لماذا خرجت حرب السودان عن سياقها المحلي وباتت تهدد القرن الأفريقي؟
تاريخ النشر: 9th, January 2026 GMT
ناقش مدير مؤسسة السلام العالمية في جامعة "تافتس" أليكس دي وال الحرب في السودان، مشيرا إلى أن التنافس في الشرق الأوسط حول النزاعات جعلها تتحول من محلية إلى أزمات إقليمية.
وقال دي وال في مقال نشرته دورية "فورين أفيرز" إن "إدارة الرئيس دونالد ترامب وبعد عامين من الحرب المدمرة في السودان، والتي خلفت أكبر كارثة إنسانية في العالم، بدت في الصيف الماضي وكأنها قد توصلت إلى المسار الأمثل لحل الأزمة".
وأشار إلى أن النزاع الدائر في السودان منذ نيسان/ أبريل 2024، أدى إلى تقسيم البلاد بين شرق تحت قيادة الجيش السوداني وغرب تسيطر عليه بشكل عام المليشيا التي يقودها محمد حمدان دقلو "حميدتي" والمعروفة باسم "قوات الدعم السريع".
ولفت إلى أنه في حزيران/ يونيو 2025 عقدت الولايات المتحدة اجتماعا لما تسمى الرباعية التي تضم السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة. ولم تكن الدول الثلاث الأولى مجرد وسطاء بل داعمة لطرفي النزاع، فمصر والسعودية تدعمان الجنرال عبد الفتاح البرهان أما الإمارات فتدعم حميدتي، مع أنها تنفي ذلك.
وكانت مخرجات اللقاء هي وقف إطلاق النار ودخول المساعدات الإنسانية والتفاوض على حكومة مدنية. وفي أيلول/ سبتمبر وقبل شهر من تنفيذ المخرجات، قامت قوات الدفع السريع بارتكاب أسوأ مجزرة تشهدها الحرب الأهلية في السودان بمدينة الفاشر، في إقليم دارفور بعد حصار فرض عليها لأكثر من عام، وقتلت على الأقل 7,000 شخصا معظمهم من المدنيين.
ووفق المقال، في الوقت الحالي تحاصر قوات الدعم السريع مدينة الأبيض في كردفان، وضربت أهدافا بما فيها رياض الأطفال.
في غضون ذلك، يواصل كلا الجانبين تلقي الأسلحة من الداعمين الخارجيين. ومنذ تشرين الأول/ أكتوبر، لاحظ المراقبون ازديادا في رحلات الشحن العسكري إلى المطارات التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، كما بدأت هذه القوات بنشر طائرات مسيرة صينية الصنع متطورة، فضلا عن مرتزقة كولومبيين. وقد تتبع المحققون هذه الرحلات إلى الإمارات العربية المتحدة.
ومع هذه الإمدادات الجديدة، قد تهدد قوات الدعم السريع الخرطوم، التي كانت تسيطر عليها بشكل كبير في بداية الحرب قبل أن تخرجها القوات المسلحة السودانية منها. وفي الوقت نفسه، تواصل مصر وتركيا تزويد القوات المسلحة السعودية بمزيد من الأسلحة. وقال دي وال إنه "كلما طال أمد القتال، ازداد خطر تحوله إلى حرب إقليمية شاملة".
وقد بدأت الحرب بالفعل تورط جيران السودان الأفارقة. إذ تمر خطوط إمداد قوات الدعم السريع عبر تشاد وليبيا والصومال وجنوب السودان، وقد تشمل إثيوبيا وكينيا لاحقا. وتمتد قاعدة المجندين التابعة لها من سكان الريف، وبخاصة المجتمعات البدوية تاريخيا، غربا عبر منطقة الساحل الأفريقي. ومنذ سقوط الفاشر، وردت تقارير عن عبور جماعات عربية من رعاة الماشية الحدود من جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد، بهدف الاستيلاء على الأراضي التي أُخليت حديثا. كما أن الحرب السودانية متشابكة مع الوضع المتوتر بين إريتريا وإثيوبيا، والذي ينذر بالانزلاق إلى حرب كبرى.
