مصر حاضر غائب في الإعلام الهولندي
تاريخ النشر: 11th, January 2026 GMT
في خضم الجدل المحتدم حول منطقة الشرق الأوسط، لا تبدو مصر دائمًا في الإعلام الهولندي دولةً قائمة بذاتها، بقدر ما تظهر بوصفها عنصرًا وظيفيًا داخل صراعات إقليمية تمتد على خطوط تماس دولية. فهي لا تتصدر المشهد بوصفها فاعلًا مُستقلًا، لكنها حاضرة دومًا في الخلفية، كحلقة وصل، أو كعقبة، أو كطرف يُنتظر منه أن يؤدي دورًا محددًا سلفًا.
أكثر ما يلفت الانتباه في التغطية الهولندية حاليًا هو محاولة اختزال الدور المصري في معبر رفح. فالمعبر لا يُنظر إليه كملف سيادي معقد تحكمه اعتبارات أمنية وديموغرافية وسياسية، بل يُختزل في أداة اختبار لمدى فهم القاهرة للشرك الذي سعت إسرائيل لإيقاع مصر بداخله. فتح المعبر يُصوَّر كدليل إنساني، وإغلاقه كإدانة سياسية، دون مساءلة حقيقية لطبيعة المخاطر التي قد تترتب على أي قرار مُتسرع. هذا التبسيط الأخلاقي يريح الضمير الأوروبي، لكنه لا يفسر الواقع.
وحين تنتقل غالبية الصحافة الهولندية ذات التوجه اليميني إلى الداخل المصري، فإنها تعتمد إطارًا شبه ثابت يربط بين الاستقرار السياسي وتوجيه انتقادات تبدو وكأنها لحساب الطرف الإسرائيلي ومصلحته. هذا الطرح، الذي لا يخلو من انتقادات مُبطنة ، يتحول في كثير من الأحيان إلى عدسة جاهزة تُفسَّر من خلالها السياسة الخارجية المصرية على أهواء تتسم بالانحياز. وكأن مصر لا تتخذ مواقفها الإقليمية بناءً على حسابات القوة والمصلحة الوطنية، هنا يُختزل المعقّد في سردية واحدة، وتُغلق أبواب الفهم الأعمق.
اللافت أن الحسابات الأمنية المصرية لا تحظى بالمساحة التي تستحقها في التحليل الإعلامي الهولندي. فسيناء لا تظهر إلا كاسم عابر، واحتمالات تدفق مئات الآلاف من اللاجئين ومحاولة تهجير اسرائيل للفلسطينيين لا تُناقَش بجدية، وخطر انتقال الفوضى إلى الداخل المصري يُتعامل معه بوصفه احتمالًا نظريًا لا تهديدًا واقعيًا. في المقابل، تُمنح الاعتبارات الأمنية الأوروبية دائمًا موقع الصدارة، ويُنظر إليها بوصفها مبررًا كافيًا لتشديد السياسات والحدود.
وتتجلى المفارقة الكبرى في محاولات كثيرة لتصوير مصر كشريك صامت للغرب،لكنها في الوقت نفسه تُعدّ عنصرًا لا يمكن الاستغناء عنه في حسابات أوروبا. أمن المتوسط . . وقف الهجرة غير النظامية . . حماية قناة السويس . . وضمان تدفق الطاقة، كلها ملفات تجعل من استقرار مصر مصلحة أوروبية مباشرة. ومع ذلك، نادرًا ما تُطرح أسئلة جدية حول حدود الخطاب الأخلاقي حين يتعارض مع هذه المصالح.
الأكثر إشكالية هو غياب الصوت المصري عن هذا السجال الإعلامي. فالقارئ الهولندي نادرًا ما يطّلع على وجهة نظر دبلوماسي أو باحث مصري يشرح منطق القرار المصري بلغة هادئة ومباشرة. مصر تُناقَش، تُنتقد، وتُحلَّل، لكنها لا تُستضاف، وبهذا تتحول من فاعل إقليمي له منطقه الخاص إلى موضوع نقاش أوروبي يُدار من خارجها.
في المحصلة، لا يمكن القول إن الإعلام الهولندي يتعامل مع مصر بعدائية مطلقة، لكنه يتعامل معها بانتقائية واضحة. يعترف بأهميتها، لكنه يجرّدها من حقها في التعقيد. يطالبها بدور حاسم، لكنه لا يمنحها مساحة الاختيار. وبين أخلاقية الخطاب وواقعية السياسة، تبقى صورة مصر في الصحافة الهولندية صورة ناقصة، تعكس قلقًا أوروبيًا من الشرق الأوسط أكثر مما تعكس فهمًا حقيقيًا ل
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: منطقة الشرق الأوسط الاعلام الهولندي
إقرأ أيضاً:
لولا وجودي لكنت في السجن .. الإعلام الإسرائيلي : أزمة ترامب ونتنياهو تكشف صراع النفوذ خلف الكواليس
تعيش العلاقات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واحدة من أكثر مراحلها توتراً في السنوات الأخيرة، وفق ما كشفت عنه صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية في تقرير موسع أشار إلى أن ما يجري يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية ليعكس صراعاً معقداً بين الاعتبارات الانتخابية الأمريكية والحسابات الأمنية الإسرائيلية في المنطقة.
