من روكسيلانا إلى هند الحسيني.. نساء تركن بصماتهن في القدس
تاريخ النشر: 11th, January 2026 GMT
حظيت النساء بشأن كبير في مدينة القدس عبر العصور، وكان لبعضهن نفوذ واسع تُرجم من خلال إنشاء مبان ضخمة بأمر مباشر منهن وبأسمائهن، لتُكوّن مجتمعة ما يطلق عليه مسار العمارة النسوية في القدس القديمة.
وتُدلل العمارة النسوية في القدس -حسب الباحث في تاريخ القدس روبين أبو شمسية في تصريح للجزيرة نت- على ازدهار واضح في المعمار المزخرف في الفترة المملوكية حيث مُزج المعمار التركي السلجوقي والمعمار الشرق آسيوي المغربي والشمال أفريقي ليشكلوا معا تحفا فنية متناسقة.
وقال إن العمارة النسوية العثمانية تميزت بضخامة البناء ودقة وضع الأحجار وترتيبها وكانت أكثر تواضعا من ناحية الزخارف.
روكسيلانا
في طريق الواد يجد الزائر على يساره الكنيسة البولندية التي كانت في السابق حمّاما عاما أمرت ببنائه زوجة السلطان العثماني سليمان القانوني، وهي روسية الأصل عرفت بالسلطانة خُرّم أو روكسيلانا توفيت عام 1558.
كان هذا البناء أحد روافد المشروع الخيري الضخم تكية خاصكي سلطان وتعني "معشوقة السلطان" لكثرة تعلق السلطان بها. وكانت أرباح هذا الحمّام بالإضافة لعدد من المرافق الأخرى تُنفق على التكية، قبل أن يُهمل في الفترة العثمانية المتأخرة.
وفي أواخر القرن الثامن عشر لم يعد يستخدم البناء كحمّام للقادمين لمدينة القدس حتى سيطرت عليه بطريركية الأرمن الكاثوليك عام 1907، وانتهى الأمر بتبرع كتيبة الجنود البولنديين، التي كانت دمجت مع الجيش البريطاني، ببناء كنيسة على النمط الأرمني في مركز المكان لتكوّن أساس المرحلتين الثالثة والرابعة من مراحل "درب آلام" السيد المسيح عيسى عليه السلام.
على بُعد أمتار من باب المجلس أحد أبواب المسجد الأقصى ما زال المشروع العثماني الأضخم تكية خاصكي سلطان ماثلا، حيث أُنشئ بأمر من السيدة روكسيلانا زوجة سليمان القانوني قرابة 1552 ميلادية، والتي توصف بأنها غيّرت ملامح تاريخ الإمبراطورية العثمانية حيث سيطرت على الدولة بأكملها وكان أمرها لا يرد.
إعلانكانت التكية تُطعم -في عهدها- قرابة ألفي شخص ولم تقتصر على المطبخ، بل احتوت على سبيل ومسجد وبيوت كان يسكنها زائرو القدس، بالإضافة إلى غرف سكن للعلماء والدراويش آنذاك.
ولا تزال التكية تفتح أبوابها حتى يومنا هذا وتشرف عليها دائرة الأوقاف الإسلامية بحيث يُقدم الطعام يوميا لنحو 500 شخص ويتضاعف العدد خلال شهر رمضان، أما بقية مرافق التكية فتحولت حاليا لمدرسة دار الأيتام الإسلامية.
على امتداد تكية خاصكي سلطان، يقع قصر الست طنشق، ويقال إنها أميرة واسعة الثراء من كازاخستان قررت في القرن الرابع عشر الميلادي الانفصال عن أهلها، فتعبدت في القدس وتصوفت وأمرت ببناء هذا المبنى المملوكي الضخم، الذي يشرف على المسجد الأقصى ويطل مباشرة على قبة الصخرة المشرفة.
وتعتبر واجهة القصر من أجمل وأضخم واجهات مباني القدس، وفُتح فيها 3 مداخل استخدمت الزخارف المملوكية المختلفة بها كالمكسلة ونظام الأبلق بالإضافة للنقوش والرقوش.
