التقرير الصادر عن مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي حول تفاقم ظاهرة هجرة العقول يكتسب دلالته الأساسية من توقيته وسياقه، لا من أرقامه وحدها.
فما كشفته صحيفة هآرتس من أرقام مثيرة حول هجرة النخب الأكاديمية العليا في السنوات الأخيرة، وبوتيرة متسارعة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لا يمكن قراءته بوصفه ظاهرة اجتماعية أو مهنية محايدة، ولا حتى باعتباره إحدى نتائج العولمة وسيولة الكفاءات في سوق معرفي عالمي مفتوح.
فالسياق يتجاوز بكثير توصيف "هجرة عقول" بالمعنى التقني، وينقلنا إلى سؤال أعمق حول القدرة على إنتاج المستقبل داخل مشروع قام، منذ تأسيسه، على احتكار المعرفة وربطها عضويا بالقوة والعسكرة والاندماج الوظيفي في منظومة الهيمنة الغربية.
لفهم دلالة هذه الظاهرة، لا بد من العودة إلى التاريخ الطويل للمشروع الصهيوني، بوصفه مشروعا تدار فيه المعرفة كوظيفة استعمارية غير مستقلة عن سياق الاحتلال.
فمنذ عقوده الأولى، قام المشروع الصهيوني بدمج الجامعات ومراكز البحث العلمي مباشرة في مشروع الدولة الاستيطانية، بوصفها جزءا من بنيته التشغيلية، حيث تم تطوير تقنيات الزراعة والمياه لخدمة التوسع الاستيطاني، وابتكار تقنيات المراقبة والسيطرة لإحكام القبضة الأمنية على أي مقاومة، وبناء قاعدة صناعية-عسكرية متقدمة لتعويض غياب العمق الجغرافي، بينما تم الاستثمار في التفوق البشري النوعي لتعويض هشاشة التعداد السكاني.
هذا النموذج لم يكن ليصمد أو يتوسع لولا التحالف البنيوي مع الولايات المتحدة. فخلال الحرب الباردة، مولت واشنطن، بشكل مباشر وغير مباشر، إدماج إسرائيل في شبكات البحث والتطوير الغربية، وقدمت لها ما يشبه المظلة المعرفية التي عوضت هشاشتها الديمغرافية والجغرافية.
وبعد نهاية الحرب الباردة، أعيد تدوير هذا النموذج في سردية جديدة أكثر جاذبية للاستهلاك العالمي، سردية دولة الشركات الناشئة (Startup Nation)، والتي قدمت إسرائيل بوصفها معجزة ابتكار نابعة من ثقافة المخاطرة وريادة الأعمال.
غير أن هذه السردية أخفت الدور الحاسم للعسكرة والتمويل الأميركي والتحالف الغربي، الذي منحها السوق والتمويل والشرعية، وقدمت نموذجا منزوعا عن السياق الاستعماري، حيث استطاعت إسرائيل أن تسوق نفسها كعلامة تجارية تباع فيها التكنولوجيا بعيدا عن العنف الذي يصنع شروطها، وعن الاستيطان الذي يوفر لها المجال الحيوي والسياسي.
في هذا الإطار، لم تكن إسرائيل مهجوسة بتهديد خسارة العقول، فالعلماء كانوا جزءا من مشروع صاعد، يمتلك أفقا تاريخيا واضحا، ويوفر حدا أدنى من الاستقرار المؤسسي حتى في ظل الصراع. فما الذي تغير إذن؟
التحول لا يعود إلى عامل واحد، بل إلى تراكب مسارات بنيوية بدأت قبل سنوات وتسارعت بشكل حاد بعد طوفان الأقصى:
أول هذه المسارات هو الانقسام البنيوي الذي اتسع داخل المجتمع بين "إسرائيل العلمانية" و"إسرائيل الدينية". فالنخب العلمانية-الليبرالية، خصوصا في تل أبيب وحزام التكنولوجيا والجامعات، ترى نفسها الطبقة التي بنت مؤسسات الدولة الحديثة، ودفعت ثمنها الأمني، وراكمت رأس مالها المعرفي.
لكن صعود اليمين القومي-الديني ومعسكر الحريديم داخل الائتلافات الحاكمة، حرك عملية انقلاب في "العقد الاجتماعي"، وأدى إلى انتقال تدريجي لنموذج الدولة المدارة بمنطق الهوية والولاء، وإعادة توزيع الموارد على أساس سياسي-ديني.
