منذ أن عرف الإنسان معنى القوة، ارتبط التاريخ بصراع الإرادات، حيث سعى القوي دائمًا إلى إخضاع الضعيف، وفرض السيطرة عليه، ونهب موارده، والتحكم في مصيره. هكذا تشكلت الإمبراطوريات، وهكذا قامت الحروب، وهكذا كافحت الشعوب عبر القرون دفاعًا عن أرضها وكرامتها وحقها في تقرير مصيرها. من الحركات الاستعمارية الأولى، إلى الاحتلال العسكري المباشر، إلى الحروب العالمية الأولى والثانية، مرورًا بحروب فيتنام، وأمريكا اللاتينية، وآسيا وإفريقيا… ظل منطق “القوة فوق الحق” هو القاعدة غير المعلنة في النظام الدولي.

ومع نهاية حقبة الاستعمار الكلاسيكي، لم تغادر الهيمنة المشهد، بل غيرت أدواتها. خرج الاستعمار من الباب، وعاد من النافذة. مُنحت الدول استقلالها شكليًا، لكنها كُبلت اقتصاديًا، ورُبطت ثقافيًا، وارتهنت قراراتها السياسية والاقتصادية بما يُعرف اليوم بالتبعية. تُركت الشعوب ترفع أعلامها، فيما تُدار ثرواتها من الخارج، وتُرسم سياساتها في العواصم الكبرى.

وفي هذا السياق، ابتُليت كثير من الدول بما سُمّي “أنظمة دكتاتورية”، وفق توصيف القوى الكبرى نفسها، لتتحول هذه التهمة إلى شماعة جاهزة للتدخل، والحصار، والعقوبات، والقوائم السوداء، والتدخل العسكري. لم تكن الديمقراطية يومًا هدفًا حقيقيًا، بقدر ما كانت أداة ضغط وانتقاء. فمن كان مطيعًا سُميت ممارساته “خصوصية ثقافية”، ومن تمرد ورفض الخضوع وُصم بالاستبداد، وأُدرج في خانة الأعداء.

سياسات الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، لم تُبنَ يومًا على مبادئ أخلاقية خالصة، بل على حسابات مصالح باردة. حروب، حصارات، انقلابات، دعم أنظمة، إسقاط أخرى، إشعال نزاعات، تجفيف اقتصادات… كل ذلك تحت عناوين براقة: نشر الديمقراطية، حماية حقوق الإنسان، مكافحة الإرهاب، إحلال السلام. لكن الواقع يقول إن هذه السياسات لم تُنتج سلامًا، ولا ازدهارًا، بل مزيدًا من الفوضى، والتخلف، والارتهان، والانقسام.

وليس من قبيل الصدفة أن تبقى الدول الفقيرة فقيرة، والغنية أكثر غنى. فسياسات الإفقار، وإغراق الدول في الديون، وربطها بالبنك الدولي وصندوق النقد، وفرض برامج اقتصادية قاسية، وفتح أسواقها قسرًا، كلها أدوات حديثة للهيمنة. حين تُحاصر دولة اقتصاديًا، وتُمنع من تطوير صناعتها، وتُغلق أمامها أبواب التكنولوجيا، ثم يُطلب منها أن “تتطور”، فإن ذلك ليس إلا سخرية سياسية مغلفة بالنصائح.

أما صراعات الدول الكبرى، فهي ليست صراعات قيم، بل صراعات نفوذ. تُخلق الأزمات، وتُدار الحروب بالوكالة، وتُشعل النزاعات الطائفية والعرقية، ليُعاد رسم الخرائط بما يخدم موازين القوة. الطاقة، الموارد، الممرات، الأسواق… كلها دوافع حقيقية، أما الشعارات فليست سوى ستار.

وفي قلب هذا المشهد، جاءت إدارة ترامب لتسقط الأقنعة. لم يأتِ ترامب بسياسة جديدة بقدر ما جاء بلغة جديدة. قال ما كان يُقال همسًا، وفعل بوقاحة سياسية ما كان يُفعل بلباقة دبلوماسية. “أمريكا أولًا” لم تكن مجرد شعار انتخابي، بل إعلان صريح عن أن المصالح الأمريكية تعلو على كل اعتبار، وفوق القانون الدولي، وفوق القيم، وفوق الحلفاء قبل الخصوم.

سياسات ترامب تجاه العالم لم تعرف حليفًا دائمًا ولا عدوًا ثابتًا. الجميع تحت الضغط، الجميع قابل للابتزاز، الجميع ورقة في صفقة. أوروبا، الصين، روسيا، العالم العربي، أمريكا اللاتينية، إفريقيا… لا استثناء لأحد. عقوبات بالجملة، تهديدات مفتوحة، انسحاب من الاتفاقيات، استخفاف بالمؤسسات الدولية، استهزاء بالقانون الدولي. عالم يُدار بمنطق التاجر لا رجل الدولة، وبعقلية الصفقة لا فلسفة النظام.

