحة الضرائب، أن النظام الضريبي الإسرائيلي يواجه جمودًا خطيرًا، حيث تعتمد الدولة على شريحة ضيقة من دافعي الضرائب.
وتتحمل الشريحة العشرية الأعلى دخلا، التي تمثل نحو 10% من السكان، نحو 63% من إجمالي الضرائب المباشرة، بمعدل عبء ضريبي يصل إلى 29% من الدخل، أي نحو 20 ألف شيكل (6250 دولار) شهريًا للفرد.
وهذا التركيز الضريبي يضعف الحوافز الاقتصادية ويزيد مخاطر هروب رأس المال وتراجع الاستثمار، خصوصًا في قطاعات التكنولوجيا والخدمات المتقدمة.
رغم تحصيل الدولة لأول مرة أكثر من 500 مليار شيكل (156 مليار دولار) من الضرائب، وتحقيق فائض يقارب 40 مليار شيكل (نحو 12,5 مليار دولار)، فإن هذا لا يشير إلى تحسن هيكلي في الاقتصاد، بحسب مراسل الشؤون الاقتصادية لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، غاد ليئور.
ويعتبر جزء كبير من الفائض ناتجا عن عوامل ظرفية، مثل التسويات الضريبية والتضخم وإجراءات جباية استثنائية، ولا يمكن الاعتماد عليها كمصدر دائم لتمويل الالتزامات طويلة الأجل.
إعلانوتشير تحليلات وزارة المالية إلى أن الإيرادات الحالية لا تكفي لسد فجوة التمويل الدفاعي المقدرة بـ250 مليار شيكل، وهي تكلفة الحرب خلال عامين فقط، مما يضع الدولة أمام مأزق مالي طويل الأمد.
خيارات محدودةفي ظل هذا الواقع، تبدو خيارات الحكومة محدودة وتتلخص في:
رفع الضرائب على الطبقات الوسطى والعليا قد يبطئ النمو ويزيد الاحتقان الاجتماعي. الاقتراض يرفع الدين العام وتكاليف خدمته في ظل أسعار فائدة مرتفعة عالميًا. تقليص الإنفاق المدني قد يضر بالنمو ويعمّق الفجوات الاجتماعية، ويعيد إنتاج الأزمة نفسها.وترى دراسة لمصلحة الضرائب الإسرائيلية أن الحل الوحيد المستدام هو تعزيز النمو الاقتصادي وتقليص التفاوت الاجتماعي، لتوسيع قاعدة دافعي الضرائب بدلًا من زيادة العبء على الفئات نفسها، وهو ما يتطلب استقرارًا أمنيًا وإصلاحات هيكلية في سوق العمل والتعليم.
وتظهر الأزمة الحالية كما تقول الكاتبة الإسرائيلية ميراف أرلوزوروف، المختصة بالاقتصاد السياسي، أن الحرب لم تثقل كاهل إسرائيل أمنيا فقط، بل وضعت نموذجها الاقتصادي والضريبي أمام اختبار حقيقي.
وأشارت إلى أنه مع غياب حلول سهلة أو سريعة، تواجه الحكومة معادلة معقدة، تمويل أمن متضخم دون خنق النمو الاقتصادي أو تفجير أزمة اجتماعية أوسع.
وقدرت أرلوزوروف في مقال لها في صحيفة "ذا ماركر"، إلى أنه في حال عدم استئناف الحرب، من المتوقع أن يشهد عام 2026 ارتفاعًا في تحصيل الضرائب.
وإلى جانب هذا التحسن المحتمل، أوضحت الكاتبة الإسرائيلية أن الحكومة تخطط لتطبيق إجراءات ضريبية جديدة، تشمل:
ضريبة عقارية بنسبة 1.5% على الأراضي. ضريبة إضافية على البنوك تزيد الإيرادات بأكثر من مليار شيكل. رفع معدلات الضرائب على السيارات الكهربائية.إلا أن النظام الضريبي الإسرائيلي يشهد حالة من التعثر؛ الشريحة الأدنى دخلاً فقيرة جدًا لتحمل أي ضرائب إضافية، فيما الشريحة الأعلى دخلًا مثقلة بالفعل بالعبء الضريبي، ما يجعل توسيع الجباية عبر الأطر التقليدية شبه مستحيل كما تقول الكاتبة.
ويبقى السؤال المحوري: كيف ستمول إسرائيل الزيادة الدفاعية المتوقعة بـ250 مليار شيكل خلال العقد القادم؟
الإجابة وفق دراسة مصلحة الضرائب: تعزيز النمو الاقتصادي وتقليص التفاوت الاجتماعي، ما يسمح بتوسيع قاعدة دافعي الضرائب بدل زيادة العبء على الفئات نفسها، لكن تحقيق ذلك يتطلب استقرارا أمنياً وإصلاحات هيكلية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات النمو الاقتصادی ملیار دولار ملیار شیکل
إقرأ أيضاً:
17 مليار دولار تختفي سنوياً.. أين تذهب أموال «دعم الوقود»؟
أعاد الخبير الاقتصادي ورجل الأعمال حسني بي فتح ملف منظومة دعم المحروقات في ليبيا، عبر منشور مطوّل نشره على صفحته الرسمية وصفحة “رؤية عمل”، موجّهًا انتقادات حادة للسياسات الحالية، ومطالبًا بإعادة هيكلة شاملة تقوم على التحول من الدعم السعري إلى دعم نقدي مباشر للمواطنين.
وقال حسني بي إن الحديث عن الدعم في ليبيا، وفق وصفه، لم يعد مرتبطًا بالعدالة الاجتماعية، بل أصبح يعكس منظومة تبتلع الثروة العامة تحت شعارات اجتماعية فقدت فعاليتها، معتبرًا أن البلاد لا تعاني من نقص في الموارد، بل من خلل في إدارتها وتوزيعها.