يتجسد هذا الانقلاب بأقصى درجاته في الجدل المزمن حول الخدمة العسكرية؛ فالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية كانت تاريخيا مركز الصهر الذي يربط العلمانيين بمشروعية الدولة، وهو أيضا الجسر الذي يربط الجامعة والقطاع التقني بشبكات الأمن والبحث العلمي.
فحين يتكرس إعفاء واسع للحريديم من الخدمة- أو يتعذر فرضه سياسيا- يقرأ العلمانيون ذلك كعلامة على عدم التكافؤ في الواجبات، وعلى أن من ينتج المعرفة ويدفع كلفة الحرب لم يعد هو من يحدد معنى الدولة ولا اتجاهها.
هنا لا تصبح الهجرة قرارا اقتصاديا فرديا فقط، بل موقفا سياسيا ضد اختلال التقاسم الوظيفي وتآكل التماسك الداخلي. فالباحث أو المهندس الذي يخطط لمسار مهني طويل، يرى أنه مطالب بالمساهمة في اقتصاد عالي المخاطر، وتحمل أعباء أمنية متزايدة، بينما تتجه الدولة- سياسيا وماليا وثقافيا- نحو تعزيز قوى أقل اندماجا في سوق المعرفة، وأقل استعدادا لتحمل أعباء الخدمة العسكرية.
هذه الفجوة لا تفسر فقط نزوح النخب المتعلمة، بل تربطها مباشرة بمستقبل الاحتلال، لأن الاحتلال كي يستمر طويلا، يحتاج إلى مجتمع قادر على إعادة إنتاج تفوقه التقني بشكل مستمر، وعلى تحمل كلفة العسكرة والتجنيد والاستنزاف الدائم.
ولا ينفصل عن ذلك التسييس المتزايد للمجالين القضائي والأكاديمي؛ فمحاولات إخضاع القضاء، والتدخل المباشر في استقلال الجامعات، وسياسات تقليص ميزانيات التعليم العالي لصالح ميزانيات أكبر لخدمة المصالح الفئوية لأحزاب الائتلاف، كل ذلك أدى إلى تآكل ما تبقى من ضمانات ليبرالية كانت تشكل أحد أسباب بقاء الباحثين والعلماء داخل إسرائيل.
المسار الثاني أعمق وأكثر خطورة، وهو انكسار سردية الأمن. فبعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، لم يعد ممكنا تسويق إسرائيل، حتى داخليا، بوصفها القلعة التي لا تمس.
فالانكشاف الأمني العميق، وما تلاه من حرب طويلة ومفتوحة على غزة، والحرب على لبنان، وإيران واستنزاف جبهة اليمن، أعاد طرح أسئلة وجودية حول قدرة إسرائيل على إدارة صراع ممتد دون استنزاف داخلي شامل.
بالنسبة للباحث والعالم، الذي يعمل بمنطق المشاريع طويلة الأمد والعقود البحثية الممتدة، يتحول هذا القلق الوجودي إلى عامل طرد حاسم؛ إذ كيف يمكن التخطيط لمسار علمي مستقر داخل كيان يبدو مستعدا للدخول في حالة حرب دائمة بلا أفق سياسي؟ وكيف يمكن استدامة منظومة معرفة عالية الحساسية في مجتمع يعاد هندسته على إيقاع التعبئة الدائمة والاستنزاف الطويل؟
المسار الثالث لا يقل أهمية، إذ إنه يتصل بمكانة إسرائيل الدولية. فعلى وقع حرب الإبادة على غزة، انهارت السرديات الأخلاقية للمشروع الصهيوني بشكل غير مسبوق، وبدأت صورة إسرائيل تتآكل داخل الفضاء الأكاديمي الغربي.
الاحتجاجات الطلابية، وتصاعد حملات المقاطعة الأكاديمية، وتحول بعض الشراكات البحثية إلى عبء سياسي وأخلاقي، كلها عوامل جعلت "الحياد العلمي" الذي ادعته إسرائيل لعقود، موضع مساءلة علنية، حيث بات التعاون الأكاديمي مع إسرائيل موضوعا خلافيا داخل جامعات غربية كبرى، وانعكس على سمعة الباحثين الإسرائيليين، وعلى تحمس هذه الجامعات لبناء شراكات علمية مع بيئات تخضع لحساسية أخلاقية وسياسية متزايدة.