ومن خلال تشكيل الرباعية، أدركت واشنطن أن الحل للحرب يمر عبر الخليج. لكن ما لم يدركه الكثيرون هو أن الصراع نفسه ذو طابع دولي، بطرق جديدة ومختلفة عن الصراعات السودانية السابقة. فاليوم، تتلاشى الدولة القومية ذات الحدود في السودان، وفي أجزاء كثيرة من أفريقيا والشرق الأوسط وتفتح الطريق سريعا أمام إقطاعيات بلا حدود يديرها أمراء حرب يخضعون لسيطرة جهات أجنبية ثرية. وهو ما عقد من مهمة احتواء هذه الحرب، على الرغم من شعبيتها المتدنية بين السودانيين أنفسهم، وما جلبته من بؤس ومعاناة لعشرات الملايين من الناس. وبدون تدخل حاسم من إدارة إدارة ترامب، فثمة خطر حقيقي في أن تدفع الحرب في السودان منطقة القرن الأفريقي ووادي النيل ومنطقة الصحراء والساحل إلى هاوية الفوضى.
وأضاف دي وال أن حل الحرب في السودان سيكون صعبا حتى في ظل ظروف مواتية. فقد استحوذت مجزرة الفاشر في تشرين الأول/ أكتوبر على اهتمام العالم نظرا للوحشية غير المسبوقة التي تميزت بها ، لكنها لم تكن سوى أبرز مثال على نمط من الفظائع التي لطخت سمعة البلاد بأكملها منذ اندلاع القتال. فما حدث في الفاشر يذكر بعمليات القتل التي شهدتها غرب دارفور في الأشهر الأولى من الحرب، وهي عمليات وصفتها وزارة الخارجية الأمريكية بالإبادة الجماعية. كما مثل الاستيلاء على مدينة في دارفور نسخة مكثفة من الفظائع التي لا توصف والتي ارتكبت في العاصمة الوطنية في الأشهر الأولى من الحرب، عندما نهب مقاتلو قوات الدعم السريع وقتلوا واغتصبوا في كل حي من الخرطوم.
ويزعم حميدتي مع حلفائه بأن مشروعه هو تفكيك دولة عام 1956 التي نشأت بعد الإستقلال عن الحكم الاستعماري البريطاني. ووفقا لرواية قوات الدعم السريع، فقد سيطرت على الدولة السودانية زمرة من الجنود ورجال الأعمال، ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، والإسلاميين، الذين أداروا الحكومة كناد نخبوي استغل الأقاليم لإثراء أنفسهم. وبلغ هذا ذروته، كما يزعمون، مع حكم عمر البشير الذي دام 30 عاما (1989-2019)، وأن قوات البرهان المسلحة ليست سوى استمرارا لهذه "الدولة العميقة". وقد لاقت هذه الرسالة صدى واسعا بين الفقراء والمهمشين في المناطق الريفية، وبخاصة دارفور، على الرغم من أن رؤية قوات الدعم السريع لا تكمن في إصلاح الدولة، بل في نهبها وسرقة المواطنين.
وبعد عامين من العنف الشديد، بما في ذلك النهب والاغتصاب والمجازر في المناطق الريفية والحضرية على حد سواء، بات الشعب السوداني يعاني من استقطاب غير مسبوق.
ومع أن معظم السودانيين يدعمون أهداف ثورة 2019 التي أطاحت بالبشير إلا أن أحلامهم تبددت بعد تآمر البرهان وحميدتي لإنهاء تجربة الحكم المدني. وتم تقديم عدة خطط تم لإنهاء الأزمة، إلا أن كل طرف قام بخرقها، ومنها الخطة السعودية- الأمريكية في جدة "إعلان الإلتزام"، وفي الوقت الذي يجوع فيه السودانيون يعتمد كل طرف على داعميه الخارجيين لمواصلة الحرب المقبلة.