ويتألف القصر من طابقين وتم ضمه في العهد العثماني إلى تكية خاصكي سلطان، وتحول الآن لمدرسة دار الأيتام الصناعية، فيما دفنت الست طنشق المتوفاة سنة 1398 ميلادية، في قبر مقابل قصرها على بُعد أمتار من المسجد الأقصى.
تقع المدرسة العثمانية على السور الغربي للمسجد الأقصى، وهي أول وقف عثماني بالقدس في عهد المماليك، فقد أوقفتها عام 1437 أصفهان شاه خاتون، زوجة الصدر الأعظم العثماني جاندرلي إبراهيم باشا.
وهي من الأبنية التي أمرت ببنائها امرأة وتقع على يسار الداخل للمسجد الأقصى من باب سقاية العادل، ويتكون البناء من مدخل منمق مزخرف يحتوي على نظام الأبلق والمكسلة والنقش الذي كتب عليه الآمر بالبناء، ويقع قبر الأميرة داخل المدرسة التي تسكنها حاليا عائلة الفتياني المقدسية.
أنفقت أصفهان، المتوفاة عام 1094 ميلادي، بسخاء على إنشاء المدرسة -التي كانت أحيانا تعرف باسمها- إذ خصصت جزءا من الوقف لتعيين مدرس ومقرئ للقرآن، وفتحت المجال لبعض الصوفيين والطلاب للإقامة داخل المبنى، كما ألحقت بالوقف نحو 33 قرية إلى جانب مزرعة لخدمة احتياجات المدرسة.
وبالقرب من باب السلسلة أحد أبواب المسجد الأقصى يقع رباط النساء الذي يروى أنه أنشئ على اسم أميرة تدعى تركان خاتون من داغستان، وكان مخصصا لرباط وسكن النساء الزائرات للأقصى، وتسكنه حاليا عائلة التوتنجي.
وفي نهاية مسار العمارة النسوية في القدس، تقع مقبرة مكونة من غرفتين مقببتين في طريق باب السلسلة، أمرت بإنشائهما تركان خاتون، وبنت هذه المقبرة بعد وصولها للقدس بـ3 سنوات وأوصت أن تدفن فيها، وتحولت إحدى الغرفتين إلى منزل، بينما احتضنت الأخرى قبر الأميرة خاتون المتوفاة عام 1094.
أما مؤسسة دار الطفل العربي، فتعتبر أحدث المؤسسات النسائية التي أوجدت خارج سور القدس رغم كل الظروف الصعبة في المدينة. وتم تأسيس الدار بعد نكبة عام 1948 التي خلّفت الكثير من الأيتام، وتبرعت حينها السيدة المقدسية هند الحسيني المتوفاة سنة 1994، بتوفير مأوى دائم لهم، وتحول المبنى لاحقا لمدرسة دار الطفل العربي وهي من أهم المدارس الرائدة في مجال التعليم بالقدس.
إعلان
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات المسجد الأقصى لمدرسة دار فی القدس
إقرأ أيضاً:
مجلس التعاون الخليجي يدين استمرار انتهاكات المستوطنين الإسرائيليين للمسجد الأقصى
أدان الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم محمد البديوي، استمرار اقتحامات المستوطنين المتطرفين للمسجد الأقصى المبارك تحت حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي، ورفع العلم الإسرائيلي داخل باحاته، مؤكداً أن هذه الممارسات الاستفزازية تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ولقرارات الشرعية الدولية.
وأكد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية -فى بيان على موقع المجلس مساء اليوم الثلاثاء- رفض دول مجلس التعاون القاطع لجميع إجراءات قوات الاحتلال الإسرائيلية الهادفة إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في مدينة القدس ومقدساتها الإسلامية.
وحذر من أن استمرار هذه الانتهاكات من شأنه تأجيج التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة وتقويض فرص تحقيق السلام.
وجدد الأمين العام تـأكيد تضامن دول مجلس التعاون الكامل مع الشعب الفلسطيني الشقيق، ودعمها الثابت لحقوقه المشروعة، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.