صراحة نيوز-  د. عبدالله سرور الزعبي

لم تكن غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم بمساحة 2.16 مليون كيلومتر مربع، ويقطنها 58 ألف نسمة، مجرد هامش على الخرائط. عبر العقود، شكّلت نقطة اختبار لتوازنات القوة الدولية. ومع ذوبان الجليد تحوّلت إلى عقدة جيوسياسية تجمع بين ثلاثة عناصر حاسمة، الموقع بين القطب الشمالي والمحيط الأطلسي، والثروات الطبيعية الهائلة غير المستغلة، والممرات البحرية التي تعيد رسم خريطة التجارة العالمية.

الصراع اليوم على الجزيرة، ليس وليد عهد الرئيس، بل بدأ الاهتمام الأميركي بغرينلاند منذ عام 1867، وهو العام الذي اشترت فيه أميركا ألاسكا من روسيا، وطُرحت فكرة شراء غرينلاند من الدنمارك، وتكرّر العرض عام 1946، مقابل 100 مليون دولار، إدراكًا لأهميتها في مواجهة توسع الاتحاد السوفييتي آنذاك.
عام 2019، تكرر العرض من الرئيس ترامب للحصول على غرينلاند. إلا أن تصريحاته الأخيرة والصادمة، بانه سيحصل عليها بأي طريقة، وهو تعبير واضح لمنطق إستراتيجي أميركي عميق. وبذلك تكون غرينلاند قد انتقلت من مفهوم الشراء الى مفهوم الاحتواء الجيوإستراتيجي.
أميركا ترى في غرينلاند خط دفاع متقدما، ونقطة ارتكاز للسيطرة على الممرات القطبية، ووسيلة مباشرة لمراقبة روسيا، ومنع الصين من التمدد شمالًا، وجزءا من حسابات الردع النووي العالمي.
الدنمارك رفضت الفكرة، مؤكدة سيادة أراضيها، فيما يرفض الاتحاد الأوروبي تكريس الهيمنة بالقوة، معتبرًا غرينلاند جزءًا من الأمن الأوروبي الشمالي، والقبول بالسيطرة الأميركية سيقوّض مفهوم السيادة الوطنية.
فهل تنجح الدنمارك دبلوماسياً، وبدعم أوروبي في مواجهة منطق الهيمنة الأميركية؟
غرينلاند تحوي ثروات هائلة، 25 من أصل 34 مادة خام حرجة، بما فيها عناصر الأرض النادرة. إضافة إلى احتياطات نفطية وغازية تصل إلى 13 % و30 % من الاحتياطيات العالمية، ما يفسر التنافس الدولي.
على الرغم أن القيود البيئية والبنية التحتية، تجعل مسألة الاستغلال طويلة الأمد. إلا أن الأمر قد يتغير في ظل وجود سياسة الحاجة، وهي أهم من القيود البيئية.
مع ذوبان الجليد، أصبح الممر البحري الشمالي، الممتد بمحاذاة الساحل الروسي، يقلص المسافة بين شمال أوروبا وشرق آسيا بنسبة تصل إلى 40 % مقارنة بطريق قناة السويس. لقد عبر من خلاله 38 مليون طن بضائع عام 2024 (عشرة أضعاف ما كان عليه قبل عقد واحد). هذا يعكس الأهمية الإستراتيجية لخط جديد سيتحكم بسلاسل الإمداد العالمية، ويقلّل من الاعتماد على نقاط الاختناق التقليدية (قناة السويس وباب المندب).
غرينلاند، تشكّل نقطة ارتكاز أساسية بين القطب الشمالي والمحيط الأطلسي، ما يجعلها عنصرًا مهماً في معادلة التحكم بالممرات، وذوبان الجليد يفتح أبواب جديدة للعالم هناك.