ومن أبرز الأمثلة العملية على أسلوب ترامب في الهيمنة، ما حدث في فنزويلا. فقد اعتُبرت أمريكا اللاتينية دائمًا منطقة نفوذ أمريكية، لكن إدارة ترامب أعادت تأكيد هذه الحقيقة بأسلوب مباشر، عبر فرض عقوبات مشددة على النفط الفنزويلي، واستهداف الاقتصاد بشكل كامل، وقطع مصادر التمويل عن الدولة، ودعم المعارضة للضغط على الحكومة الشرعية.

الهدف الأمريكي هنا مزدوج:

أولًا، تأمين النفط لدعم مصالح الولايات المتحدة وموازنة سياساتها في مواجهة خصومها الاستراتيجيين، مثل الصين وروسيا، والأهم إيران التي قد تكون الهدف القادم للضغط الاقتصادي والسياسي.

ثانيًا، إرسال رسالة واضحة للدول المنتجة للنفط بأن السيطرة على هذا المورد الحيوي ليست خيارًا مفتوحًا، وأن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على التأثير في الأسعار والأسواق، مما يترك تأثيرًا مباشرًا على اقتصاديات هذه الدول، بما في ذلك دول الخليج.

بهذه السياسات، لم يكن الضغط على فنزويلا مجرد قضية داخلية أمريكية، بل جزء من إعادة ترتيب النفوذ العالمي وتأمين الموارد الاستراتيجية لصالح الولايات المتحدة، بطريقة تظهر مرة أخرى أن الهيمنة الأمريكية تمتد إلى كل زاوية فيها مصالحها الحيوية.

وفي هذا السياق، يخطئ من يعتقد أن ما قامت به إدارة ترامب يمثل سياسة أمريكية جديدة أو انحرافًا عن النهج التقليدي. الحقيقة أن ترامب لم يبتكر مسارًا مختلفًا، بل كشف المسار القائم. فالسياسة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قائمة على السيطرة، ومنع الخصوم، والتحكم في الموارد، وإخضاع الدول الضعيفة، وإدارة العالم من موقع القوة. تغيّرت الإدارات، وتبدلت الوجوه، وتنوعت الشعارات، لكن الجوهر واحد.

الفرق أن الإدارات السابقة كانت تُغلف هذه الهيمنة بلغة القيم، وتسوّق تدخلاتها بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان وحماية الشعوب، بينما جاء ترامب فمارس السياسة نفسها بوجه مكشوف، وبلا دبلوماسية، وبلا أقنعة. لم يعد يبرر، ولم يعد يجمّل، ولم يعد يختبئ خلف المؤسسات الدولية. قال بوضوح: أمريكا أولًا، وتصرف على هذا الأساس، دون اعتبار لحليف أو خصم، ودون احترام لقانون دولي أو توازن دولي.

وعليه، فإن الحديث عن أن “لكل إدارة سياستها” حديث مضلل. الأدق أن نقول:

لكل إدارة أدواتها، أما السياسة فواحدة.

الهيمنة ثابتة، التدخل ثابت، فرض الإرادة ثابت… الذي يتغير فقط هو الأسلوب. ترامب لم يشذ عن العقيدة الأمريكية، بل عبّر عنها بصراحة صادمة، وكشف ما كانت الإدارات السابقة تخفيه تحت عباءة الخطاب الناعم.

هذا المسار يقود العالم إلى مزيد من الحروب، الفوضى، الهجرة، والتطرف، وعالم أقل استقرارًا وأكثر توحشًا. ولم يعد الحديث عن إعادة صياغة ميثاق دولي جديد ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة تاريخية، لضمان وجود نظام دولي عادل، قانون يُطبق على الجميع، وعدالة لا تُشترى ولا تُختطف.

إن إدارة ترامب لم تكن مجرد محطة سياسية، بل كانت جرس إنذار. إنذار بأن الهيمنة لم تعد تخجل، وأن القوة لم تعد تتوارى، وأن “أمريكا أولًا” قد تعني في جوهرها “العالم أخيرًا”. وحين تسقط القيم من ميزان السياسة، لا يبقى أمام الشعوب إلا أن تدفع الثمن، إلا إذا تحركت لإعادة بناء توازن عالمي يحمي الضعيف ويقيد المتسلط.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

المصدر

المصدر: عين ليبيا

كلمات دلالية: الولایات المتحدة إدارة ترامب لم یعد

إقرأ أيضاً:

خلفًا لتولسي غابارد..ترامب يكلّف بيل بولتي بقيادة الاستخبارات الوطنية مؤقتًا

أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تعيين رئيس وكالة تمويل الإسكان الفيدرالية الأمريكية، بيل بولت، مديرًا مؤقتًا للاستخبارات الوطنية، في خطوة أثارت اهتمام الأوساط السياسية والأمنية داخل الولايات المتحدة، نظرًا لخلفيته المهنية المرتبطة بالقطاع المالي والإسكان أكثر من ارتباطها بمجال الأمن القومي والاستخبارات.

