صدى البلد:
2026-06-03@01:14:22 GMT

د. هبة عيد تكتب: هل يبكي القلب؟

تاريخ النشر: 10th, January 2026 GMT

لم يعد القلب في الخطاب الطبي الحديث مجرد عضو يؤدي وظيفة بيولوجية منعزلة، بل أصبح يُنظر إليه بوصفه جزءًا حساسًا من منظومة متكاملة، تتداخل فيها الجوانب النفسية والجسدية والاجتماعية.  حيث تشير أحاديث الأطباء والمتخصصين في الطب النفسي الجسدي إلى أن المشاعر، وعلى رأسها الحزن الممتد، تترك أثرًا حقيقيًا على صحة القلب، لا على نحو درامي مفاجئ دائمًا، بل غالبًا عبر تراكم صامت وطويل.

الحزن في جوهره تجربة إنسانية طبيعية، بل ضرورية أحيانًا لإعادة التوازن الداخلي. غير أن المشكلة لا تكمن في الشعور بالحزن ذاته، وإنما في طريقة التعامل معه. فحين يُمنع الحزن من التعبير، أو يُطالَب الإنسان بتجاوزه قبل أن يفهمه، يتحول من تجربة نفسية عابرة إلى عبء داخلي ثقيل. فالمشاعر المؤجلة لا تختفي، بل تبحث عن مسار آخر، وغالبًا ما يكون الجسد هو هذا المسار، حيث يصبح القلب أحد أكثر الأعضاء تأثرًا بها.

وتحدث الأطباء عن العلاقة الوثيقة بين الجهاز العصبي والقلب، حيث يؤدي التوتر النفسي والحزن المكبوت إلى اضطراب في توازن الهرمونات المسؤولة عن الاستجابة للضغط، ما ينعكس على ضربات القلب وضغط الدم وكفاءة العضلة القلبية. هذه التغيرات قد تبدأ خفية، لكنها مع الاستمرار تُضعف قدرة القلب على التكيّف، وتجعله أكثر عرضة للإجهاد.

ومن المنظور النفسي الاجتماعي، تتعمق المشكلة داخل ثقافة تمجّد الصلابة وتخشى الاعتراف بالهشاشة. يُربّى الفرد على الصبر الصامت، وعلى إخفاء الألم حتى لا يُفسَّر ضعفًا. ومع الوقت، يتحول هذا الصمت إلى نمط حياة، يُرهق النفس ويُثقِل القلب. فالحزن الذي لا يجد لغة يُقال بها، يتحول إلى توتر دائم، والحزن الذي لا يجد احتواءً اجتماعيًا، يتحول إلى وحدة داخلية قاسية.
لكن حديث الأطباء لا يقف عند التشخيص، بل يمتد إلى الوقاية. وهنا يبرز سؤال محوري وهو كيف نحمي القلب دون أن ننكر الحزن؟.

والحل الأول للحماية هو الاعتراف الواعي بالمشاعر. فالاعتراف لا يعني الاستسلام، بل الفهم. حين يُسمّى الحزن باسمه، يصبح أقل غموضًا وأقل وطأة. الفهم هو الخطوة الأولى لمنع المشاعر من التحول إلى عبء جسدي، وهو ما يُعيد التوازن بين النفس والقلب.

أما الحل  الثاني يتمثل في التعبير العاطفي الواعي، سواء بالكلام أو الكتابة أو البكاء، ويُعد وسيلة لتنظيم المشاعر لا تفريغها بشكل عشوائي. وتشير الخبرات الطبية والنفسية إلى أن الأشخاص القادرين على التعبير عن مشاعرهم بوعي، يتمتعون بقدرة أكبر على التكيف النفسي، وبمؤشرات أفضل لصحة القلب على المدى الطويل.

كذلك تلعب العناية بنمط الحياة دورًا أساسيًا في حماية القلب من آثار الحزن. فالنوم المنتظم، والنشاط البدني المعتدل، والتنفس العميق، والممارسات الروحية أو التأملية، كلها أدوات بسيطة لكنها فعالة في تهدئة الجهاز العصبي، وتقليل الأثر البيولوجي للتوتر المزمن.

