تشهد محافظة تعز، منذ أيام، تصعيدًا لافتًا في وتيرة التهديدات والملاحقات الأمنية التي طالت صحفيين ونشطاء حقوقيين وإعلاميين، في سياق يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره محاولة منظمة لخنق الأصوات الناقدة وكبح أي حراك إعلامي يفضح الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق المواطنين في مناطق سيطرة سلطة الإخوان بالمحافظة.

ويأتي هذا التصعيد في ظل محاولات الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة لسلطة الإخوان استغلال حالة الطوارئ التي أعلن عنها رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي نهاية ديسمبر الماضي، لتحويلها من إجراء استثنائي مؤقت إلى أداة لتصفية الخصوم وإسكات المعارضين، بعيدًا عن الأهداف القانونية والأمنية التي شُرعت من أجلها.

شماعة الطوارئ

وبرز هذا النهج بوضوح مع اختطاف قوة أمنية تابعة للإخوان الناشط الإعلامي عبدالله فرحان الأسبوع الماضي، وإخفائه قسريًا على خلفية انتقاداته للأوضاع الأمنية والمعيشية في مدينة تعز، عقب إعلان حالة الطوارئ، في حادثة أعادت إلى الواجهة مخاوف جدية من عودة أساليب القمع الممنهج.

كما كشفت وثيقة أمنية جرى تداولها على نطاق واسع بين نشطاء، عن توجيهات صريحة باستغلال المادة (7) من قانون الطوارئ لفرض رقابة مشددة على وسائل التواصل الاجتماعي، ورصد المنشورات بدعوى "الإساءة للجيش"، وهو ما اعتبره مراقبون غطاءً قانونيًا هشًا لتصفية حسابات سياسية.

ووفقًا للوثيقة الصادرة عن شرطة تعز الخاضعة لسلطة الإخوان، فقد تم توجيه أوامر بضبط سبعة صحفيين ونشطاء، هم: عبدالله فرحان، عبد الخالق سيف، مكرم العزب، جميل الصامت، جميل الشجاع، عبد الستار الشميري، وأروى الشميري، بذريعة دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، رغم أن محافظة تعز لا تقع ضمن مناطق سيطرته.

وأفادت مصادر إعلامية في تعز أن السلطات الأمنية اعتقلت كلاً من جميل الصامت، وجميل الشجاع، وأروى الشميري، عقب صدور مذكرة الاعتقال، ووجهت لهم تهم تتعلق بـ"نشر منشورات تدعم المجلس الانتقالي والانفصال وتسيء إلى الجيش". 

وبحسب المصادر طالب الصامت والشجاع،قبيل تسليمهما نفسيهما واعتقالهما، بـ"فتح تحقيق حول صحة البرقية ومصدرها موضحَين أنهما سلّما نفسيهما لجهاز أمن الدولة باعتباره "جهة محايدة"، وذلك ضمن جهود وساطة قادها مستشار محافظة تعز، محمد الحريبي، حفاظًا على سلامتهما إلى حين استلام إشعارات رسمية وقانونية عبر الجهات المختصة، محذّرَين من استغلال حالة الطوارئ لتصفية حسابات سياسية ضدهما".

تكميم الأفواه

وحذّر عضو مجلس النواب علي المعمري من تراجع خطير يمس جوهر الحريات العامة في محافظة تعز، على خلفية حملة الاحتجازات والتحقيقات التي استهدفت عددًا من الصحفيين ونشطاء الرأي خلال الفترة الماضية.

وأكد المعمري، في منشور على صفحته الرسمية بمواقع التواصل الاجتماعي، أن هذه الإجراءات تمثل انقلابًا على الإرث التاريخي لتعز كمدينة عُرفت لعقود بأنها منبر للصوت الحر والتعددية، مشددًا على أن حرية الرأي والتعبير حقوق أصيلة يكفلها الدستور والقانون.

وأوضح البرلماني أن "مهما كانت الذرائع، لا يوجد أي مسوغ قانوني أو أخلاقي لاحتجاز صحفي أو ناشط بسبب رأي أو نقد لممارسات قائمة"، مضيفًا أن الدول لا تُدار بالخوف وتكميم الأفواه، وإنما بسيادة القانون واحترام الحق في الاختلاف.

وحذّر المعمري من أن المساس بحرية التعبير يشكل عبثًا بالصورة الوطنية لمدينة تعز ودورها الريادي، مؤكدًا أن أي محاولة لإدارة المدينة عبر القمع ستنعكس سلبًا على مكانتها السياسية والمدنية.

وطالب السلطات المحلية والأمنية في تعز بالإدراك الفوري لخطورة هذا المسار القمعي، والتوقف العاجل عن أي إجراءات تسيء لإرث الحريات في المحافظة، داعيًا إلى حماية الصحفيين والنشطاء بدلًا من ملاحقتهم، ومؤكدًا في ختام تصريحه أن الحفاظ على هوية تعز كمدينة للحرية مسؤولية جماعية تقع في مقدمتها السلطة الحاكمة.

