هل حقاً علاقة تركيا وأميركا دافئة؟
تاريخ النشر: 11th, January 2026 GMT
تأسست العلاقات التركية الأميركية الحديثة أواخر أربعينيات القرن الماضي، ورغم أن الدولتين ارتبطتا بتحالف عسكري وثيق عبر حلف شمال الأطلسي، فإن مستوى العلاقات البينية لم يكن على مستوى ذلك التحالف فتأرجحت صعودا وهبوطا.
في السنوات الأخيرة بلغت الخلافات بين الدولتين أقصاها، حيث إن تركيا اتهمت الولايات المتحدة بالتورط في محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو/تموز 2016، ثم أخذت في التصاعد في ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى، على خلفية احتجاز أنقرة القس أندرو برانسون، بسبب اتهامات بالتعاون مع منظمات إرهابية، حيث رد ترامب على ذلك بفرض رسوم جمركية على واردات تركية، فيما شهد العام 2018 انخفاضا حادا لقيمة الليرة التركية، وصل إلى نحو 40% على خلفية ذلك النزاع.
هذا الاضطراب في العلاقات الثنائية، كان لافتا للأنظار، خاصة أن من يتعمق فيها يدرك حاجة الطرفين لبعضهما البعض، خاصة بعد الحرب الروسية- الأوكرانية، وانتعاش الدور الإستراتيجي المهم لتركيا بالنسبة لحلف الناتو، والذي تراجع عقب انتهاء الحرب الباردة، وتفتت الاتحاد السوفياتي.
والملاحظ أن العلاقة بين أنقرة والإدارات الديمقراطية غالبا ما تتسم بالاضطراب بشكل عام.
فإلى جانب محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، في ولاية الرئيس باراك أوباما، يتذكر الجميع كيف تعهد خلفه، جو بايدن، قبل الانتخابات الرئاسية 2023، بإسقاط الرئيس رجب طيب أردوغان.
كما اعترف بايدن- في بادرة هي الأولى من رئيس أميركي- عام 2021 بإبادة الأرمن في عهد الدولة العثمانية 1915، ويعد هذا الملف من المواضيع ذات الحساسية العالية لدى تركيا.
لذا كان المعول عليه داخل الحكومة التركية وفي الدوائر البحثية القريبة منها أن تشكل ولاية ترامب الثانية منعطفا مهما في العلاقات الأميركية -التركية، خاصة مع خصوصية علاقة رئيسي البلدين على المستوى الشخصي.
إعلانلكن ورغم مرور أكثر من عام على تسلم ترامب مقاليد البيت الأبيض، لا تزال الملفات العالقة كما هي، إضافة إلى قضايا أخرى تمثل في مجملها حجر عثرة أمام سيولة العلاقات الثنائية، وتبقيها حتى الآن رهن التوتر.
الرؤية التركية لتطوير علاقات البلدين شرحها أردوغان في رده كتابيا على أسئلة وكالة بلومبيرغ في مطلع يناير/كانون الثاني الجاري، حيث فصّل جميع القضايا محل الخلاف بين الدولتين.
انفتاح تركيا صوب الولايات المتحدة الغرض منه امتصاص غضب ترامب تجاه أي تعاون بين أنقرة وموسكو في هذا المجال، حيث تستعد تركيا لاستقبال 1500 شحنة من الغاز الأميركي خلال السنوات الـ10 إلى الـ15 المقبلة
"إف-35" الحائرةفي عام 2017 وقرب نهاية ولاية ترامب الأولى، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على تركيا في إطار قانون مكافحة أعداء أميركا "كاتسا"؛ بسبب شراء أنقرة منظومة الدفاع الجوي "إس-400" من روسيا، عقب رفض إدارة أوباما، تزويد تركيا بمنظومة باتريوت الدفاعية.
ولم تكتفِ واشنطن بتلك العقوبات بل عادت عام 2019 في عهد إدارة بايدن، فقررت إخراج تركيا من برنامج تصنيع طائرة "إف-35" للسبب ذاته.
ورغم كثرة المطالبات وتعدد المباحثات على مدار سنوات فإن الأزمة لم تبرح محلها، ما حمل أردوغان على التذكير بها مجددا، حيث وصف إخراج بلاده من برنامج تصنيع المقاتلة "إف-35" بـ "القرار غير العادل"، مشيرا إلى أنه أبلغ نظيره الأميركي دونالد ترامب بذلك شخصيا، خلال لقائهما في البيت الأبيض في سبتمبر/أيلول 2025.
