الإمارات تعزّز البيئة الحضرية الداعمة للأسرة
تاريخ النشر: 12th, January 2026 GMT
هالة الخياط (أبوظبي)
تواصل دولة الإمارات، تطوير نموذج حضري متقدّم، يستند إلى دعم جودة الحياة للأسرة والمجتمع، من خلال سياسات تخطيط عمراني مبتكرة، ومشاريع مرافق عامة ومساحات خضراء ومسارات نشطة للمشي وركوب الدراجات الهوائية، تمثّل اليوم أحد أبرز مرتكزات المدن المتقدمة والصديقة للأسرة.
ويأتي هذا الاهتمام المتزايد في سياق رؤية أوسع، تؤكّد أن الأسرة هي محور التنمية الاجتماعية وركيزة رأس المال البشري، وهو ما تتقاطع معه مبادرات الدولة في العام الجاري «عام الأسرة»، الذي سيشهد زخماً في المشاريع والمبادرات الهادفة إلى تمكين الأسرة ورفع جودة الحياة وتعزيز أنماط العيش الصحي.
تخطيط حضري
وشهدت السنوات الأخيرة في الإمارات، تحولاً نوعياً في فلسفة التخطيط الحضري، انتقل من التركيز التقليدي على البنية التحتية العمرانية والخدمية وحدها إلى اعتماد نماذج متكاملة تضع الأسرة في قلب المشهد الحضري.
ويتجسّد ذلك في تصميم الأحياء السكنية الحديثة، مع مراعاة وجود حدائق وممرات للمشاة ومناطق مخصّصة للأطفال والشباب وكبار المواطنين، ومرافق مجتمعية تجمع بين البُعد الترفيهي والصحي والثقافي، إلى جانب تعزيز الاتصال بين المساحات المفتوحة والمباني السكنية لضمان سلامة الحركة وتنشيطها.
وفي هذا الإطار، لم يعُد مفهوم الحديقة اليوم مجرد مساحة للترفيه، بل عنصراً محورياً في الصحة النفسية والاجتماعية والبدنية، وأداة لزيادة معدّل الأنشطة الخارجية، فضلاً عن إسهامها في تحسين البيئة المناخية عبر امتصاص الانبعاثات وتحسين جودة الهواء، وهو من العناصر التي انعكست على خطط الإمارات الرامية لتحقيق الاستدامة.
متنفس صحي للأسرة
وتعتبر الحدائق العامة والمساحات الخضراء، من أبرز المظاهر الحضارية، التي أعادت دولة الإمارات عبرها تشكيل العلاقة بين المجتمع والبيئة الطبيعية. وشهدت مختلف إمارات الدولة، إنشاء مئات الحدائق الحديثة وتطوير القديمة منها لتلبية احتياجات الأسرة عبر مرافق تقدم خيارات ترفيهية وصحية أكبر.
وتنطوي هذه الحدائق على مكوّنات تخدم فئات عمرية متعددة، بما يشمل مناطق ألعاب الأطفال بمواصفات أمان معتمدة عالمياً، وملاعب رياضية شبابية، ومسارات للجري والمشي، ومساحات جلوس عائلية، ومناطق مخصّصة لأصحاب الحيوانات الأليفة، إضافة إلى مقاهٍ وخدمات تتيح للأسرة قضاء ساعات ممتعة خارج بيئة المراكز التجارية والمرافق المغلقة. هذه العناصر ساهمت في تعزيز مفهوم «الترفيه الأسري في الهواء الطلق»، الذي يعود بفوائد مباشرة على صحة الأطفال ونشاطهم البدني وصحة البالغين وكبار المواطنين. كما توفّر بعض الحدائق في الإمارات برامج وأنشطة موسمية تفاعلية موجهة للأسرة، تشمل فعاليات رياضية وأنشطة ثقافية وورشاً تعليمية للأطفال، في إطار دعم دور المساحات الخضراء كمراكز اجتماعية تسهم في جمع أفراد المجتمع وتعزيز الروابط الأسرية.
المسطحات الخضراء
ولا تقف المساحات الخضراء عند حدود الحدائق العامة، بل تشمل المسطحات الخضراء المنتشرة في الأحياء والساحات والطرق، والتي تمثّل بُعداً جمالياً وبيئياً واقتصادياً. وتشير تجارب المدن الدولية إلى أن زيادة المساحات الخضراء ترتبط بتحسين الحالة النفسية العامة للسكان، وتقليل مستويات التوتر والاكتئاب، وتعزيز اللياقة البدنية، وتحسين الأداء الدراسي للأطفال نتيجة ارتباط اللعب في الهواء الطلق بتنمية القدرات المعرفية.
ونجحت الجهات الاتحادية والمحلية في الدولة بتوظيف التكنولوجيا، واستخدام أنواع نباتية ملائمة للبيئة، وتطوير أنظمة ري مستدامة، لتوفير هذه المساحات ضمن بيئة حيوية قابلة للاستخدام معظم فترات العام. وتشكّل هذه الجهود جانباً من رؤية الدولة للمدن الذكية والمستدامة التي تدعم الصحة ورفاه الأسرة وتحقق التوازن بين الإنسان والطبيعة.
مسارات المشي والدرّاجات الهوائية
ويشكّل تطوير مسارات المشي وركوب الدراجات الهوائية، أحد أبرز ملامح التطوير الحضري الذي يخدم الأسرة في الإمارات، بوصفه بنية تحتية لا توفّر الترفيه فحسب، بل تشجع على ممارسة النشاط البدني بصورة يومية. وتوافقاً مع التوصيات العالمية، التي ترى أن النشاط البدني المنتظم جزء أساسي من نمط الحياة الصحي، حيث تبنّت الدولة مشاريع نوعية تتضمن مسارات درّاجات ممتدة تربط مناطق سكنية ومرافق عامة وحدائق ومسارات رملية وجبلية.
وأصبحت هذه المسارات اليوم، جزءاً من مشهد المدن الإماراتية، حيث تتضمن مسارات حضرية محمية ومظللة في بعض المناطق، ومسارات طبيعية في مناطق أخرى تتيح تجارب مختلفة للعائلات والشباب، فضلاً عن توفير خدمات مرافقة مثل مواقف الدرّاجات، ومحطات لشرب المياه، والاستراحات، وأحياناً مراكز لتأجير الدراجات، بما يسهّل دخول الأسر إلى عالم الدراجات الرياضية بطريقة آمنة.
ويؤكد المتخصصون أن هذه المسارات ليست مجرد مرافق ترفيهية، بل أداة صحية واقتصادية وبيئية، إذ تقلل الاعتماد على المركبات الخاصة، وتحد من الانبعاثات، وتعزز الصحة البدنية، وتمنح الأطفال والشباب خيارات بديلة عن الجلوس المطوّل أمام الأجهزة الإلكترونية، وبذلك تسهم في تحسين المؤشرات الصحية العامة مثل السمنة وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم.
صحة الأسرة
وجاءت هذه المشاريع بما يتوافق مع توجهات الدولة المرتبطة باستراتيجيات جودة الحياة الوطنية، والتي تؤكد على ضرورة توفير بيئات عمرانية واجتماعية داعمة للأسرة. وتتضمن هذه الاستراتيجيات معايير دقيقة تتعلق بصحة المجتمع وتغذيته ونمط معيشته والوقت المخصّص للأنشطة الخارجية والرياضة، إضافة إلى البعد البيئي والثقافي.
كما تأتي هذه الجهود ضمن منظومة سياسات داعمة، مثل الأجندة الوطنية لنمو الأسرة، والتوجهات الحكومية الخاصة بنمط الحياة الصحي، والمبادرات المرتبطة بالصحة الوقائية وتقليل عوامل الخطر المرتبطة بالأمراض المزمنة.
وعلى المستوى الدولي، تأتي هذه الجهود متماشية مع توجهات منظمة الصحة العالمية التي تشير إلى أن التخطيط الحضري الصحي، يساهم في خفض معدلات الأمراض المزمنة بنسبة ملحوظة، ويعزز الصحة النفسية والاجتماعية.
عام الأسرة
وبالتزامن مع الإعلان عن «عام الأسرة» في الإمارات، برزت أهمية تسليط الضوء على البيئة العمرانية والاجتماعية التي تحتضن الأسرة وترفدها بعوامل الاستقرار والرفاه. وبالنظر إلى أن الأسرة ليست وحدة اجتماعية فحسب، بل منظومة عاطفية وصحية وتعليمية واقتصادية، فإن توفير مرافق داعمة لها يعزز من تماسكها وجودة حياتها، ويؤسّس لأجيال قادرة على أداء أدوارها التنموية.
كما يشكّل «عام الأسرة» محطة لإبراز ما تم إنجازه على صعيد البنية التحتية الاجتماعية والرياضية والترفيهية، وتطوير معايير جديدة للمدن الصديقة للأسرة، بما يشمل توفير ممرات آمنة للمشاة، ومرافق مهيأة لذوي الاحتياجات، ومساحات عامة تتيح التفاعل بين أفراد المجتمع وتساعد على بناء جسور التواصل الإنساني بين السكان. ومن خلال الحدائق والمساحات الخضراء والمرافق العامة ومسارات المشي والدراجات الهوائية، صنعت الإمارات نموذجاً حضرياً ينسجم مع قيم المجتمع ويعزز صحته ويستجيب لتطلعات أجياله الصاعدة.
وإذا كان العالم اليوم يتجه إلى تطوير مدن أكثر إنسانية وصديقة للأسرة، فإن الإمارات تقدّم مثالاً عملياً على أن جودة الحياة ليست رفاهية، بل جزءاً من استراتيجية وطنية شاملة لبناء مجتمع متماسك يتمتع بنمط حياة صحي، يعزز الإنتاجية والاستدامة ويضع الإنسان والأسرة في قلب التنمية.
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: عام الأسرة الإمارات التنمية الحضرية جودة الحياة المساحات الخضراء التنمية العمرانية البنية التحتية المساحات الخضراء فی الإمارات جودة الحیاة عام الأسرة
إقرأ أيضاً:
يوم البيئة وزمن الدوران
فى عام 1972، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 5 يونيه يومًا عالميًا للبيئة وذلك فى ذكرى افتتاح مؤتمر استكهولم حول البيئة الإنسانية، وجاء هذا اليوم كرد فعل لفاجعة حدثت عندما مرت الولايات المتحدة الأمريكية فى صراع سياسى واقتصادى بسبب الحرب مع فيتنام، حيث كلفت عجلة دوران اقتصادها إلى الأمام دوران عجلة الصحة البيئية إلى الخلف، بسبب الاستهلاك المكثف للغاز والمصانع، ثم أتت الكارثة الإنسانية فى عام 1969 بتسرب أكثر من 3 جالونات نفط فى المحيط الهادى وأدى ذلك لوفاة الكثير من الكائنات الحية. كل هذه الأمور أدت لتشكيل ما يعرف باسم يوم الأرض العالمى، ثم تطور إلى يوم البيئة والذى يركز فى الأساس على تمكين الأفراد والمجتمعات للتحرك بشكل مباشر لحماية البيئة، والتحول إلى الطاقة النظيفة، ومواجهة أزمات تغير المناخ. وفى دراسة نشرها مركز بيو للأبحاث حول أكثر الأخطار تهديدًا، كان التغير المناخى هو الأكثر تهديدًا بحسب إجابات المستطلعين، متقدما على خطر تنظيم الدولة، والهجمات الإلكترونية، وغيرها من المخاطر. وبعد ما يقرب من خمسة وخمسين عامًا من تدشين يوم البيئة العالمى برعاية الأمم المتحدة عصفت بكوكب الأرض ثلاث أزمات هى: تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، وتفاقم مشكلة التلوث والنفايات على مستوى العالم. ومن وجهه نظرنا فإن معرفة الأسباب لا بد أن تسبق طرح الحلول، وهذه الأسباب تكمن من وجهة نظرنا فى الآتى: أولا : أن طريقة استهلاكنا لموارد كوكبنا المحدودة تتم بصورة عبثية، حيث تتجاوز معدلات الاستهلاك القدرة التجددية للأرض، ما يؤدى إلى استنزاف المياه، الغذاء، والطاقة، حتى مع المطالبة بالتحول نحو "الاقتصاد الدائري" والاعتماد على الطاقة المتجددة كانت الاستجابة الدولية ضعيفة. ثانيًا: عدم ايمان مجتمع الأعمال بضرورة اعتماد وتطوير نماذج عمل أكثر مراعاة للبيئة، لاسيما وأن اعتماد نماذج أعمال مستدامة بيئيًا لم يعد خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة استراتيجية حتمية لضمان البقاء والنمو فى ظل التحديات المناخية المتسارعة وتشريعات الاستدامة العالمية. ثالثًا: ضعف الوازع المجتمعى بتحفيز المزارعين والمصنعين لتطبيق طرق إنتاج مستدامة. وخاصة بعد أن تبين أن تحفيز المزارعين والمصنعين لتطبيق أساليب إنتاج مستدامة أصبح أمرًا ضروريًا لضمان الأمن الغذائى، حماية الموارد الطبيعية، ومواجهة التغير المناخى، ما يسهم فى خفض تكاليف التشغيل على المدى الطويل، فتح أسواق جديدة للمنتجات الصديقة للبيئة، وتحسين جودة الحياة للأجيال الحالية والقادمة. رابعًا: محدودية دعم الحكومات للاستثمار فى إصلاح البيئة، حيث أكدت العديد من الدراسات الدولية أن الاستثمارات البيئية تعان فجوة تمويلية تتطلب مضاعفة التدفقات الحالية للحلول القائمة على الطبيعة لتصل إلى قرابة 572 مليار دولار أمريكى سنويًا. وترجع محدودية الدعم الحكومى فى هذا القطاع إلى أولويات الإنفاق، حيث تمثل الاستثمارات الضارة بالطبيعة أضعاف الاستثمارات الموجهة لحمايتها، كما أن العديد من الدول النامية تتعرض لضغوط مجتمعية مستمرة لتوفير فرص العمل والنمو الصناعى، ما يدفعها أحيانًا لتخفيف المعايير البيئية لتشجيع الاستثمار التقليدى، كما تفتقر الكثير من الدول النامية أيضًا إلى الأنظمة المالية الدقيقة لتسعير "خدمات النظام البيئي" (مثل امتصاص الكربون وتوفير المياه النظيفة)، ما يصعب معه تقييم العائد الاستثمارى للمشاريع الخضراء. خامسًا: تدنى خلق وعى بين جيل الطلاب والشباب لبناء مستقبل أكثر مراعاة للبيئة. حيث يمثل تدنى الوعى البيئى بين الشباب والطلاب تحديًا جوهريًا، ولتجاوز ذلك يتم حاليًا دمج برامج "التعليم الأخضر" فى المناهج وتفعيل المشاركة المجتمعية عبر منصات العمل التطوعى لتوجيه طاقاتهم نحو الاستدامة والاقتصاد الأخضر. وبالتالى فقد أصبح دمج الممارسات فى التعليم، تمكين المبادرات الشبابية، ودعم الجهود المجتمعية أمرا ضروريًا وهو ما سنتناوله فى المقال المقبل إن شاء الله.
رئيس المنتدى الاستراتيجى للتنمية والسلام