عربي21:
2026-06-02@23:30:35 GMT

ترامب الكاوبوي الجيوسياسي

تاريخ النشر: 13th, January 2026 GMT

تفاجأ الكثيرون من الإجراءات الجيوسياسية العنيفة التي أقدمت عليها الإدارة الأمريكية بزعامة دونالد ترامب في فنزويلا، والآن تهدد بالسيطرة على جزيرة غرينلاند، في حين هذه القرارات تبقى عادية في مسار التاريخ الأمريكي، خاصة في ما يمكن تسميته بالفكر السياسي الأنجلوسكسوني.

نعم، كانت مشاهد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو صادمة يوم 3 يناير الجاري، لأنه اعتداء على دولة بمبرر مكافحة المخدرات، علما أن المخدرات التي تصل الى الأراضي الأمريكية من هذا البلد هي 1%.

في حين أن السبب الرئيسي هو حماية نظام البترودولار، تسعير النفط بالعملة الأمريكية، وإبعاد الصين عن أمريكا اللاتينية.

من باب المقارنة، تعتبر هذه العملية العسكرية بسيطة أمام الحرب التي شنتها إدارة جورج بوش الابن على العراق سنة 2003 وخلفت مئات الآلاف من القتلى، وترتب عنها الإرهاب في المنطقة، وغياب الاستقرار الذي يعاني منه جيلين. وقبل حرب الخليج الثانية، سنجد مغامرات فيتنام، وقبلها الحرب الأمريكية في كوريا.

والأمثلة كثيرة ومختلفة وفق السياقات التاريخية وثقل الحدث. منذ استقلالها، خاضت الولايات المتحدة أكثر من مئة حرب وعملية عسكرية في الخارج، كلفتها حوالي مليون و300 ألف جندي. واعتادت الولايات المتحدة اتخاذ تطبيق «مصلحة الأمن القومي للبلاد فوق أي اعتبار أخلاقي وقانوني». ولهذا رغم انتماء هذا البلد إلى الحلف الأطلسي، ورغم أنه يشكل ركيزته الأساسية، لم تتردد الإدارة الأمريكية الحالية في خلق حالة استثنائية وشاذة للغاية، وتتجلى في أن التهديد الذي يمس الآن أوروبا، خاصة الدنمارك مصدره واشنطن، بسبب رغبة البيت الأبيض في السيطرة على جزيرة غرينلاند.


الاهتمام بالجزيرة لا يقتصر فقط على ثرواتها، بل المحرك الرئيسي هو الخوف من سقوطها في يد الثنائي روسيا ـ الصين، خلال العقود المقبلة، ولن تكون لا الدنمارك ولا أوروبا قادرة على حمايتها.. ورغم رغبتها في السيطرة على الجزيرة منذ القرن التاسع عشر عندما أرادت شراءها، إلا أنها تحركت الآن بقوة، لا لطبيعة ترامب المغامرة سياسيا، بل لأن الخطر الصيني والروسي يقترب من غرينلاند التي تطل على الولايات المتحدة وكندا. ويبقى هدف الضغط الأمريكي هو لتحقيق هدفين، شراء الجزيرة أو ربطها بطريقة ما كدولة شريكة بالولايات المتحدة. والهدف الثاني هو عرقلة الخط البحري الروسي – الصيني عبر القطب الشمالي.

إن الفكر الجيوسياسي الأمريكي يقوم على تطبيق نظرية «القدر المتجلي» التي تبلورت في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وتجلت في الاعتقاد بأن الله أناط بالولايات المتحدة التوسع في شمال القارة الأمريكية لنشر الديمقراطية والنظام الرأسمالي.

وهذه النظرية هي عماد العلاقات الخارجية الأمريكية، ولم تعد جغرافيا تقتصر على القارة الأمريكية، بل امتدت إلى مناطق متعددة ومنها، محاولة ضم كندا سنة 1812 وبدء ضم الجنوب الأمريكي مثل تكساس ولويزيانا وكاليفورنيا، ثم حرب طرد إسبانيا من كوبا سنة 1898، حيث عمدت إلى طرد إسبانيا كذلك من الفلبين، واحتلت هذا البلد من 1898 إلى 1946. كما فكرت في نهاية القرن التاسع عشر في احتلال جزر الكناري وسبتة ومليلية. ورغم أن عقيدة مونرو سابقة في التسمية فقط لعقيدة «القدر المتجلي»، إلا أن الأولى مستوحاة من الثانية.