تصفية حسابات

بدوره، عبّر الناشط الإعلامي جمال الصامت عن استغرابه الشديد من إدراج اسمه ضمن التعميم الأمني، معتبرًا أن ما يجري لا يهدف لمكافحة الجريمة، بل لتصفية حسابات سياسية تحت ذريعة حالة الطوارئ.

وقال الصامت، في منشور على حسابه في "فيسبوك"، إن تعدد الجهات التي طُلب منها القبض على صحفيين ونشطاء، رغم أن أماكنهم معروفة، يثير تساؤلات جدية، مشيرًا إلى أنه كان بالإمكان استدعاؤهم برسالة أو مكالمة هاتفية بدلًا من هذا الاستعراض الأمني.

وأضاف أن ساحات المدينة، وتحديدًا ساحة العدالة، تضم عشرات المطلوبين في قضايا جنائية مثبتة، صدرت بحقهم أوامر قبض قهرية لم تُنفذ، في مفارقة تعكس – بحسب قوله – انتقائية واضحة في تطبيق القانون.

وفي تطور قانوني لافت، تقدم المحامي عمر الحميري ببلاغ رسمي إلى النائب العام القاضي قاهر مصطفى، وإلى المحامي العام رئيس نيابة استئناف محافظة تعز، على خلفية ما وصفه بتجاوزات دستورية وقانونية جسيمة من قبل إدارة شرطة تعز.

وأوضح الحميري أن البرقية الصادرة عن قيادة السيطرة بشرطة تعز رقم (19) بتاريخ 05-01-2026، تضمنت توجيهات بضبط وحجز عدد من المواطنين بتهم جاهزة، دون تحقيق أو محاكمة، ودون استصدار أوامر قبض من النيابة المختصة.

وأشار إلى أن هذه الإجراءات تفتقر لأي سند قانوني، وتنطوي على تحريض علني وتعريض السلم الأهلي للخطر، فضلًا عن العودة إلى أسلوب "الرهائن" عبر احتجاز أقارب المطلوبين، كما حدث في واقعة نجل أروى الشميري، في انتهاك صريح لمبدأ شخصية العقوبة المنصوص عليه قانونًا.

نهج حوثي

من جانبه، قال السياسي البارز عبدالملك المخلافي إن الاعتقالات الجماعية التي طالت صحفيين ونشطاء في تعز، وفي هذا التوقيت الحساس، تثير تساؤلات جدية حول الرسالة التي تحاول السلطة المحلية إيصالها، وما إذا كانت تعكس توجهًا نحو تكميم الأفواه بدلًا من الالتزام بتوجيهات القيادة السياسية التي تؤكد التسامح وقبول الرأي الآخر.

وأشار المخلافي في منشور على صفحته في منصة "إكس" إلى خطورة التشبه بممارسات جماعة الحوثي، لا سيما في ما يتعلق باعتقال النساء والتنكيل بهن، كما حدث مع الصحفية أروى الشميري، معتبرًا أن هذه الممارسات تمثل انزلاقًا خطيرًا لا يخدم تعز ولا صورتها المدنية والإعلامية.

وأكد أن هذه الإجراءات لا تمثل سياسة الدولة، ولا تعكس توجهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي ولا مجلس الدفاع الوطني، ولا تمت بصلة للأهداف الحقيقية من إعلان حالة الطوارئ، محذرًا من أن الاستمرار في هذا النهج يقوّض الثقة بالمؤسسات الشرعية ويسيء لسمعة الحريات العامة وحرية الصحافة في البلاد.

المصدر

المصدر: نيوزيمن

كلمات دلالية: صحفیین ونشطاء حالة الطوارئ محافظة تعز أن هذه فی تعز

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • خطة طوارئ موسعة لتعزيز «الاستجابة الطبية» في الجنوب
  • القتال الصامت.. كيف أعاد الأمن السيبراني تشكيل مسار الحرب؟
  • غات.. اجتماع حكومي عاجل لبحث تداعيات «الأمطار الغزيرة»
  • عروسة الجنة.. وفاة وداد بأزمة صحية يوم كتب كتابها
  • الخنبشي يفتتح خدمات الطوارئ العامة والتوليدية بمركز جامعة حضرموت لطب الأسرة على مدار الساعة
  • الفلاح: القيادة العامة الضامن لأمن المواطن وحماية الوطن
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • الطلاق في قانون الأسرة الجديد.. لمن منح المشرع سلطة إيقاعه؟
  • استراتجية "الموت الصامت".. كيف غيرت الروبوتات ملامح الحرب الأوكرانية؟