مستقبل النظام الإيراني إلى أين؟
تاريخ النشر: 13th, January 2026 GMT
دخلت الاحتجاجات الإيرانية أسبوعها الثالث، وسط تصاعد لأعمال العنف، وبين تهوين داخلي وتهويل خارجي وبين نبرات وطنية ونبرات تخوين، وهو ما جعل من إيران ساحة للصراعات الاستخباراتية الإيرانية والمعادية، وعقّد الوضع بما يجعل من الصعب التكهن بمصير الاحتجاجات والنظام الإيراني.
الاختلاف هذه المرة:
ليست الحركات الاحتجاجية أمرٌ جديد على إيران، فقد اختبرت كثيراً من الحركات الاحتجاجية، كان من أهمها في الألفية الثالثة احتجاجات 2009 على تزوير الانتخابات لصالح الرئيس الأسبق أحمدي نجاد لفترة رئاسية ثانية، وهو ما أدى لاندلاع احتجاجات كبيرة، ووجهت بقمع من الأجهزة الأمنية وتم القبض على العديد من المحتجين وفرضت الإقامة الجبرية على زعيمي الحركة ميرحسين موسوي ومهدي كروبي، ثم الحركات الاحتجاجية في 2017 بسبب زيادة الأسعار، وفي 2019 بسبب زيادة أسعار الوقود، وفي 2022 بسبب مقتل الشابة الإيرانية مهسا أميني على يد شرطة الأخلاق في إيران.
لكن الأمر مختلف هذه المرة في الداخل الإيراني والخارج أيضاً، فالوضع الاقتصادي في إيران بات في أسوأ حالاته بشكلٍ غير مسبوق، حيث قارب التضخم 50% وارتفاع الأسعار وهبوط للريال الإيراني أمام الدولار، ونتائج ذلك مباشرة على الشعب الإيراني من تراجع حاد في مستوى المعيشة، إلى حد تراجع شراء الهواتف المحمولة، وتراجع شديد في شراء الألبان بسبب ارتفاع أسعارها، وعدم القدرة على شراء اللحوم والدواجن وحتى بيض المائدة، وكساد سوق الأجهزة المنزلية، وتراجع عام شديد في القوة الشرائية بشكلٍ عام، بالتزامن مع رواج سوق المستعمل نظراً لعدم قدرة الشعب الإيراني على مجاراة الأسعار، وبالرغم من أن معاناة الإيرانيين الاقتصادية بدأت منذ سنوات عديدة، لكنها ازدادت بشكلٍ غير مسبوق مع تشديد الحصار الأمريكي عليها، ومع تبعات حرب الاتني عشر يوماً مع إسرائيل، والتي لازالت إيران تعاني من تبعاتها على الاقتصاد وتدمير للبنية التحتية حتى الآن.
على المستوى الخارجي، فإن إيران إيران أيضاً في أضعف حالاتها، حيث تم إضعاف أذرعها في الشرق الأوسط بتغيير النظام السوري الحليف الأكبر، والضربات المتكررة التي أضعفت حزب الله عن طريق إسرائيل وبدعم أمريكي من الرئيس ترامب، الذي يمثل وجوده على رأس النظام الأمريكي تغييراً كبيراً لغير صالح إيران، فتعاطي ترامب مع أدوات القوى الإيرانية سواء البرنامج الصاروخي أو النووي وحتى أذرع الإقليمية أقوى كثيراً عنه في فترة بايدن في 2022 وأوباما في 2009 اللذين لم تتعدى مواقفهما التنديد والشجب دون دورٍ فاعل.
وفرت أمريكا كذلك منصة مهمة للأمير رضا بهلوي بن الشاه المخلوع رضا بهلوي كبديل للنظام الإسلامي الإيراني وشخص خامنئي، وساندت مع إسرائيل الاحتجاجات الإيرانية ودعمتاها كورقة ضغط كبيرة لرضوخ النظام الإيراني، ناهيك عن عملائهم الاستخباراتيين داخل إيران، وعلى رأسهم مهرداد رحيمي ضابط الموساد المسئول عن التنسيق بين العملاء في الداخل الإيراني وإشاعة الفوضى والعنف، ويدخل ضمن ذلك أيضاً فتح إيلون ماسك للإنترنت المجاني لتعويض قطع الإنترنت في إيران، وكذلك الترويج الواسع النطاق للحركات الاحتجاجية في الداخل الإيراني، ولداعميها من الإيرانيين في أمريكا وأوروبا، والحسابات التي تعلن صراحة معارضتها لشخص خامنئي وإحراق صورته، ولا يستبعد أن يكون كثير من هذه الحسابات تدار من داخل إسرائيل وأمريكا، مثلما كشف تحديث منصة إكس من أشهر.
الأمير رضا بهلوي:
يبرز الأمير رضا بهلوي وسط هذه الأحداث المشتعلة كبديل مطروح لنظام الجمهورية الإسلامية، وسط انتشار شعارات "جاويد شاه" (يحيا الملك)، "اين اخرين نبرده، پهلوي برمی گرده" (هذه المعركة الأخيرة، والبهلوي سوف يعود)، "رضاشاه، روحت شاد" (رضا شاه، لروحك السعادة)، وهي شعارات تطالب بعودة رضا بهلوي على رأس النظام في حال النجاح في خلع النظام.