وفي نفس الوقت لا يقل الدعم الاجتماعي أهمية عن ذلك. فوجود شخص يُصغي دون أحكام، أو بيئة تسمح بالبوح دون إدانة، يُعد من أقوى العوامل الواقية لصحة القلب. فالقلب لا يتأذى من الحزن بقدر ما يتأذى من العزلة أثناء الحزن، ومن الشعور بأن الألم غير مرئي أو غير مسموع.
ليصبح القلب كأنه شاهد صامت على الطريقة التي نعيش بها مشاعرنا، لا على المشاعر ذاتها. فهو لا ينهك من الحزن العابر، بل من الحزن الذي لا يُفهَم، ولا يُقال، ولا يُحتوى. كأن القلب لا يطلب منا حياة بلا ألم، بل حياة نعترف فيها بألمنا قبل أن يترسّب في النبض.

ولعل الحكمة التي يلتقي عندها الطب والفلسفة معًا، أن القوة الحقيقية لا تكمن في القسوة على النفس، بل في الرحمة بها. فالعناية بالقلب ليست شأنًا طبيًا فحسب، بل موقفًا إنسانيًا من الحياة، يبدأ من الإصغاء الصادق لما نشعر به، ومن الإيمان بأن المشاعر ليست عبئًا يجب التخلص منه، بل لغة داخلية إن أُحسن فهمها، أصبحت سبيلًا للتوازن لا سببًا للانكسار.

وهكذا، لا يبكي القلب لأنه ضعيف، بل لأنه إنساني… والإنسان لا يشفى بالإنكار، بل بالوعي، وبالرحمة التي يمنحها لقلبه أولًا.

طباعة شارك القلب الخطاب الطبي الحديث منظومة متكاملة الجوانب النفسية والجسدية والاجتماعية الأطباء والمتخصصين

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: القلب منظومة متكاملة

إقرأ أيضاً:

نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة

في قلب حواري المطرية، حيث تتشابك الأزقة الضيقة وتثقل الوجوه بملامح الاحتياج، تظهر أحيانًا شخصيات تفرض حضورها بقوة داخل مجتمعات مهمشة تبحث عن طوق نجاة. ومن بين هذه النماذج، برز اسم "أم صلاح" كحالة استثنائية، جمعت بين العطاء الواسع، والغموض العميق.

في ظاهرها، تبدو سيدة بسيطة، بملابس عادية، تقيم في منطقة الخارجة بالمطرية، لا توحي بأي مظهر من مظاهر النفوذ أو الثراء. لكن ما يحدث خارج هذا الإطار البسيط، يطرح تساؤلات أكبر من الصورة الظاهرة.

ففي منطقة أخرى، وتحديدًا داخل حارة ضيقة بكورنيش مسطرد، وعلى مسافة بعيدة نسبيًا من محل سكنها، استأجرت "أم صلاح" شقة تحولت مع الوقت إلى مقر دائم لنشاط واسع النطاق. هذه الشقة، التي تقع أمام سور تابع لمعسكر قوات مسلحة، وعلى مقربة من إحدى بواباته، لم تعد مجرد وحدة سكنية، بل أصبحت مركزًا لإدارة شبكة توزيع منظمة.

داخل هذا المكان، تتكدس المواد الغذائية بكميات كبيرة، وتتحرك منظومة توزيع تبدو أقرب إلى العمل المؤسسي، رغم غياب أي كيان رسمي أو تسجيل قانوني.

تشير التقديرات داخل الحي إلى أن ما يقرب من 200 أسرة تستفيد من هذا النشاط، حيث تحصل كل أسرة على نحو 1000 جنيه، إلى جانب السلع الغذائية. كما تقوم "أم صلاح" بدفع فواتير الكهرباء والمياه والغاز لبعض الأسر، وهو ما يعكس حجم إنفاق شهري ضخم، يتجاوز بكثير قدرات أي عمل فردي بسيط.

لكن التحول الأهم لم يكن في حجم العطاء… بل في طبيعته.

فمع مرور الوقت، لم يعد الدعم مقتصرًا على الأكثر احتياجًا، بل امتد في بعض الحالات إلى أشخاص لا تنطبق عليهم معايير الفقر، وهو ما يفتح باب التساؤل: هل الهدف هو الإغاثة فقط… أم بناء قاعدة نفوذ أوسع؟

ومع اقتراب المواسم الكبرى، وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية و البرلمانية ، بدأت ملامح هذا النفوذ تظهر بشكل أكثر وضوحًا. لم يعد العطاء منفصلًا عن التوجيه، بل أصبح – وفق ما يتردد – مرتبطًا بإشارات غير مباشرة، وأحيانًا واضحة، لتوجيه الناس نحو مواقف انتخابية معينة.

وهنا يتحول الفقر من حالة إنسانية… إلى أداة تأثير.