وأوضح في منشور على صفحته بالفيسبوك، أن منظومة دعم المحروقات الحالية لا تمثل سياسة اجتماعية ناجحة، ولا تحقق أهداف حماية الفئات الضعيفة، بل تتحول إلى آلية لإعادة توزيع الثروة نحو شبكات التهريب والمضاربة والاقتصاد الموازي، على حد تعبيره.
وتساءل في منشوره عن جدوى استمرار هذه المنظومة، مشيرًا إلى أن ارتفاع معاناة الأسر الليبية وتراجع قيمة الدينار وتزايد أرباح التهريب، كلها مؤشرات على فشل النظام الحالي في تحقيق العدالة الاقتصادية.
وأضاف أن المواطن الليبي يتحمل كلفة مزدوجة، تتمثل في هدر الثروة النفطية عبر دعم لا يصل إليه فعليًا، إضافة إلى تأثيرات التضخم وارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية.
وكشف حسني بي أن كلفة دعم المحروقات والطاقة في ليبيا تتراوح بين 14 و17 مليار دولار سنويًا، أي ما يعادل نحو 100 إلى 120 مليار دينار، معتبرًا أن هذا الحجم من الإنفاق يؤدي إلى نزيف مالي واسع يمنع بناء اقتصاد مستقر أو تمويل تنمية حقيقية أو حماية العملة المحلية.
وفي المقابل، شدد على أن الحل لا يتمثل في رفع الدعم بشكل مباشر، بل في استرداد حق المواطن عبر تحويل الدعم إلى نقدي مباشر، يتم توزيعه بشكل شفاف وعادل لجميع الليبيين، عبر الرقم الوطني والحسابات المصرفية والمحافظ الإلكترونية.
وأشار إلى أن آلية مشابهة موجودة بالفعل منذ يناير 2021، حيث تُصرف علاوات للأسر الليبية تحت مسميات مختلفة مثل علاوة الأبناء والزوجة والبنات، بتكلفة سنوية تقارب 7.5 مليار دينار، وبمتوسط دعم شهري يقارب 550 دينارًا للأسرة، تُصرف كل ثلاثة أشهر.
واقترح توسيع هذه المنظومة بإضافة مبلغ نقدي مباشر قدره 500 دينار لكل مواطن شهريًا، ما يعني أن الأسرة المكونة من ستة أفراد ستحصل على نحو 3000 دينار إضافية شهريًا، ليصل إجمالي دخلها النقدي إلى نحو 3550 دينارًا بدلًا من 550 دينارًا حاليًا، وفق تقديره.
وأكد أن هذا التحول لا يمثل إنفاقًا جديدًا، بل إعادة توجيه للمال العام من قنوات التهريب والفساد إلى المواطنين مباشرة، مشيرًا إلى أن قوانين الميزانية في عامي 2013 و2014 نصت على ضرورة إعداد خطة لتحويل الدعم السلعي ودعم المحروقات إلى دعم نقدي، إلا أن التنفيذ لم يكتمل بالشكل المطلوب.
ودعا إلى اتخاذ قرار حاسم وفوري بوقف منظومة الدعم السعري التي يستفيد منها المهربون والمضاربون أكثر من المواطن، مع تحويل كامل القيمة إلى المواطنين عبر أدوات مالية حديثة، وربط الدعم بعدد أفراد الأسرة لضمان العدالة.
كما شدد على ضرورة إعادة هيكلة الأجور والدخل العام لحماية القدرة الشرائية، وتوجيه الموارد نحو التنمية والخدمات، معتبرًا أن استمرار الوضع الحالي يطيل عمر الفساد ويعمّق الأزمة الاقتصادية.
وختم حسني بي منشوره بالتأكيد على أن ليبيا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما استمرار منظومة “النهب المقنّع باسم الدعم”، أو الانتقال إلى نظام عادل وشفاف يعيد الثروة إلى المواطنين، معتبرًا أن النفط وأموال الدعم ملك للشعب ولا يجب أن تتحول إلى أرباح للتهريب والمضاربة.
وفي سياق متصل، علّق الخبير الاقتصادي مختار الجديد على الجدل الدائر، معتبرًا أن ردود الفعل حول بعض التفاصيل في النقاشات الاقتصادية لا تعكس جوهر القضية، مشيرًا إلى أن تفسير السلوكيات في الإعلام يحتاج إلى قراءة موضوعية بعيدًا عن الانطباعات الشخصية، في إشارة إلى الجدل الذي أُثير حول بعض ملاحظاته السابقة في البرامج الحوارية.
ويعكس هذا الجدل الاقتصادي المتصاعد في ليبيا حالة انقسام واضحة بين تيار يدفع باتجاه إصلاح جذري لمنظومة الدعم وتحويله إلى نقد مباشر، وتيار آخر يركز على أبعاد اجتماعية ونقاشات إعلامية مرتبطة بإدارة الخطاب العام حول الأزمة.
هذا وتعتمد ليبيا منذ سنوات على منظومة دعم واسعة لأسعار الوقود والسلع الأساسية، ما جعلها أحد أكبر بنود الإنفاق العام. غير أن هذه المنظومة تواجه انتقادات متكررة بسبب تسرب جزء كبير من الدعم إلى قنوات التهريب والسوق السوداء، في ظل ضعف آليات الرقابة والتوزيع.
ويُطرح بين الحين والآخر خيار التحول إلى الدعم النقدي المباشر كبديل إصلاحي، إلا أن تنفيذه يواجه تحديات سياسية واجتماعية واقتصادية معقدة.