بالنسبة لروسيا، القطب الشمالي ليس ساحة نفوذ فقط، بل امتداد مباشر لأمنها القومي. موسكو تمتلك أضخم أسطول كاسحات جليد في العالم (أكثر من 36 كاسحة)، وغواصات نووية قادرة على العمل تحت الجليد، وقواعد جوية وبحرية متقدمة على طول ساحلها القطبي، ما يمنحها قدرة فريدة على العمل العسكري والتجاري في البيئات المتجمدة. وترى أي استحواذ أميركا لغرينلاند، تهديدًا مباشرًا، ومحاولة تطويق إستراتيجي لها من الشمال.
روسيا لا تقبل بإغلاق الممرات الشمالية، لكنها تدرك أن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع أميركا في القطب الشمالي ستكون عالية المخاطر، تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية.
رغم التفوق العسكري الأميركي عالميًا، الا ان القدرات القطبية لها، محدودة مقارنة بروسيا، ما يجعلها أقل قدرة على المنافسة المباشرة في البنية القطبية، وهذا النقص لا يعوض، الا بالسيطرة على غرينلاند.
الصين ليست دولة قطبية، لكنها أعلنت نفسها قريبة منه، وتنظر إلى غرينلاند بوصفها، مصدرًا مهماً للمعادن النادرة، وهي المتقدمة في تعدينيها. الصين تفضّل سياسة الدخول الهادئ، والانتقال إلى الصراع البارد. لكنها لن تقبل أن تتحوّل غرينلاند إلى منطقة نفوذ أميركي، تقصيها من معادلة الموارد وسلاسل التوريد.
في حال تصاعد الصراع، من المرجّح أن تنسّق بكين ضمنيًا مع موسكو لموازنة النفوذ الأميركي، دون تحالف عسكري صريح.
غرينلاند تضع حلف الناتو أمام تناقض جوهري، كيف لعضو في الحلف يرغب بالسيطرة على أرض عضو آخر؟ وما هو مصير المادة 5 من نظام الحلف، في حال أصرت أميركا على ذلك، وكيف سيكون الرد الأوروبي لدعم الدنمارك في الدفاع عن غرينلاند، وهل تهديد الرئيس الفرنسي بالمواجهة سينفذ؟ وهل تستطيع الدنمارك والاتحاد الأوروبي مواجهة أميركا (عندها، ما هو مصير الحلف؟ التفكك أقلها)، في ظل وجود تهديدات روسية على بوابتها الشرقية؟
الواضح أن أي تصعيد غير متفق عليه، سينهي وجود الحلف، ويعيد طرح أسئلة أوروبية قديمة حول قدرة أوروبا على الاستقلال الإستراتيجي عن واشنطن؟
قد يبدو الصراع على غرينلاند، للوهلة الأولى، بعيدًا عن الشرق الأوسط، لكن الجغرافيا السياسية لا تعترف بالمسافات، بل بسلاسل التأثير. فما يجري في القطب الشمالي اليوم هو إعادة توزيع هادئة لأوزان القوة، وستنعكس مباشرة على الشرق الأوسط (الكرة الأرضية كائن حي، كجسم الانسان، أي ألم في الأطراف له ارتدادات في القلب).
أول سلاسل التأثير، يتمثل في الطاقة. فكلما ازدادت قابلية استغلال موارد القطب الشمالي من النفط والغاز (بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي، التي فتحت أبوابا، لا يعلم أحد كيف ستغلق، والإعلان الأميركي الاستحواذ على نفط فنزويلا)، ستتقلّص، ولو تدريجيًا المركزية الجيوسياسية للنفط الشرق أوسطي. هذا التحول، سيضغط على دول الشرق الأوسط لإعادة تعريف دورها، من مجرد مورد للطاقة إلى لاعب إستراتيجي أوسع في سلاسل القيمة العالمية.
الثاني، يتمثل في الممرات البحرية. فتح الممرات القطبية، يعني تقليل الاعتماد النسبي على قناة السويس وباب المندب. هذه الممرات لن تلغي أهمية الشرق الأوسط، لكنها تضعف قدرته على استخدام الجغرافيا كورقة ضغط في الصراعات الدولية.