ولتعزيز هذا الدور، لم يقتصر النشاط على الدعم المادي فقط، بل امتد إلى المجال الديني، من خلال تنظيم حلقات لتحفيظ القرآن داخل نفس الشقة، وجذب الأطفال والشباب بشكل مستمر. كما تم استقطاب بعض الأشخاص من خارج المنطقة، للإقامة داخل المقر بحجة التحفيظ، ما يجعل المكان نقطة تجمع دائمة، ليس فقط لتلقي المساعدات، بل لتلقي التوجيه أيضًا.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.

فقد بدأت "أم صلاح" في جمع نسخ من بطاقات الرقم القومي، وشهادات الميلاد، ووثائق الزواج والطلاق، وشهادات الوفاة، بالإضافة إلى فواتير الخدمات الخاصة بالأسر التي تتلقى الدعم. هذا الكم من البيانات الشخصية، الذي يتم جمعه خارج أي إطار رسمي أو رقابي، يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة استخدامه، والهدف الحقيقي من تجميعه، خاصة و أن ظهور ام صلاح كان قبيل الانتخابات الرئاسية مباشرة .

ورغم كل هذا النشاط، لا توجد أي جهة معلنة تقف خلف "أم صلاح". لا جمعية مسجلة، ولا كيان خيري معروف، ولا مصدر تمويل واضح. كل ما هو موجود، هو شبكة توزيع واسعة، وتأثير متزايد، وغموض يحيط بكل التفاصيل.

ومع تكرار المشهد، تحولت "أم صلاح" في نظر البعض إلى ما يشبه "الشخصية المقدسة"، التي لا يجوز انتقادها أو التشكيك فيها، وهو ما يعكس مدى تغلغل هذا النموذج داخل المجتمع.

القضية هنا لا تتعلق بشخص بعينه، بل بنمط يمكن أن يتكرر في أكثر من مكان، خاصة في المجتمعات المهمشة، حيث يصبح الاحتياج مدخلًا سهلًا للتأثير، في ظل غياب البدائل والرقابة.

إن أخطر ما في هذا النموذج، ليس في حجم ما يُقدم من مساعدات، بل في غياب الشفافية، وتحول العطاء إلى أداة نفوذ ناعم، يصعب ملاحظته، لكنه شديد التأثير.

وفي النهاية، يبقى السؤال قائمًا:
هل نحن أمام عمل خيري خالص؟
أم أمام منظومة غير معلنة تستخدم العطاء كوسيلة للسيطرة والتوجيه؟
الإجابة قد تكون معقدة…
لكن تجاهل السؤال، هو الخطر الحقيقي.

من الناحية الاجتماعية، تكشف هذه النماذج عن طبيعة العلاقات داخل المجتمعات الهشة، حيث يتحول مقدم المساعدة إلى مركز ثقل اجتماعي، يعاد حوله تشكيل شبكات من الولاء والاعتماد. ومع الوقت، قد تتراجع مؤسسات الدولة أو تغيب في الوعي الجمعي لصالح هذا النوع من "الفاعل المحلي"، مما يعيد إنتاج علاقات غير متكافئة داخل المجتمع، تقوم على الحاجة بدل الحقوق، وعلى الامتنان بدل المواطنة.


أما من الناحية السياسية، فإن استمرار هذا النوع من الأنشطة خارج الأطر الرسمية يفتح الباب أمام توظيف غير مباشر للنفوذ الاجتماعي في التأثير على السلوك العام، خصوصًا في لحظات مثل الانتخابات أو الأزمات. وهنا يصبح العطاء أداة ناعمة لتشكيل الاتجاهات، دون الحاجة إلى خطاب سياسي مباشر، وهو ما يجعل رصده أو قياس تأثيره أكثر صعوبة، رغم فعاليته العالية على أرض الواقع.

طباعة شارك المطرية العطاء الثراء

مقالات مشابهة

  • البحيرة تودع أحد أبنائها المخلصين.. استشهاد معاون شرطة في حريق جراج الإسكندرية
  • برج الجوزاء.. حظك اليوم الأربعاء 3 يونيو 2026: فرض الوضوح بسرعة
  • كيف يدمّر الضغط النفسي صحة البشرة دون أن تلاحظ؟
  • هند عصام تكتب : الملك سوبك إم ساف الثاني
  • نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • استيقظت ولم أجد أحدا بجواري.. صبري عبد المنعم يبكي بسبب أوضاع الفنانين
  • «أجيال ورا أجيال هنعيش على حلمنا»
  • عروسة الجنة.. وفاة وداد بأزمة صحية يوم كتب كتابها
  • العالم الرقمي وتأثيره النفسي.. تحذيرات متصاعدة من الاستخدام المفرط