كبار السن خارج حسابات صناع الدراما.. يحيى الفخراني الأبرز
تاريخ النشر: 12th, January 2026 GMT
حينما قال الفيلسوف الألماني «فريدريك نيتشه»: ما نسميه أفولاً، ليس إلا عجز أعيننا عن احتمال الضوء حين يتغير شكله، ربما لم يكن وقتها ناظراً للسماء والنجوم والأقمار، وإنما كان يقصد ما هو أبعد بكثير، ولنتأمل المعنى حين تسقط شهب الكلمات في سماء الفن، ونفاجأ بإطلاق ألقاب وأحكام قاسية على أي فنان أو فنانة ظهرت على وجهه «تجعيدة»، أو أطلت في رأسه شعرة بيضاء، ربما وضعناه حينذاك على رف بعيد لا تكاد تطاله الأيدي، برغم أننا في أشد الحاجة إليه.
ومنذ أيام، حين تساءلت الفنانة القديرة سهير المرشدي: «الدنيا ليست للشباب فقط، وكبار السن لهم دور في المجتمع، فلماذا لا تكبر أدوار الفنانين كلما كبروا في السن»، لم يكن مجرد سؤال عابر، وإنما صرخة من قلب جريح، أنهكه الانسحاب القسري من المشهد، وحين تطلب إيزيس المسرح العربي دورا يليق بامرأة على أعتاب الثمانين، علينا أن نشعر بـ"عار اللامبالاة"، خاصة أن صيحات مشابهة، أطلقها فنانون كبار بحجم عبد الرحمن أبو زهرة، صفية العمري، نجوى فؤاد، وفاروق فلوكس، وآخرين، طلبوا الاهتمام قبل أن يرحلوا، ويلحقوا بزملائهم ممن كانوا في شبابهم نجوما ساطعة واضطروا في نهاية الرحلة إلى قبول أدوار صغيرة، مثل محمود الجندي، وفاروق الفيشاوي، ورجاء حسين، وآخرين.
وبعد أن كشفت خريطة دراما رمضان 2026، استبعاد مسلسلات كبار النجوم: يحيى الفخراني، يسرا، محمد هنيدي، وخالد النبوي، ولأن الدراما الضعيفة هي التي تعتمد على منطق الصدفة، لم نقرأ بعين الصدفة، غياب من قادوا المشهد لسنوات، وتصدروا شاشات رمضان باعتباره موسم «الهيمنة»، وطرح خروجهم الجماعي سؤالاً قاسياً: «هل لم يعد السوق قادراً على استيعابهم؟ أم أن معادلة البطولة تغيّرت بالكامل؟».
في لحظة ما من العمر الفني، لا يخفت النجم فجأة، ربما يتحرك الضوء من مركز الكادر إلى أطرافه، حكاية أزلية مرتبطة بالزمن، تتكرر دورتها كل حين بإذنه، حيث يتم الدفع بالنجم بهدوء إلى الهامش، رويداً رويداً، بالتزامن مع تسلل التجاعيد والشعر الأبيض وارتعاشة الصوت، يشيخ الضوء وينزوي، ويولي البريق وجهه نحو نجوم وليدة، أكثر حيوية «أو هكذا يظنون»، وكأن الفن لا يرى شيخوخة مبدعيه، وكأن التقدم في العمر تحوّل من قيمة درامية إلى عبء إنتاجي، وكأن السوق لم يعد يرى النجوم الكبار كأبطال مؤثرين، بل كأسماء يتم استدعاؤها «شرفياً» فقط عند الحاجة، وكأن الدنيا للشباب فقط، كما قالت إيزيس!.
فهم بعض الكبار قواعد اللعبة الجديدة، ورضخوا لمنطق انتقال السلطة، واعتبروه سُنّة الحياة، غيّروا اتجاه البوصلة، وانحرفت خطواتهم عن مساراتها، تركوا منصات البطولة المطلقة، وارتضوا "مساندة نجوم الشباب"، تخلوا عن قيادة الحكاية واكتفوا بإضافة ثقل فني حتى لو ابتعد عن مركز الصراع الدرامي، والأمثلة كثيرة منها محمود حميدة، حسين فهمي، إلهام شاهين، ميرڤت أمين، خالد الصاوي، والراحل محمود ياسين، وغيرهم ممن أدركوا أن البطولة لم تعد تعترف بالتاريخ، بل بالقدرة على جذب الإعلانات والمنصات وشرائح عمرية "تحت السن"، أصبحت هي الجمهور المستهدف!..
هذا الجمهور المستهدف، هو الذي كرس فكرة التغيير، وكشف تحول الذائقة الجمعية، وفسّر كيف يمكن لمجموعة شباب صغار السن، أن يتخطوا حاجز المليار مشاهدة في مسلسل أوف سيزون بعنوان «ميد تيرم»، ليثبتوا أن الرهان الآن على السرعة، الإيقاع، الدماء الشابة، الملامح الجديدة، لا على الخبرة ولا النضج، ولا العمق التراكمي، ولا التاريخ، ولا حتى الذاكرة الوجدانية!.
صدق الأديب الفرنسي ألبير كامو حين قال:«أقسى ما في الزمن أنه لا يقتلنا دفعة واحدة، بل يجعلنا نشاهد أنفسنا ونحن نفقد أدوارنا»، والقضية هنا لا تتعلق بأسماء محددة، بل بهيكل صناعة كاملة، صناعة أصبحت تتعامل مع الشيخوخة كـ عيب بصري، لا كمرحلة حقيقية ومصيرية، وقيمة إنسانية، تكتفي بتقييدها في قوالب الحكمة المجردة الخالية من أي تأثير درامي، وفي الوقت الذي يبني صناع الدراما العالمية أعمالاً ضخمة على أكتاف كبار السن، يحملونهم إلى منصات جوائز أوسكار، مثل أنتوني هوبكنز، كلينت إيستوود، وجيسيكا تاندي، في الوقت نفسه، يصرّ صناع الدراما في بلادنا على تقبيلهم ووضعهم بجوار الحائط باعتبارهم "بركة"!.
وحين وصف الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر الزمن بأنه لا يمر بنا، بل نحن الذين نمرّْ به، ونترك أجزاءنا معلّقة على جدرانه، بدا كأنه قرأ قصص النجوم الكبار الذي تركوا بصمات غائرة على جدران الفن، وأثر خطوات عظيمة على خشبة المسرح، لتدهسهم السنون، ويُجبروا على التراجع، ويتحولوا من أبطال إلى ظلال باهتة، في سوق مزدحم متلاهث لا يلقي بالاً لتاريخ طويل، فالإنسان، كما قال الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، لا يُقهر حين يشيخ، بل حين يُعامَل وكأن تاريخه لم يكن!.
وأخيرًا، ليس من المنطق أن نسأل: «لماذا كبر النجوم؟»، ولكن آن الأوان أن نسأل السؤال الطبيعي الأهم: "لماذا صغرت الأدوار؟، وتحت شعار الفن مرآة المجتمع، يتجدد السؤال الذي طرحته «المرشدي»: «هل المجتمع شباب فقط؟»، هل أصبح المجتمع رافضا الاعتراف بالزمن؟ وبالتالي يستبعده الفن من الحسابات؟ هل تتراجع الكاريزما بمرور السنين أم تشعر بالخذلان فتتوارى عن الأعين ليطويها النسيان؟ هل تشيخ النجومية أم يهيل الفن عليها التراب لتنطفئ قسراً، بلا رحمة؟.
اقرأ أيضاًفي ذكراها.. «كريمة مختار» أيقونة الأمومة في السينما والدراما المصرية
أحمد عيد حاضر في دراما رمضان 2026 بـ «أولاد الراعي»
موعد عرض أولى حلقات مسلسل «لعبة وقلبت بجد» لـ أحمد زاهر والقنوات الناقلة
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: الدراما الفنانة القديرة سهير المرشدي خريطة دراما رمضان 2026
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026