وأشار الكاتب لما أسماه "اللغز الإماراتي"، فمع استمرار الحرب، أصبح دور الإمارات العربية المتحدة محفوفا بالمخاطر. فبينما تدعم مصر وقطر والسعودية وتركيا القوات المسلحة السعودية، تتوافر الآن أدلة كثيرة على أن الإماراتيين يزودون قوات الدعم السريع بالأسلحة في حملاتها المستمرة. ونظرا لنفي أبوظبي أي تورط، فقد تعذر على الوسطاء إشراك المسؤولين الإماراتيين في أي نقاش حول مصالح الإمارات واستراتيجيتها والتسويات المحتملة. وليس لدي المحللين والدبلوماسيين إلا التكهن بأسباب دعم الإمارات لقوة دموية كهذه.
ويرجح معظمهم أن الرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان، تربطه علاقة حماية وولاء مع حميدتي، ترسخت قبل عشر سنوات عندما أرسل مقاتليه إلى اليمن لمحاربة الحوثيين. ثم هناك البعد الأيديولوجي ومحاربة الإسلاميين، إلى جانب العلاقات التجارية بين الإمارات وقوات الدعم السريع ، إذ تصدر شركة عائلة حميدتي الذهب السوداني إلى دبي، لكن المصالح التجارية وحدها لا تفسر دعم الإمارات لحميدتي. بل التنافس السعودي- الإماراتي وبين محمد بن زايد ومحمد بن سلمان، على النفوذ في شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر، وهو ما يعطي النزاع في السودان البعد الإقليمي. وكما هو الحال في اليمن، يتجلى هذا التنافس الآن في ليبيا والسودان وسوريا والقرن الأفريقي، حيث تقف الإمارات والسعودية، اللتان كانتا حليفتين، على طرفي نقيض في العديد من الصراعات.
فعندما اندلعت الحرب بين البرهان وحميدتي عام 2023، كان واضحا لجميع المحللين للشأن السوداني ضرورة إشراك الإمارات في عملية السلام. ورغم تقاعس إدارة بايدن عن حل الحرب في السودان، إلا أن إدارة ترامب كان لديها الفرصة، وبخاصة بعد مذابح الفاشر، ففي تلك اللحظة، ربما كانت رسالة خاصة قوية من ترامب إلى محمد بن زايد كافية لتمكين الإمارات من التوصل إلى حل وسط يحفظ ماء الوجه، وربما كان ترامب قادرا على الإعلان عن اتفاق مدعوم من دولتي الخليج. بدلا من ذلك، وبعد لقائه مع ولي العهد محمد بن سلمان، أدلى ترامب بتصريح علني. أعلن قائلا: "يرغب سموه في أن أقوم بخطوة بالغة الأهمية تتعلق بالسودان"، مضيفا لاحقا: "إن ما يحدث أمر مروع". في هذه المرحلة، كان من شأن أي خطوة من الإماراتيين للموافقة على خطة مشتركة أن تعتبر تراجعا، وبدلاً من تعزيز جهود الرباعية، عرضها ترامب للخطر.
ومع تزايد تمسك الداعمين الإقليميين للسودان بمواقفهم، باتت الحرب تشكل تهديدا مباشرا على منطقة القرن الأفريقي بأكملها. ولنتأمل الوضع المتفجر في إثيوبيا وإريتريا، حيث يدعم نفس الداعمين الإقليميين لحرب السودان أطرافا مختلفة. وتشعر مصر بقلق بالغ إزاء بناء إثيوبيا سدا على النيل، وتدعم إريتريا، التي تعتبر بالتالي متحالفة مع القوات المسلحة السودانية.
وفي غضون ذلك، نجحت إثيوبيا حتى الآن في النأي بنفسها عن التدخل المباشر في حرب السودان، لكن ثمة عدة بؤر توتر محتملة. إحداها نزاعها غير المحسوم مع السودان حول مثلث الفشقة، وهي منطقة تقع على الحدود الإثيوبية - السودانية وتطالب بها الدولتان. وهناك سبب مثير للقلق الإثيوبي وهو من قتال فرقة من قوات تيغراي إلى جانب القوات المسلحة السودانية.