وجاء الإعلان عبر منصة "تروث سوشيال"، حيث أوضح ترامب أن بولتي سيحتفظ في الوقت نفسه بمنصبه مديرًا لـوكالة تمويل الإسكان الفيدرالية (FHFA)، إضافة إلى رئاسته لمؤسستي التمويل العقاري المدعومتين من الحكومة الأمريكية.

بعد 94 يوماً من التأجيل.. إيران تعلن مكان تشييع ودفن خامنئيلبنان.. كاتس يزعم حصول إسرائيل على ضوء أخضر أمريكي لضرب بيروت

 وأشاد ترامب بخبرته في إدارة الملفات الحساسة والإشراف على أصول تتجاوز قيمتها 10 تريليونات دولار، معتبرًا أن خبراته الإدارية والمالية تؤهله لتولي المنصب بصورة مؤقتة.

ويأتي هذا التعيين عقب إعلان مديرة الاستخبارات الوطنية السابقة تولسي جابارد استقالتها من المنصب، مشيرة إلى ظروف عائلية مرتبطة بالحالة الصحية لزوجها الذي يعاني من نوع نادر من سرطان العظام. ومن المقرر أن تدخل استقالتها حيز التنفيذ في نهاية يونيو الجاري.

وكان ترامب قد أعلن في وقت سابق أن نائب غابارد، سيتولى مهام المدير بالإنابة بعد مغادرتها المنصب، إلا أن القرار الجديد قضى بإسناد المهمة إلى بولتي، ما يعكس تغييرًا في ترتيبات الإدارة الأمريكية الخاصة بقيادة مجتمع الاستخبارات خلال المرحلة المقبلة.

وتُعد الاستخبارات الوطنية الأمريكية جهازًا تنسيقيًا يشرف على 18 وكالة ومؤسسة استخباراتية، وتتمثل مهمتها في تنسيق الجهود الاستخباراتية وتقديم التقديرات الأمنية للرئيس وصناع القرار في واشنطن.

وأثار اختيار بولتي تساؤلات في الأوساط السياسية الأمريكية بسبب غياب الخبرة المباشرة في ملفات الأمن القومي والاستخبارات، إلا أن مؤيدي القرار يرون أن خبرته الإدارية وقدرته على إدارة مؤسسات ضخمة وملفات مالية معقدة قد تساعده في إدارة الجهاز مؤقتًا حتى يتم اختيار مرشح دائم للمنصب. وفي حال ترشيحه رسميًا لتولي المنصب بصورة دائمة، فسيحتاج إلى موافقة الكونجرس وفق الإجراءات الدستورية المعمول بها.

ويأتي هذا التغيير في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات أمنية واستخباراتية متزايدة على المستويين الداخلي والخارجي، ما يجعل منصب مدير الاستخبارات الوطنية أحد أكثر المناصب حساسية وتأثيرًا داخل الإدارة الأمريكية.


 

طباعة شارك ترامب الاستخبارات الأمريكية تولسي جابارد امريكا

مقالات مشابهة

  • باحثة دولية: التطورات الأخيرة غيرت ميزان القوة لصالح الجانب الإيراني
  • كيف يستطيع العالم أن يفعل أكثر بموارد أقل؟
  • عُمان الشامخة
  • كاسيميرو: البرازيل ليست المرشح الأول لكأس العالم 2026 رغم القوة والطموح
  • غارات إسرائيلية استهدفت البرج الشمالي.. وسقوط جرحى
  • خلفًا لتولسي غابارد..ترامب يكلّف بيل بولتي بقيادة الاستخبارات الوطنية مؤقتًا
  • تركيا: التدخل الإسرائيلي المستمر في لبنان قد يعصف بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية
  • انطلاق القمة الروحية في دار طائفة الموحدين الدروز.. أبي المنى: لن ننقل السياسة إلى الطاولة
  • ما تفسير قرار الإدارة الأمريكية بتغيير منصب توم برّاك في سوريا؟
  • البنتاجون يُخطط للانسحاب الجزئي للقوات الأمريكية من نظام الدفاع الأوروبي