ولا يمكن استبعاد تدخل الولايات المتحدة في المستقبل القريب في مناطق أخرى، إذا اقتضت ضرورة الأمن القومي. وهذه الدينامية التي بدأتها سيتممها الرؤساء القادمون، بإيقاع مختلف ولو كانوا من الديمقراطيين، أو من التيار المعتدل للحزب الجمهوري، لأنها كلها مؤطرة ضمن محاصرة النفوذ الصيني الذي يهدد الريادة الأمريكية على العالم. وهذا يجر إلى الحديث على أن الحرب الباردة الجديدة، التي يتكهن البعض بحدوثها، قد بدأت بالفعل وقد انطلقت شرارتها منذ سنوات، وما يجري في فنزويلا عنوانها البارز الآن. وعليه، شكل العملية العسكرية الأمريكية ضد فنزويلا الانطلاقة الرسمية لهذه الحرب الباردة.

ويبقى الجديد في الحرب الباردة الجديدة، أنها تختلف عن سابقتها في القرن العشرين. هذه الأخيرة جرت بين الغرب بزعامة الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي زعيم المعسكر الشيوعي. غير أن الحرب الباردة الجديدة لا تقع بين الغرب والصين، بل تنفرد فيها الولايات المتحدة بالدفاع عن مصالحها بالأساس. ولهذا، نجدها تتفاوض مع روسيا لإنهاء الحرب في أوكرانيا، مما يخدم مصالح موسكو من جهة، وتتخذ قرارات احترازية ضد الصين في غرينلاند، بما في ذلك المساس بعضو من الحلف الأطلسي من جهة أخرى.

من ضمن الأصوات الناضجة في التحاليل الدولية، المدير الأسبق للمخابرات الفرنسية آلان جوييه، الذي قال الأسبوع الماضي في برنامجه على اليوتيوب، إنه «سيكون من السذاجة الاعتقاد بأن سياسة ترامب هي تصرفات كاوبوي، إدارته تدرك جيدا ما تفعل، فهي تبني الإمبراطورية الأمريكية حيث مناطق نفوذ تابعة لها بالقوة»، مشيرا إلى أن منطقة النفوذ الأولى هي أمريكا اللاتينية والكاريبي وكندا والآن غرينلاند.

ويشدد على أن «السياسة الواقعية وجيوبولتيك لا تعترف بالمصالح وليس الأخلاق أو القانون». وحتى لا نتفاجأ من غياب الأخلاق والقانون في السياسة الدولية، بل حتى الداخلية، نقدم مثالا لندرك مستوى بعض الإجراءات التي تقدم عليها الدول الغربية، ليس فقط في علاقاتها الدولية، بل حتى مع شعوبها إذا اقتضت ضرورة الأمن القومي، بما في ذلك تنظيم عمليات إرهابية. ولنتأمل هذه الوقائع جيدا: لمواجهة سيناريو احتلال الاتحاد السوفييتي لأوروبا، أنشأ الحلف الأطلسي والمخابرات الغربية في الستينيات منظمة «غلاديو» التي ستتولى عمليات المقاومة السرية ضد الغزو السوفييتي. وتطور الأمر إلى نهج استراتيجية «حالة التوتر الدائم» في بعض الدول الغربية، التي كان فيها الحزب الشيوعي قويا.

ثم انتقل الأمر إلى تنفيذ عمليات إرهابية في أوروبا، واتهام التيارات اليسارية بأنها المسؤولة، وكل هذا لتشويه صورة اليسار الشيوعي ومنعه من الوصول إلى السلطة خاصة في إيطاليا. ونفذت تيارات من غلاديو عمليات إرهابية سنة 1969 في ميلانو خلفت 17 قتيلا، ثم قامت بتفجير محطة بريشيا سنة 1974 وخلفت 8 قتلى، ونفذت عملية مماثلة في مدينة بولونيا سنة 1980 وخلفت مقتل 80 شخصا، وكانت أخطر عملية إرهابية في تاريخ إيطاليا. ولم تنج بلجيكا من سلسلة من عمليات إرهابية تعرف بعمليات برابانت ما بين 1982 إلى 1984، وخلفت 28 قتيلا. غلاديو التي بدأت كمخطط ضد الغزو السوفييتي، تحولت لاحقا الى سلاح ضد الديمقراطية، خاصة اليسار.