وكان هؤلاء المقاتلون الأكفاء في الأصل من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ويخدمون على الحدود بين السودان وجنوب السودان، لكنهم رفضوا العودة إلى ديارهم خلال الحرب بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، ولعبوا منذ ذلك الحين دورا حاسما في الدفاع عن شرق السودان ضد قوات الدعم السريع. ولا يزالون منتشرين بالقرب من خط المواجهة. في حال اندلاع حرب بين إثيوبيا وإريتريا، يبقى مصير هذه القوات غامضا. لكن إذا قررت أبو ظبي تكثيف جهودها واستخدام نفوذها على رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لمساعدة قوات الدعم السريع بشكل مباشر، ربما بالضغط على الزعيم الإثيوبي لفتح قاعدة لقوات الدعم السريع داخل إثيوبيا، فقد يؤدي ذلك إلى مواجهة.
كما ويعاني جنوب السودان من أزمة سياسية خاصة به، وقد حاول الموازنة بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، ولكنه حتى الآن يسير على حافة الهاوية. ودعا البرهان جيش جنوب السودان إلى شمال الحدود للمساعدة في تأمين حقل هجليج، أكبر حقول النفط في السودان، وعندما اضطرت القوات المسلحة السودانية إلى الانسحاب في أوائل كانون الأول/ديسمبر جراء هجمات قوات الدعم السريع، قرر الجنوب سودانيون التعاون مع قوات الدعم السريع الوافدة. وتتفهم مصر وحلفاؤها مأزق رئيس جنوب السودان سلفا كير، ولكن إذا ما انحاز إلى قوات الدعم السريع، فقد ينتقلون لدعم أي من الجماعات المتمردة المحتملة العديدة في البلاد.
في غضون ذلك، تعاني القاهرة من ضغوط متزايدة نتيجة الأزمات في غزة وليبيا، وتواجه اقتصادا راكدا بشكل متزايد؛ ومن شأن أي تداعيات مزعزعة للاستقرار من السودان أن تزيد من مشاكلها. كما تحاول مصر الموازنة بين اعتمادها على الإمارات العربية المتحدة في مجال الاستثمار، ودعمها طويل الأمد للقوات المسلحة السودانية، وموقفها العدائي تجاه إثيوبيا، لا سيما فيما يتعلق بسدها على النيل.
ثم هناك ساحل السودان على البحر الأحمر، الذي يكتسب أهمية استراتيجية متزايدة. فالبحر الأحمر شريان حيوي للملاحة العالمية، وبؤرة جيوسياسية متنامية.
قبل عشرين عاما، كانت فرنسا والولايات المتحدة هما القوتان الأجنبيتان الوحيدتان اللتان لهما وجود عسكري في البحر الأحمر وخليج عدن، حيث تمتلكان قواعد متجاورة في جيبوتي. وكان الأمن البحري يعتبر أمرا مفروغا منه. منذ ذلك الحين، تصاعد التنافس على القواعد العسكرية: فقد افتتحت الصين أول قاعدة بحرية لها خارج البلاد في جيبوتي، عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وتمتلك الإمارات العربية المتحدة سلسلة من الموانئ على جزيرة سقطرى ذات الموقع الاستراتيجي؛ ووقعت تركيا عقد إيجار لمدة 99 عاما لتطوير ميناء سواكن السوداني، ربما بهدف بناء قاعدة بحرية.
أما بالنسبة لإسرائيل، فيعد البحر الأحمر أولوية أمنية قومية: ففي أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، هربت إيران أسلحة إلى حماس عبر الأراضي السودانية، وقبل عامين، عندما بدأ الحوثيون بمهاجمة السفن الدولية، أعلنوا تضامنهم مع الفلسطينيين. وقد ازدادت حدة التوتر في منطقة القرن الأفريقي الأوسع نطاقا في نهاية كانون الأول/ديسمبر، عندما اعترفت إسرائيل باستقلال أرض الصومال عن الصومال. وهذا يفاقم التنافس بين الإمارات من جهة - التي توسطت في اتفاق أرض الصومال الإسرائيلي وتدعمه - ومصر والسعودية وتركيا من جهة أخرى، التي تعارضه. لا يرغب أي من هؤلاء اللاعبين الإقليميين في رؤية منافس، ناهيك عن عدو محتمل، يسيطر على عقارات يمكن أن تخنق هذا الممر المائي الاستراتيجي.