الثالث، يتعلق بإعادة تشكيل التحالفات الكبرى. إذا دخلت الولايات المتحدة وروسيا في تفاهمات ضمنية حول القطب الشمالي، فقد نشهد مقايضات في أوكرانيا، والشرق الأوسط، وأميركا اللاتينية، وشرق آسيا.
تاريخ العلاقات الدولية يعلّمنا أن التفاهم في الأطراف غالبًا ما يُقايَض بتنازلات في المراكز الساخنة، والشرق الأوسط أحد أهم هذه المراكز.
هنا يبرز موقع الأردن بوصفه دولة تقرأ التحولات لا كعناوين للأخبار. الأردن، لا يملك نفطًا ولا جليدًا، إلا أنه يمتلك ما هو أندر، وهو قدرة قيادته (منذ أكثر من قرن) على فهم اتجاه الريح الدولية قبل أن تعصف، وهي التي أدركت مبكرًا أن الاستقرار لم يعد قيمة محلية فقط، بل أصلًا إستراتيجيًا عالميًا. في ذات الوقت حافظ على سياسة خارجية متوازنة، ولا يقايض على الثوابت، مقابل مكاسب مؤقتة. هذا النهج جعل الأردن حاضرًا في حسابات بعض القوى الكبرى، لا كدولة ضغط، بل كدولة اتزان.
في المحصلة، يقف العالم امام سيناريوهات محتملة، الأول، تراجع الإدارة الأميركية عن الاستعجال في تنفيذ خطة الاستحواذ على غرينلاند، وإبقاء الوضع القائم مع اتفاق على توسيع العسكرة الأميركية الصامتة في الجزيرة، والحصول على امتيازات اقتصادية كبيرة، أو تفاهم أميركي– روسي (قد تكون الصين طرفاً فيه) لتقسيم المصالح (أوكرانيا مقابل فنزويلا وغرينلاند، مع إعطاء روسيا امتيازات أوسع في الشمال، وقد تصل الى تايوان، مع استبعاد ذلك بسبب الحماية التي تتمتع بها تايوان والفضل يعود لشركة tsmc، ذات الأهمية العظمى لأميركا وغيرها)، مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح أوروبية لكن بشكل محدود، أو تصعيدًا باردًا طويل الأمد. أما المواجهة العسكرية المباشرة فتبقى الأقل احتمالًا، لكنها لم تعد مستحيلة، وفي حال حدثت فانه من الصعب التنبؤ من يقاتل من، هل ستكون حرب أميركية دنماركية؟، أم حرب أميركية أوروبية (حرب الحلف الواحد)؟ أم صدام عالمي أميركي- روسي- أوروبي- صيني مفتوح؟
غرينلاند ليست مجرد جزيرة، يذوب جليدها ببطء، بل مرآة للنظام الدولي القادم. من يسيطر على الموارد والممرات ولديه القدرة التكنولوجية والتشغيلية، يملك مفاتيح قوة القرن.
التاريخ يثبت أن أي حدث على أطراف الكوكب، لم يعد بعيداً عن قلب الصراع، لا بل جزء من الصراع الدولي الشامل.
من أزمة القطب الشمالي والكاريبي إلى أزمات الشرق الأوسط، والتوتر في تايوان (الصراع المؤجل)، تتقاطع مصالح الدول الكبرى، وتختبر إستراتيجيات الدول الصغيرة.
مع كل ذلك، النجاة لن تكون بالقوة الصلبة وحدها، بل بالحكمة وتمتين الداخل، والتحالفات، والقيادة الرشيدة التي تمتلك عقلا باردا في عالم ترتفع فيه حرارة الصراعات، كما ترتفع الحرارة في القطب وتذيب الجليد.
اليوم، والعالم يعاد فيه توزيع النفوذ بين الشمال المتجمد والجنوب المشتعل، قد يصبح الأردن بموقعه وحنكة قيادته حلقة الوصل العقلانية، وقد يستطيع بذلك حماية مصالحه الكبرى.