ما تقدم يقودنا إلى استنتاج أوسع، إذ إننا أمام ظاهرة تعكس تحولات وتغيرات إستراتيجية على مستوى بنية مجتمع الاحتلال ودولته، أكثر من كونها ظاهرة ديمغرافية عادية.
فنحن لا نتحدث عن هجرة عمال مهرة يمكن تعويضهم، بل عن منتجي معرفة يراكمون خبرات وشبكات يصعب استبدالها. انعكاسات هذا النزيف لا تقتصر على الجامعات، بل تمتد إلى الابتكار العسكري، ومنظومة الشركات الناشئة، وموقع إسرائيل في سلاسل البحث العالمية.
والأخطر أن هذه المجالات مترابطة وظيفيا، فاليوم تقاس القوة بالقدرة على إنتاج المعرفة لا على استهلاكها، ما يعني أن نزيف المعرفة يتحول تدريجيا إلى نزيف قدرة الدولة على إعادة إنتاج تفوقها ذاته، لا مجرد تراجع قطاع معين.
التاريخ يقدم لنا سوابق دالة. ففي أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، شهد الاتحاد السوفياتي موجة هجرة علمية واسعة ترافقت مع الانهيار السياسي، وكانت مؤشرا على فقدان الدولة قدرتها على احتضان نخبها المعرفية.
وفي جنوب أفريقيا، بدأت هجرة الأكاديميين والباحثين قبل نهاية نظام الفصل العنصري، حين أدركت النخب أن النموذج القائم فقد شرعيته واستدامته.
هذه المقارنات لا تعني تطابق الحالات، ولا تتورط في التوقعات المفرطة بالتفاؤل، لكنها تكشف نمطا تاريخيا متكررا؛ فالدولة التي تبدأ بفقدان عقولها، تفقد قدرتها على تجديد سرديتها ومؤسساتها، ويصبح مستقبلها نفسه موضع تساؤل.
وهذا التحدي يغدو أكثر عمقا وخطورة في حالة إسرائيل، لأسباب كثيرة متعلقة بطبيعة الكيان الوظيفية، وبنيته الاجتماعية الهجينة، وشرعيته المؤسسة على الاحتلال والاستيطان والتوسع الدائم.
كما أن هذا المسار لا يمكن فصله عن التحول الديمغرافي الأوسع داخل إسرائيل. فالهجرة العكسية لم تعد مقتصرة على النخب الأكاديمية، بل امتدت إلى فئات شبابية ومنتجة. بيانات دائرة الإحصاء الإسرائيلية الأخيرة تشير إلى فجوة هجرة سلبية هي العليا منذ عقود، في مسار بدأ قبل الحرب وتسارع بعدها.
وهذا الخلل يمس أحد أعمدة المشروع الصهيوني ذاته؛ فالهجرة الوافدة في المخيال الصهيوني ليست حركة سكانية محايدة، بل آلية اشتغال داخلية يقوم عليها المشروع ذاته. فمنذ بدايات المشروع الصهيوني، تم الربط بين "تجميع اليهود" و"احتلال الأرض" ربطا عضويا؛ فالاستيطان ليس عمرانا فحسب، بل وسيلة حسم سياسي عبر الديمغرافيا، وتحويل التفوق العددي إلى سيادة فعلية على الأرض.
وحتى داخل الخطاب الرسمي الإسرائيلي، ظلت فكرة "الأغلبية اليهودية" تتكرر بوصفها معيارا للأمن القومي، بما يكشف أن جوهر السيادة كان، ولا يزال، مشروطا بالميزان الديمغرافي قبل أي شيء آخر.
من هنا، تصبح "الهجرة العكسية" حدثا بنيويا بالغ الحساسية؛ لأنها تضرب الحلقة التي تربط الاقتصاد بالأمن وبالهوية، وتكشف أن "الجاذبية الديمغرافية" التي راهن عليها المشروع تتآكل تحت ضغط الانقسام الداخلي، والحروب، وتدهور الإحساس بالأمان.
والطبقة الأخطر أن هذا القلق لا يأتي من الأرقام وحدها، بل من معناها الوجودي؛ فتقارب الكتل السكانية بين الفلسطينيين والإسرائيليين في فلسطين التاريخية صار يقدم كعنوان صراع على طبيعة الدولة، لا على السياسة فقط.