وبحسب التقرير، فإن الإدارة الأمريكية بذلت جهوداً واضحة لنفي فكرة أن نتنياهو هو من يوجه السياسات الأمريكية تجاه الملف الإيراني أو العمليات العسكرية في لبنان، مؤكدة على لسان وزير الدفاع أن “لا أحد يمسك بزمام الأمور سوى ترامب”، في إشارة إلى محاولة احتواء الجدل المتصاعد حول طبيعة العلاقة بين الطرفين.
لكن خلف هذا النفي الرسمي، تتحدث مصادر سياسية وإعلامية عن تصعيد غير مسبوق بين الجانبين، بدأ يتبلور نتيجة ضغوط متعددة، تشمل تزايد التوتر في لبنان، والقلق الأمريكي من انهيار مسار التفاوض مع إيران، إضافة إلى اعتبارات داخلية مرتبطة بصورة ترامب أمام قاعدته السياسية، خاصة المسيحية منها.
ويشير التقرير إلى أن الأزمة أخذت بعداً شخصياً حين نقل عن ترامب غضبه الشديد من نتنياهو، وقيامه بتوجيه عبارة حادة مفادها: “لولا وجودي لكنت في السجن”، في تعبير يعكس مستوى التوتر غير المسبوق بين الشخصين.
ويفسر هذا التصعيد بأنه لا يرتبط بلحظة آنية فقط، بل بتراكمات استراتيجية تتصل بطريقة إدارة العمليات الإسرائيلية في لبنان وتأثيرها على السياسة الأمريكية.
على المستوى التكتيكي، يسلط التقرير الضوء على ما وصفه بـ”أزمة مسيحية في لبنان”، حيث أشارت تقارير متداولة إلى حوادث اعتداء طالت رموزاً دينية مسيحية خلال العمليات العسكرية، بينها صور لجنود إسرائيليين في ممارسات وصفت بأنها مسيئة للرموز الدينية. وقد ساهم انتشار هذه المقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي في إثارة موجة انتقادات داخل أوساط اليمين الأمريكي، خصوصاً بين الشخصيات الإعلامية المؤثرة التي تخاطب القاعدة الإنجيلية الداعمة لإسرائيل تقليدياً.
وتذهب التحليلات إلى أن هذا البعد الديني بات يشكل ضغطاً سياسياً مباشراً على ترامب، الذي سبق أن تعهد بحماية المسيحيين حول العالم، وهو ما يجعله أكثر حساسية تجاه أي صور أو تقارير قد تضعف هذا الخطاب أمام ناخبيه.
أما على المستوى الاستراتيجي، فتتمثل الأزمة – وفق التقرير – في تباين الرؤى بين واشنطن وتل أبيب بشأن إيران. إذ ترى الإدارة الأمريكية أن التصعيد في لبنان قد يعرقل جهود التوصل إلى اتفاق أو تهدئة مع طهران، في حين تتهم بعض الدوائر الأمريكية إسرائيل بأنها تدفع باتجاه توسيع نطاق المواجهة الإقليمية.
وتشير تسريبات إعلامية إلى أن ترامب أبدى قلقاً من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين في لبنان، ومن أسلوب إدارة العمليات العسكرية في بيروت، ما دفعه بحسب التقرير ، إلى استخدام أوصاف حادة بحق نتنياهو، بينها وصفه بـ”المجنون”، في سياق انتقاد سياسة التصعيد.
في المقابل، تحاول الإدارة الأمريكية إعادة ضبط الإيقاع السياسي، مؤكدة أن القرارات العسكرية والسياسية في المنطقة تبقى تحت قيادة واشنطن، وليس أي طرف آخر. كما يحرص ترامب في تصريحاته العلنية على التأكيد أن نتنياهو “يتصرف بشكل جيد”، في محاولة لاحتواء التوتر ومنع تفاقمه إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة.
ويأتي هذا التوتر في وقت حساس بالنسبة للولايات المتحدة، التي تستعد لسلسلة مناسبات وطنية كبرى، ما يجعل أي اضطراب خارجي عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد السياسي الداخلي.
وفي ظل هذه التطورات، يرى مراقبون أن الخلاف بين ترامب ونتنياهو، حتى وإن لم يعلن رسمياً كأزمة دبلوماسية، يعكس تحولاً أعمق في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، حيث لم تعد قائمة فقط على التحالف التقليدي، بل باتت تخضع لتقاطعات السياسة الداخلية الأمريكية وحسابات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.