*مركز عبر المتوسط للدراسات الإستراتيجية

المصدر

المصدر: صراحة نيوز

كلمات دلالية: اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي منوعات الشباب والرياضة تعليم و جامعات في الصميم ثقافة وفنون نواب واعيان علوم و تكنولوجيا اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي نواب واعيان تعليم و جامعات منوعات الشباب والرياضة توظيف وفرص عمل ثقافة وفنون علوم و تكنولوجيا زين الأردن أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام القطب الشمالی الشرق الأوسط على غرینلاند

إقرأ أيضاً:

الجيش الأمريكي ينفذ جسرًا جويًا من أوروبا إلى الشرق الأوسط لتعزيز الانتشار العسكري

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

بدأت القوات الجوية الأمريكية تنفيذ عمليات نقل جوي من قواعد عسكرية في أوروبا باتجاه الشرق الأوسط.

وتراجعت حركة السفن العابرة لمضيق هرمز مع تصاعد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وسط مخاوف متزايدة من تأثير المواجهة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم والمسؤول عن مرور جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية.

وأظهرت بيانات حركة الشحن انخفاض عدد السفن التي عبرت المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع، حيث سجلت عبور أربع سفن فقط مقارنة بثماني سفن في اليوم السابق، في وقت واصلت فيه بعض ناقلات النفط والمنتجات البترولية التحرك عبر المنطقة لتحميل الشحنات.

ويأتي هذا التراجع بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية المتبادلة بين واشنطن وطهران، بعدما أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ ضربات جديدة ضد مواقع إيرانية، بينما تحدثت دول خليجية عن تعرضها لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ.

وشهدت الأيام الماضية تصعيدًا متزايدًا حول أمن الملاحة البحرية، إذ اتخذ الطرفان إجراءات أثارت مخاوف شركات الشحن، بعدما أعلنت واشنطن فرض قيود على الموانئ الإيرانية، في حين أكدت طهران أنها ستتعامل مع السفن التي تعتبرها مخالفة لقواعد الملاحة في مضيق هرمز.

وفي تطور مرتبط بحركة السفن، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية تلقي بلاغ عن اندلاع حريق على متن سفينة قرب السواحل العُمانية، مشيرة إلى أن أسباب الحادث لا تزال قيد التحقيق.

وعلى الجانب العسكري، تواصلت الضربات الأمريكية ضد أهداف إيرانية، حيث قالت القيادة المركزية الأمريكية إن عملياتها تستهدف تقليص القدرات التي تستخدمها طهران، وفق الرواية الأميركية، لتهديد الملاحة والقوات الأمريكية في المنطقة.

في المقابل، تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن تعرض مواقع عسكرية ومنشآت صاروخية في عدد من المناطق للقصف، من بينها مواقع في يزد وفارس وخوزستان وبوشهر، دون إعلان رسمي إيراني عن حجم الخسائر أو الأضرار.

كما أعلنت القوات الأمريكية تنفيذ عمليات ضد مواقع مرتبطة بالمراقبة البحرية الإيرانية، بينها هدف في ميناء شهيد كلانتري بمدينة تشابهار، معتبرة أن هذه المواقع تستخدم لمتابعة حركة السفن في الممرات البحرية القريبة.

وتأتي هذه التطورات وسط تصعيد سياسي وعسكري متواصل، حيث أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إيران ستواجه هزيمة، مشيرًا إلى أن واشنطن تدرس خطواتها المقبلة، بينما أكدت الإدارة الأمريكية أنها لا تسعى إلى حرب مفتوحة، لكنها تريد الحفاظ على حرية الملاحة ومنع ما تعتبره تهديدات للأمن الإقليمي.

وفي ظل استمرار التهديدات المتبادلة، تتزايد المخاوف الدولية من أن يؤدي التصعيد بين الجانبين إلى تعطيل حركة التجارة والطاقة، واتساع نطاق المواجهة لتشمل مناطق ومصالح حيوية في الشرق الأوسط.

مقالات مشابهة

  • غوتيريش: الصراعات في الشرق الأوسط تخرج عن السيطرة
  • الجيش الأمريكي ينفذ جسرًا جويًا من أوروبا إلى الشرق الأوسط لتعزيز الانتشار العسكري
  • خام برنت يتجاوز 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ مايو وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط
  • الصين تعرب عن قلقها البالغ إزاء تصاعد التوتر في الشرق الأوسط والخليج
  • هلسنكي الشرق الأوسط.. هل تنجح في تهدئة التوتر بالمنطقة؟
  • الأمين العام للأمم المتحدة: الشرق الأوسط ينجرف بعمق نحو صراع أكثر اتساعًا
  • اعتذار إيراني لجيران المنطقة.. وتعليق مفاجئ من ترامب يشعل الجدل
  • الأمم المتحدة: الشرق الأوسط على شفير وضع لا يمكن تصوره
  • غوتيريش: الوضع في الشرق الأوسط خارج السيطرة
  • جوتيريش يحذر: الوضع في الشرق الأوسط "يخرج عن السيطرة"