في المقابل، تظهر قراءات إسرائيلية وأكاديمية أن المعركة الديمغرافية تدار أيضا داخل المجتمع اليهودي نفسه، عبر فروق حادة بين مجموعاته الرئيسية، أي بين الحريديم ذوي الخصوبة المرتفعة والمشاركة المحدودة في التعليم العالي وسوق العمل والخدمة العسكرية، والتيار القومي-الديني الذي يجمع بين خصوبة متوسطة واندماج أيديولوجي-عسكري متزايد؛ وبين اليهود العلمانيين، ولا سيما في وسط إسرائيل، الذين يشكلون العمود الفقري للاقتصاد المعرفي والجامعات، لكنهم يسجلون أدنى معدلات الخصوبة، وأعلى ميول للهجرة والاستقرار الدائم خارج إسرائيل.
دلالة هذه الفروق تتعلق بنوعية السكان، ومدى قدرة الفئات المذكورة على إنتاج المعرفة، وتمويل الدولة، والخدمة في جيشها، وهو توتر بنيوي ينعكس مباشرة على مستقبل النموذج الذي قام على التفوق الديمغرافي والمعرفي معا.
من داخل هذا السياق، يصبح التضخم في خطاب "السيكولوجيا الوجودية" التي تغذيها النخب الأمنية والفكرية داخل إسرائيل مفهوما. فهذا الخطاب لا يتأسس على الخوف من فقدان الأغلبية فحسب، وإنما على الخوف من فقدان "سردية الاستمرارية" نفسها.
وهذا الأمر يمكن ملاحظته من تزايد الحديث عما يسمى بـ"لعنة العقد الثامن" كتشبيه سياسي-تاريخي لانهيارات كيانات يهودية سابقة- استنادا إلى المخيال الصهيوني- بفعل الانقسام الداخلي والصراع بين نخبها، قبل سقوطها أمام قوى خارجية.
في ضوء هذا كله، تتكشف الهجرة- بوجهيها السكاني والمعرفي- بوصفها المرآة الأوضح لأزمة المشروع الصهيوني في لحظته الراهنة. فتراجع القدرة على الجذب السكاني، واتساع الهجرة العكسية بين الفئات الشابة والمنتجة، وتقاطع ذلك مع تقارب عددي داخل فلسطين التاريخية، يصبح ما يسمى بـ"الخطر الديمغرافي" ليس شعارا أمنيا فحسب، وإنما هو تعبير عن أزمة وجودية، تمثل فيها هجرة العلماء التعبير الأكثر حساسية.
فإذا كانت القوة العسكرية قادرة، ولو مؤقتا، على فرض وقائع ميدانية، فإن إنتاج المعرفة واستدامتها يحتاجان إلى أفق وشرعية واستقرار أمني وسياسي، وكلها عناصر تتآكل اليوم بوتيرة متسارعة داخل إسرائيل.
والسؤال ليس ما إذا كانت إسرائيل ستبقى قوية عسكريا في المدى القصير، بل ما إذا كانت قادرة على الحفاظ على شرط إنتاج القوة في المدى الطويل. وهذا ما يجعل الظاهرة جديرة بالقراءة بوصفها أزمة مشروع في لحظة اختبار تاريخي مفتوح.
المصدر
المصدر: مأرب برس
كلمات دلالية: المشروع الصهیونی داخل إسرائیل
إقرأ أيضاً:
تل أبيب تطلب ضوءًا أخضر أمريكيًا لتوسيع عملياتها داخل لبنان | إسرائيل تعلن السيطرة على قلعة الشقيف جنوب لبنان .. وجيش الاحتلال يصدر أوامر إخلاء جديدة
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
كشفت مصادر إعلامية، نقلاً عن صحيفة "جيروزاليم بوست"، أن مسؤولين إسرائيليين يضغطون باتجاه الحصول على موافقة الإدارة الأمريكية لتوسيع نطاق العمليات العسكرية في لبنان، بحيث تشمل العاصمة بيروت بعد أن كانت تتركز في الجنوب.
وبحسب المصادر، ترى تل أبيب أن الظروف السياسية الحالية، خصوصاً جمود مسارات التفاوض بين واشنطن وطهران، وكذلك المباحثات غير المباشرة بين إسرائيل ولبنان، قد تفتح المجال أمام استجابة أمريكية إيجابية.
غموض حول طبيعة العمليات وخطتها الزمنيةووفق التقرير، لم تُحسم بعد تفاصيل العمليات المحتملة أو توقيتها، إلا أن التحرك الإسرائيلي يأتي ضمن سياق تصعيد ميداني متواصل، يشمل توسع العمليات شمال نهر الليطاني خلال الفترة الأخيرة.
وتشير المعطيات إلى أن أي توسع محتمل قد يغير طبيعة المواجهة القائمة، في ظل غياب رؤية واضحة لحدود التصعيد أو سقفه السياسي والعسكري.
وتلفت التقارير إلى أن هذا التوجه الإسرائيلي يصطدم بقيود سياسية سابقة فرضتها واشنطن، حيث سبق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن تحدث عن “خط أحمر” يمنع توسيع العمليات داخل لبنان، مع التشديد على ضرورة تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة.
كما نقلت مصادر سياسية إسرائيلية مخاوف من أن أي تصعيد واسع قد يؤثر على التفاهمات الإقليمية المرتبطة بالملف الإيراني، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة.
إسرائيل تعلن السيطرة على قلعة الشقيف جنوب لبنانأعلنت إسرائيل، الأحد، أن قواتها سيطرت على قلعة الشقيف الأثرية في جنوب لبنان، واعتبرتها جزءاً من ما تسميه المنطقة الأمنية في إطار عملياتها العسكرية المتواصلة على الحدود الشمالية.
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش وسّع عملياته في جنوب لبنان وتقدم عبر نهر الليطاني وصولاً إلى مرتفعات الشقيف، مشيراً إلى أن الموقع يتمتع بأهمية استراتيجية في حماية بلدات الشمال الإسرائيلي.
وأضاف أن القوات الإسرائيلية ستبقى متمركزة في المنطقة ضمن الإجراءات الأمنية الجارية، في وقت تتواصل فيه المواجهات على الحدود اللبنانية وسط تصعيد عسكري متبادل.
وأصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء لسكان مناطق جنوب نهر الزهراني، على مسافة تصل إلى نحو 40 كيلومتراً من الحدود، قبل أن يعلن بدء غارات جوية استهدفت ما وصفها ببنى تحتية تابعة لـحزب الله في مدينة صور ومناطق أخرى من جنوب لبنان.
وفي السياق نفسه، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل أحد جنوده في هجوم بطائرة مسيّرة أطلقها حزب الله، ما يرفع عدد قتلاه منذ استئناف المواجهات في مارس إلى 25 جندياً.
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ هجمات صاروخية استهدفت مواقع عسكرية في نهاريا، إضافة إلى استهداف موقع إسرائيلي في شلومي باستخدام طائرة مسيّرة، في إطار التصعيد المتبادل بين الجانبين على جانبي الحدود.
تصعيد ميداني واسع في الجنوب والبقاعميدانياً، شهد لبنان خلال الفترة الأخيرة تصعيداً عسكرياً واسعاً، مع غارات جوية إسرائيلية استهدفت مناطق في الجنوب والبقاع، تسببت في سقوط قتلى وجرحى، إضافة إلى دمار كبير في البنية التحتية والأحياء السكنية.
وامتدت الضربات إلى مناطق متعددة في صور والنبطية والبقاع الغربي، وسط قصف مدفعي وأحزمة نارية، وتحليق مكثف للطيران الحربي الإسرائيلي في أجواء واسعة من البلاد.
وأفادت مصادر محلية بوقوع خسائر بشرية بين المدنيين، إلى جانب تدمير منازل ومنشآت، فيما أشارت تقارير إلى استمرار عمليات الإنقاذ وانتشال الضحايا من تحت الأنقاض في عدد من المناطق المتضررة.
كما ذكرت مصادر طبية أن حصيلة الضحايا منذ بدء التصعيد الأخير ارتفعت إلى آلاف القتلى والجرحى، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتوسع نطاقها الجغرافي.
بالتوازي مع التصعيد، تتواصل التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية لمحاولة احتواء التوتر، وسط ترقب لجولات جديدة من المفاوضات غير المباشرة برعاية أمريكية.
وفي المقابل، تؤكد القيادة اللبنانية تمسكها بالثوابت السيادية وضرورة الانسحاب من الأراضي المحتلة، بينما تواصل إسرائيل التأكيد على أن عملياتها تهدف إلى منع الهجمات وتأمين الحدود الشمالية.
وتشير المعطيات إلى أن المنطقة تقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، في ظل تداخل المسارات العسكرية والسياسية، وغياب أي اختراق حقيقي في مفاوضات التهدئة، ما يبقي احتمالات التصعيد مفتوحة على نطاق أوسع خلال الفترة المقبلة.