وبحسب تقارير صحفية تركية فإن أمام أنقرة ثلاثة سيناريوهات لحل الأزمة:
الأول: إعادة المنظومة مرة أخرى إلى روسيا، حيث تحدثت أنباء غير مؤكدة عن مناقشة أردوغان بوتين في هذا الصدد، خلال لقائهما في تركمانستان في ديسمبر/كانون الأول الماضي. وفيما نفى الكرملين تلك الأنباء، رفضت أنقرة التعليق عليها. السيناريو الثاني يتمثل في عدم نشرها والاحتفاظ بها في المخازن مع التعهد بعدم استعمالها. الثالث: أما السيناريو الأخير فهو إرسالها إلى دولة ثانية مثل أوكرانيا أو سوريا، علما بأن تركيا أعلنت من قبل رفضها إرسال المنظومة إلى أوكرانيا، لكنها لم تعلق حتى الآن على إمكانية نشرها في سوريا.وفي تقديري أنه من الصعوبة بمكان أن تتخلى تركيا عن المنظومة لسببين:
الأول: اقترابها من امتلاك مقاتلة "قان" محلية الصنع، وهي طائرة تنتمي إلى مقاتلات الجيل الخامس، وقيل إنها ستتفوق على "إف-35" من حيث القدرة والإمكانيات، كما نجحت أنقرة مؤخرا في شراء 24 طائرة مقاتلة "يوروفايتر تايفون" من بريطانيا وحلفائها، ما يعني أن حاجة تركيا الملحة للطائرة ستتضاءل مع مرور الأيام. الثاني: إدراك تركيا أن الحجة التي تسوقها الولايات المتحدة لرفض امتلاكها المنظومة الروسية، وهي كونها لا تتوافق مع التكنولوجيا الخاصة بالناتو، وتشكل تهديدا للحلف، غير مقنعة.فهناك ثلاث دول أعضاء في حلف الناتو، تمتلك منظومة الدفاع الروسية "إس-300″، وهي اليونان، وبلغاريا، وسلوفاكيا، دون أي اعتراض من جانب واشنطن.
فالأمر إذًا يتعدى- من وجهة نظر أنقرة- تلك الحجة إلى رغبة أميركية واضحة في ترك تركيا دون منظومة دفاع جوي في مواجهة أي هجوم قد تتعرض له، الأمر الذي تعاظم مؤخرا بدخول إسرائيل على خط التهديدات الفعلية.
تعديل مسار الطاقةترتبط تركيا بعلاقات وثيقة مع روسيا في مجال الطاقة عززتها العديد من المشاريع والاتفاقيات المهمة.
وفي سبتمبر/أيلول الماضي، عبرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا عن التعاون بقولها:
إعلان"لقد بلغ التعاون في قطاع الطاقة مستوى إستراتيجيا حقيقيا. تُعد روسيا من أهم موردي الغاز الطبيعي لتركيا. وقد أصبح بناء محطة أكويو للطاقة مشروعا رائدا في مجال التكنولوجيا المتقدمة في قطاع الطاقة".
لكن تركيا تدرك أن ترامب لن يسمح لروسيا بالتمدد في مجال الطاقة، وسيعمل على تحجيم صادراتها عبر فرض عقوبات على الدول المتعاونة معها.
لذا عمد أردوغان إلى التأكيد على أن "بلاده زادت إمداداتها من الغاز الطبيعي المسال بشكل كبير، ولا سيما من الولايات المتحدة، مؤكدا أن ذلك يعزز موقع تركيا المهم ضمن سلسلة التوريد".
وكان وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار، أكد على هامش القمة العالمية للغاز الطبيعي المسال، التي انعقدت في إسطنبول في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أن شركة البترول التركية دخلت في محادثات متقدمة مع كبار منتجي الطاقة في الولايات المتحدة، بهدف شراء حصص في مشاريع أميركية للتنقيب والإنتاج.
هذا الانفتاح صوب الولايات المتحدة الغرض منه امتصاص غضب ترامب تجاه أي تعاون بين أنقرة وموسكو في هذا المجال، حيث تستعد تركيا لاستقبال 1500 شحنة من الغاز الأميركي خلال السنوات الـ10 إلى الـ15 المقبلة.
كما تراجع اعتماد تركيا على الغاز الروسي إلى أقل من 40% بعد أن كان يتجاوز 50% قبل سنوات قليلة.
لكن ليس من المنتظر أن تتطور هذه السياسة إلى إغلاق ملف الطاقة بالكلية مع روسيا في ظل احتياج تركيا لها، حيث تتولى روسيا بناء محطة أكويو النووية لتوليد الكهرباء التي تعول عليها تركيا كثيرا لتقليل الاعتماد على الغاز في هذا الصدد.
"بنك خلق" التوتر الصامتتمثل قضية بنك "خلق"- أحد ثلاثة بنوك مملوكة للدولة في تركيا- بؤرة توتر في العلاقات التركية الأميركية.
فالقضية التي تفجرت عام 2019 تستند إلى ادعاء بأن البنك تحايل على العقوبات الاقتصادية الأميركية المفروضة على إيران، حيث يقدر حجم تحويلات الأموال التي تشكل جوهر هذه الاتهامات بنحو 20 مليار دولار، وفقا للائحة الاتهام الصادرة عن المدعي الفدرالي الأميركي.
لكن تركيا تقول إن تلك العقوبات غير ملزمة لها؛ لكونها لم تصدر عن مجلس الأمن، بل هي عقوبات أميركية، تخص الولايات المتحدة وحدها.