اعترفت إيطاليا رسميا بوقوف هذه المجموعة وراء العمليات الإرهابية، كما وصل التحقيق في بلجيكا إلى النتيجة نفسها. لكن هذا الملف ما زال يلفه الكثير من السرية باسم الأمن القومي الغربي. ويبرز كيف أن ضرورة الأمن القومي فوق القانون والأخلاق.

لهذا، عندما نطلع على التاريخ بما فيه القريب منا، ونعني القرن العشرين، يجب أن لا نتفاجأ، أو نستغرب مما يجري اليوم من حروب وتقتيل وانتهاكات وعودة الاستعمار في نسخة جديدة. لهذا، يجب عدم رؤية ترامب ككاوبوي ساذج، بل هو كاوبوي جيوسياسي يعمل وفق مخطط دقيق وذكي، وإن كان في مظهر شعبوي، وهدفه هو محاصرة النفوذ الصيني، الذي يهدد عرش واشنطن على العالم.

القدس العربي

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه ترامب فنزويلا غرينلاند مادورو فنزويلا مادورو غرينلاند ترامب مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة صحافة سياسة تغطيات سياسة رياضة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الولایات المتحدة عملیات إرهابیة الحرب الباردة الأمن القومی

إقرأ أيضاً:

وزير الخارجية الأمريكي: الولايات المتحدة لا تسلح المدنيين في إيران

أفاد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن الولايات المتحدة لا تسلح المدنيين في إيران بهدف الإطاحة بالجمهورية الإسلامية وسط الصراع في الشرق الأوسط.

انتخاب وزير خارجية بنجلاديش رئيسا للجمعية العامة للأمم المتحدة وكالة الطاقة الذرية: هناك تغير جوهري في تقييم برنامج إيران النووي

وأدلى روبيو بهذا التصريح خلال نقاش مع السيناتور تيد كروز، الجمهوري عن ولاية تكساس، خلال جلسات استماع لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ.

وأوضح روبيو أنه غير مطلع على "أي برنامج لتسليح المدنيين في إيران بهدف الإطاحة بحكومتهم".

وقال روبيو: "قد تقوم دول أخرى أو جهات أخرى بذلك، لكن من المؤكد أن حكومة الولايات المتحدة ليست من بينها".

وقدم روبيو تفاصيل حول المفاوضات مع إيران، قائلا إن "إيران سيتعين عليها تقديم تنازلات فيما يتعلق ببرنامجها النووي لكي تتوقع أي تخفيف للعقوبات من الولايات المتحدة".

وأشار إلى أن "أمن الملاحة في مضيق هرمز، يعتبر أولوية أمريكية هامة في المفاوضات مع إيران"، موضحا أنه "يجب فتح المضيق والولايات المتحدة لن ترفع الحصار إلا بتحقيق هذا الشرط".

هذا ونفى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توقف المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام الماضية، مؤكدا أن التواصل بين الطرفين لم ينقطع.

إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.

واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.

وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.

وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.

وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.

وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.

فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.

هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، اليوم الثلاثاء، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.


وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.


وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات. 

وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • روبيو: الولايات المتحدة لم تصل بعد إلى مبتغاها في فنزويلا
  • رويترز: إيران تدرس اتفاقا مقترحا لوقف الحرب مع الولايات المتحدة
  • وزير الخارجية الأمريكي: الولايات المتحدة لا تسلح المدنيين في إيران
  • جمود المفاوضات يُطيل أمد الحرب.. وجون بولتون: ترامب في مأزق حقيقي
  • طهران لا تثق في واشنطن وتتبنى نهجا صارما
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • جريمة قتل ضحيتها 4 أشخاص تهز الجالية اليمنية في الولايات المتحدة الأمريكية
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • البنتاجون يُخطط للانسحاب الجزئي للقوات الأمريكية من نظام الدفاع الأوروبي