ومع بلوغ الحرب يومها الألف في التاسع من كانون الثاني/ يناير، لقي عشرات الآلاف من السودانيين حتفهم جراء العنف، ولقي عدد أكبر منهم حتفهم جوعا ومرضا. يحتاج نصف سكان البلاد البالغ عددهم 46 مليون نسمة إلى مساعدات غذائية عاجلة، وفقد ربعهم منازلهم. دمرت مدن بأكملها، وتراجع الاقتصاد الوطني جيلا كاملا. كل هذا الدمار هو أضرار جانبية ناجمة عن التنافس بين قوى الشرق الأوسط.
في هذه اللعبة على النفوذ، تغيب أفريقيا بشكل ملحوظ: فمصر وإثيوبيا لا تفعلان سوى المناورة على الهامش. السعودية والإمارات هما من يملكان زمام الأمور. في هذه المرحلة، النتيجة المرجحة لأي عملية سلام هي أن ينتهي المطاف بالسودان - سواء كان موحدا أو منقسما - تابعا لدول الخليج. وعلى نطاق أوسع، لا تقتصر الحرب على الولايات المتحدة، المتحالفة مع دولتي الخليج، بل تشمل أيضا روسيا، التي سعت منذ زمن طويل إلى ترسيخ وجودها في شمال شرق أفريقيا.
عند اندلاع الحرب، كانت شركة فاغنر شبه العسكرية الروسية متحالفة مع قوات الدعم السريع، لكن روسيا انقلبت على الحلفاء منذ ذلك الحين. لديها استثمارات تجارية في الذهب في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية، وتسعى للحصول على ميناء على البحر الأحمر. كما استخدمت حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي لتأكيد حق الحكومة السودانية السيادي في التحكم في إمدادات المساعدات عبر الحدود، ما أدى إلى عرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى دارفور.
ومن هنا يجسد الصراع السوداني حقيقة مرة: لم تعد هناك حروب محلية في القرن الأفريقي. قد تكون شرارة الصراع تنافسا محليا، وقد تشتعل بشدة على وقود المظالم والعداوات المحلية. لكن الحرب الأهلية لم تعد محصورة داخل الحدود الوطنية، ولا يمكن التوصل إلى تسوية بين الأطراف الوطنية. ربما امتدت الحروب الأهلية السابقة في السودان - حربا الشمال والجنوب، والحرب السابقة في دارفور - عبر الحدود واجتذبت دولا مجاورة، لكن طريق الحل كان دائما داخليا. ولم يعد الأمر كذلك، ومن هنا يجب التفاوض على سلام السودان كجزء من حزمة إقليمية أو حتى عالمية.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة دولية صحافة إسرائيلية صحافة دولية الحرب السودان الجيش الدعم السريع السودان الجيش الحرب الدعم السريع ازمة اقليمية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الإمارات العربیة المتحدة القوات المسلحة السودانیة قوات الدعم السریع الحرب فی السودان القرن الأفریقی البحر الأحمر حرب السودان محمد بن
إقرأ أيضاً:
بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
بنك الذهب أم بنك الحرب؟
قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
عمر سيد أحمد
مقدمةتداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.
هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.
أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني
المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.
القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.
2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر
البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.
هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.
بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.
3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين
المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.
4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل
السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.
في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.
5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة
حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:
من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.
ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًاأي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.
الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.
ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعيةالمقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.
1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني
لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:
إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.
2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي
يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة
| الجهة | الدور | الضمانة |
| مجلس إدارة مستقل | إدارة العمليات اليومية | تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر |
| البرلمان (لجنة مالية دائمة) | رقابة تشريعية ومساءلة سنوية | جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة |
| ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد | تدقيق مالي وتقني | تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا |
| هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) | تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع | تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة) |
| ممثلو المعدنين وحكومات الولايات | مقاعد تصويتية في الشركات الولائية | حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية |
نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.
4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان
لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:
تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية
تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًاقد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.
الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.
خاتمةمشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.
هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.
* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل
Email:[email protected]
يوليو 2026
الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح