أبو قيس والعيسري في حوار شعري متناوب بمهرجان ليالي مسقط
تاريخ النشر: 12th, January 2026 GMT
(عمان) أقيم مساء أمس أمسية شعرية جمعت بين القصيدة الفصيحة والشعر الشعبي ضمن فعاليات مهرجان ليالي مسقط على مسرح متنزه البحيرة بحديقة القرم الطبيعية، في لقاء احتفى بتنوّع الأصوات الشعرية العُمانية بمناسبة يوم تولي جلالة السلطان مقاليد الحكم وسط حضور جماهيري تابع فقرات الأمسية بتفاعل لافت، وجاءت الأمسية كحوار شعري متناوب حيث مثّل الشعر الشعبي الشاعر سالم بخيت المعشني (أبو قيس)، فيما مثّل القصيدة الفصيحة الشاعر حمود بن علي العيسري، وتناوب الشاعران إلقاء نصوصهما حيث قدم كل واحد منهم تجربة تقدمت بلغتها وخصوصيتها الجمالية، بينما قدّمت الأمسية الشاعرة بدرية البدري والتي لم تكتف بإدارة الفقرات والتعريف بالشاعرين، بل شاركت بإلقاء نصوص شعرية قصيرة بين كل شاعر وآخر، شكّلت جسورا وجدانية ربطت فقرات الأمسية ببعضها، وأسهمت في الحفاظ على وحدة الأمسية خصوصا في حضورها الوطني والوجداني.
وتنوّعت النصوص التي قدّمها الشاعر سالم المعشني (أبو قيس) بين الوطني والغزلي، مستندة إلى لغته الشعبية وإيقاعه المعروف، ومن بين النصوص التي ألقاها "يا راوية" وغيرها من النصوص التي استعادت علاقة الشاعر بالمكان والإنسان والذاكرة الوطنية.
في المقابل قدّم الشاعر حمود بن علي العيسري نصوصا من الشعر الفصيح ذات بعد وطني ووجداني بجزالة لغتها وتماسك بناءها، ومن بين النصوص التي ألقاها "سلاما لهيثم" ضمن قصائد حضرت فيها عُمان وقائدها كمركز للمعنى والرؤية.
أما نصوص مقدّمة الأمسية الشاعرة بدرية البدري فقد جاءت بمداخل شعرية قصيرة في حب عُمان، قُدّمت بين كل شاعر وآخر وأسهمت في إثراء الأمسية وإضفاء بعد تفاعلي عليها، حيث مثّلت صوتا ثالثا ينسج خيطا ناعما بين الفصيح والشعبي، وبين الإلقاء والتقديم.
وشهدت الأمسية تفاعلا من الجمهور الذي واكب تناوب القصائد وتنوّع موضوعاتها، في مشهد عكس حضور الشعر في الفضاء العام، وقدرته على استقطاب المتلقي ضمن فعاليات مهرجان ليالي مسقط، ووتأتي هذه الأمسية ضمن برنامج مهرجان ليالي مسقط، الذي يواصل تقديم فعاليات ثقافية وفنية متنوعة، ويؤكد حضوره كمنصة جامعة للإبداع العُماني، ومجالا مفتوحا لتلاقي التجارب الشعرية بمختلف أشكالها وأساليبها.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: النصوص التی لیالی مسقط
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..