الرئيس مسعود بزشكيان:
يبرز الرئيس مسعود بزشكيان وسط تلك الأحداث، معرباً عن تقديره للمطالب السلمية للمحتجين، وملقياً بجزءٍ كبيرٍ من اللوم على سياسات النظام، لأن الداخل الإيراني هو هو المسئول عن السياسات الاقتصادية التي أدت إلى هذا الوضع، وإن كانت بالطبع تتأثر بشدة بالخارج. والحقيقة أن موقف الرئيس بزشكيان يبدو مرتبكاً، حيث ينتقد النظام الذي هو جزء منه وسط غضب بل ومواجهة حادة من التيار الأصولي. لكن هذا الارتباك مرده إلى الطبيعة الازدواجية للنظام الإيراني، الذي يضع المرشد على قمة النظام بكل الصلاحيات الممكنة، في مقابل رئيس الجمهورية محدد الصلاحيات، الذي لا يتعدى فعلياً مرتبة رئيس الوزراء، حيث إنه المسئول عن الميزانية ولكن بعد عرضها على البرلمان الإيراني، ورغم أنه من يتحمل تبعات الفشل الاقتصادي، لكنه عاجزٌ فعلياً عن مواجهة سطوة رجالات الحرس الثوري والحوزة الدينية الذين يتداخلون بقوة في الاقتصاد الإيراني، من شركاتهم في الداخل ومن بينها خاتم الأنبياء على سبيل المثال وغيرها، وشركاته هي المستفيدة بشكلٍ أساسي من دعم العملة وتجارة الظل، ومرتبطون بشبكات الفساد التي تعيق الاصلاح الاقتصادي، دون أن يكون للرئيس الإيراني أي قدرة فعلية على مواجهتهم.
مستقبل النظام الإيراني إلى أين:
وسط هذا الصراع المحتدم يبرز التساؤل عما يمكن أن تفضي إليه هذه الاحتجاجات:
هناك سيناريوهان، إما سقوط النظام، أو استمراره:
أما سقوط النظام، فهو أمر لم يعد بعيداً، نظراً لأن المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد والنظام الإيراني هي مشكلات بنيوية، تحتاج لعشرات السنين لحلها في حالة تحسن الوضع الاقتصادي وتخفيف العقوبات، وخطوات النظام لحل هذه المشكلات هو مجرد تخفيف لآثارها وليس الجذور، ومن ثم فاحتمال سقوط النظام آتي، إذا ما يجد حلولاً جذرية لهذه المشكلات، ولكن ليس في الوقت الحالي، نظراً لأن:
أولاً: طرح الأمير رضا بهلوي كبديل أمريكي الهوى لم يكن في صالح المحتجين، حيث العديد ممن عاصروا النظام الملكي لن يرضوا به مرة ثانية، ناهيك عن مؤيدي النظام والمتدينين الذين نزل العديدون منها لتأييد النظام.
ثانياً: بالرغم أن المرشد يقبع على قمة النظام الإيراني، لكنه الحكم الإيراني يتسم بالمؤسسية لا حكم الفرد، فخلف المرشد يقبع جيشٌ من الحرس الثوري ورجال الحوزة، الذين إما يدينون له بالولاء أو منتفعون من وجود نظامه، وهؤلاء مسيطرون على عصب الدولة الإيرانية، ولن يرضوا بخروج الأمر خارج عباءتهم، وحتى في حال تغير النظام، فسوف يتغير شخص المرشد، وتطبق بعض الاصلاحات مع وجود دولتهم العميقة في مفاصل الدولة.
ثالثاً: لكن يكون سقوط النظام بهروب خامنئي خارج البلاد أو اختطافه كرئيس فنزويلا، فطبيعته الثورية والإسلامية لن تجعله يرضى أن يكون لاجئاً في دولة أخرى، والخياران الأقرب إما النجاح في اغتياله، أو تنحيه عن السلطة مع بقائه في إيران، وهذا الخيار ليس المرجح خلال هذه الاحتجاجات رغم اشتدادها.
رابعاً: لا توجد أي مؤشرات على انشقاق في النظام أو في قواته العسكرية والأمنية، وهو ما ينبئ عن حالة من التماسك، بالتوازي مع حسن إدارة النظام للاحتجاجات، والتي اكتسبها من خلال خبرته السابقة، حيث اقترنت الاحتجاجات بأعمال العنف والقتل، والتي أعطت الحق للنظام في استعمال القوة للتصدي للعنف والتخريب والحفاظ على الدولة، ومن ثم أعطت مبرراً للتعامل الشديد مع تلك الاحتجاجات، وكذلك الدفع بنزول بمظاهرات مليونية مؤبدة للنظام، التي خلقت ازدواجية في الشارع الإيراني، وأضعفت صوت المحتجين، خاصة مع ما اتخذته الخارجية الإيرانية من عرض مشاهد العنف والقتل على سفراء الترويكا الأوروبية وإيطاليا وهو ما منحهم الشرعية للتصدي لذلك.
خامساً: إن التهديد الأمريكي والإسرائيلي بمهاجمة إيران- رغم احتمال وروده- لكنه احتمال حدوثه ضعيف، نظراً لارتفاع مخاطره، من هجوم إيراني شديد على إسرائيل، وكذلك مهاجمة المصالح الأمريكية بقوة في المنطقة، وهو ما لا تبغيه أمريكا أو إسرائيل، ولكن دعم الاحتجاجات للضغط على النظام الإيراني للوصول إلى اتفاق للحد من قوة إيران، وهو ما يمكن ملاحظته مخن الرسائل المتبادلة عن طريق الخارجية العمانية، وإن كان احتمال توجيه ضربة أمراص غير مضمون في ظل إدارة ترامب التي لا تلتزم بقواعد للعب.
وفي النهاية، فإن احتمال سقوط النظام الإيراني وارد إذا استمرت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتردية، ولكنه رغم قادر على الصمود لجولة أخرى.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: سقوط النظام الإيراني المصالح الأمريكية د أحمد سامي الاحتجاجات الإيرانية منصة اكس الداخل الإیرانی النظام الإیرانی سقوط النظام فی الداخل رضا بهلوی فی إیران وهو ما
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.