القضية أدت إلى أضرار بالغة بسمعة البنك وموقفه المالي، حيث يعد واحدا من الركائز الحكومية المهمة في النظام المالي العام.
لذا أعاد أردوغان التذكير بالقضية، مؤكدا على أن "بلاده ترى هذه الادعاءات غير صحيحة"، مشيرا إلى وجود محادثات مع الولايات المتحدة لضمان ألا يواجه المصرف "عقوبات غير عادلة".
القوات التركية في غزةلا يزال تمثيل تركيا في قوات حفظ السلام في قطاع غزة محل شد وجذب وعدم حسم حتى كتابة هذه الأسطر.
فالولايات المتحدة تميل إلى السماح بإدخال القوات التركية إلى القطاع، وترى أنه سيكون لها دور بارز في تحقيق أهداف خطة ترامب للسلام، فيما تصر الحكومة الإسرائيلية على الرفض خشية أن تصب تلك الخطوة في دعم حركة حماس وجناحها العسكري مجددا.
فوفق الإعلام الإسرائيلي، فإن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، استنفد محاولاته في إقناع ترامب بعدم السماح بإدخال القوات التركية إلى قطاع غزة، وصار القرار النهائي الآن في البيت الأبيض.
من هنا أعاد أردوغان تذكير واشنطن بأهمية وجود بلاده في القطاع بقوله: "بفضل الروابط التاريخية العميقة التي تجمعنا بالجانب الفلسطيني، وقنوات الأمن والدبلوماسية التي أدرناها سابقا مع إسرائيل، إلى جانب تأثيرنا الإقليمي بوصفنا عضوا في حلف الناتو، فإن تركيا تتمتع بدور محوري في مهمة كهذه".
الوساطة في أوكرانياتعول الإدارة الأميركية على تركيا للعب دور الوساطة من أجل إنهاء الحرب في أوكرانيا.
إذ يحسب لأنقرة اتباعها نهجا دبلوماسيا متوازنا منذ اندلاع الأزمة، حافظت من خلاله على العلاقة بين الطرفين، ووقفت على مسافة واحدة منهما.
إعلانهذا النهج ساعدها على جمعهما على طاولة المفاوضات، وكادت أن تنجح في إنهاء الأزمة مبكرا عام 2022 من خلال اتفاقية إسطنبول التي وقعها الطرفان لولا التدخلات الخارجية التي أفسدتها فيما بعد.
كما نجحت أنقرة بالتعاون مع الأمم المتحدة في التوصل إلى اتفاقية الحبوب في يوليو/تموز 2022.
لذا أكد أردوغان مجددا أن بلاده "هي الجهة الوحيدة القادرة على التحدث مباشرة مع كل من الرئيسين؛ الروسي، والأوكراني".
الخلاصةمما سبق يتضح أن معاناة الحلفاء في التعامل مع الولايات المتحدة ربما لا تقل عن معاناة الخصوم.
من هنا ستبذل تركيا جهودا مضاعفة هذا العام لإيجاد حلول ناجزة لهذه الملفات محل الخلافات حتى لا تتسرب فترة ترامب الثانية من بين أصابعها دون إحراز أي تقدم، وتفاجأ بعودة الديمقراطيين مجددا إلى البيت الأبيض وفي جعبتهم رؤى سلبية وسيئة تجاه أنقرة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الولایات المتحدة البیت الأبیض فی هذا
إقرأ أيضاً:
جريمة قتل ضحيتها 4 أشخاص تهز الجالية اليمنية في الولايات المتحدة الأمريكية
هزت جريمة قتل أوساط الجالية اليمنية خلال الساعات الماضية في مدينة بوفالو بالولايات المتحدة الأمريكية والتي راح ضحيتها عدد من الأشخاص ثلاثة منهم من عائلة واحدة.
وبحسب مصادر مطلعة في الجالية فقد عاشت المدينة أوقاتا صعبة بعد قيام المدعو صالح الجغماني يمني أمريكي على قتل صديقه شكري علي صالح الشيبة قبل أن يعود إلى منزله هو ليقتل زوجته وأولاده في حادثة غريبة لم تتضح أسبابها الكاملة حتى الساعة.
وذكرت المصادر أن الجاني توجه بعد ذلك لمحاولة قتل شخص آخر يدعى صادق القاضي قبل أن تقوم الشرطة بالقاء القبض عليه وإيداعه السجن للتحقيق حول ملابسات الواقعة.
الجاني من مديرية يافع والجريمة حدثت في مدينة بوفالو بولاية نيويورك، أسفرت عن مقتل 4 أشخاص جميعهم يمنيين أمريكيين بينهم زوجة وأطفال الجاني.
وتشير المعلومات الأولية إلى أن الجاني بدأ يعاني في الفترة الأخيرة من اضطرابات نفسية وقد شكا من الأرق وعدم قدرته على النوم، فيما قامت الشرطة بنقل جثامين الضحايا إلى المستشفى لتشريحها ومعرفة الدوافع والملابسات التي أدت إلى هذه الجريمة.