يستحضر تصعيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غرينلاند سؤالًا جوهريًا: هل تمثل الصين خطرًا حقيقيًا على الجزيرة، أم أن هذا التوصيف يدخل في إطار توظيف سياسي أوسع ضمن سباق النفوذ في القطب الشمالي؟

كرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أكثر من مناسبة حديثه عن نية الولايات المتحدة السيطرة على غرينلاند، محذرًا من أن روسيا أو الصين قد تفعلان ذلك في حال لم تتحرك واشنطن.

وأوضح أنه يفضّل "إبرام صفقة" بشأن الإقليم، "لكن بطريقة أو بأخرى، سنحصل على غرينلاند". وتتزامن هذه التصريحات مع توقع زيارة مبعوثين من الدنمارك وغرينلاند إلى واشنطن هذا الأسبوع لإجراء محادثات مع وزير الخارجية ماركو روبيو.

رد صيني على تصريحات واشنطن

جاء الرد الصيني على واشنطن سريعًا، إذ قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، ردًا على تصريحات أمريكية تربط الاستحواذ على غرينلاند بضرورة منع الصين وروسيا من السيطرة عليها، إن أنشطة بكين في القطب الشمالي تهدف إلى تعزيز السلام والاستقرار والتنمية المستدامة في المنطقة، من دون الخوض في تفاصيل هذه الأنشطة.

وأضافت أن القطب الشمالي "يمس المصالح العامة للمجتمع الدولي"، وأنه يجب احترام حقوق وحريات جميع الدول في ممارسة أنشطتها وفق القانون، مؤكدة في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تسعى وراء مصالحها الخاصة عبر استخدام دول أخرى كذريعة.

الوجود الصيني في القطب الشمالي

بعيدًا عن السجال السياسي، تشير المعطيات المتوافرة إلى أن الوجود العسكري الصيني في القطب الشمالي لا يزال ضعيفًا نسبيًا. ففي مناطق أخرى من القطب، نما هذا الحضور المتواضع أساسًا عبر التعاون مع روسيا منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.

وخلال هذه الفترة، كثّف البلدان عملياتهما المشتركة في القطب الشمالي وخفر السواحل، بما في ذلك تنفيذ دورية لقاذفات جوية قرب ألاسكا عام 2024. كما تشغّل الصين عددًا محدودًا من كاسحات الجليد المزوّدة بغواصات صغيرة قادرة على العمل في أعماق البحار ورسم خرائط لقاع البحر، وهي قدرات قد تكون مفيدة لأغراض عسكرية، إلى جانب أقمار صناعية مخصصة لمراقبة القطب الشمالي. وتصر بكين على أن هذه الأنشطة تندرج في إطار الأبحاث العلمية.

وقد أنشأت محطات أبحاث علمية في آيسلندا والنرويج، واستثمرت شركات صينية في مشاريع عدة، من بينها الغاز الطبيعي المسال الروسي وخط سكك حديدية في السويد. لكن هذا التوسع لم يخلُ من عراقيل، فقد فشلت مقترحات صينية لشراء قاعدة بحرية مهجورة في غرينلاند ومطار في فنلندا، وسط تقارير عن ضغوط أمريكية مارستها واشنطن على دول عدة لرفض شركات صينية. وفي عام 2019، قررت غرينلاند عدم استخدام شركة هواوي في شبكات الجيل الخامس. وتبقى روسيا استثناءً في هذا المشهد، إذ تواصل الصين الاستثمار بكثافة في الموارد والموانئ على طول الساحل الشمالي الروسي.

قوات عسكرية دنماركية تشارك في مناورة تضم مئات الجنود من عدة دول أوروبية في حلف الناتو، في نوك بغرينلاند، في 15 سبتمبر 2025. Ebrahim Noroozi/AP الموارد والمسارات البحرية

تكتسب غرينلاند أهمية خاصة لاحتوائها على ثامن أكبر احتياطي عالمي من العناصر الأرضية النادرة، وهي مواد أساسية لتقنيات تشمل السيارات الكهربائية والمعدات العسكرية، وفق هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية. ورغم هيمنة الصين على الإنتاج العالمي لهذه المواد، فإن محاولاتها للاستفادة من موارد غرينلاند بقيت محدودة. فقد أُوقف مشروع مرتبط بالصين في حقل ضخم في كفانيفيلد عام 2021 بقرار من حكومة غرينلاند لأسباب بيئية، فيما بيع موقع آخر في جنوب الجزيرة عام 2024 لشركة مقرها نيويورك بعد ضغوط أمريكية.

اقتصاديًا واستراتيجيًا، أعلنت الصين عام 2018 نفسها "دولة قريبة من القطب الشمالي" في مسعى واضح لتعزيز نفوذها في المنطقة، وأطلقت في العام نفسه مشروع "طريق الحرير القطبي"، مع هدف معلن بأن تصبح "قوة قطبية كبرى" بحلول عام 2030.

يهدف "طريق الحرير القطبي" إلى ربط الصين بأوروبا عبر مسارات قطبية أصبحت أكثر قابلية للاستخدام مع ذوبان الجليد البحري نتيجة ارتفاع درجات الحرارة. وفي أكتوبر، اتفقت الصين وروسيا على تطوير "طريق البحر الشمالي" على طول الحدود الشمالية لروسيا.

سفينة حربية تمرّ قرب منازل خلال مناورة عسكرية شاركت فيها مئات القوات من عدة دول أوروبية في حلف الناتو، في نوك بغرينلاند، في 15 سبتمبر 2025. Ebrahim Noroozi/ AP

وقد وصلت سفينة صينية العام الماضي إلى بريطانيا خلال 20 يومًا عبر القطب الشمالي، أي نصف مدة الرحلة عبر قناة السويس، ما يفتح الباب أمام تغييرات محتملة في حركة الشحن العالمية وتقليص اعتماد الصين على مضيق ملقا، غير أن هذه المسارات لا تزال تواجه تحديات كبيرة، من الحاجة إلى تعديلات خاصة للسفن لعبور الجليد، إلى صعوبة الملاحة بسبب الضباب والطقس القاسي. ولم تنفذ السفن الصينية سوى 14 رحلة عبر طريق البحر الشمالي خلال العام الماضي، كان معظمها مخصصًا لنقل الغاز الروسي.

الأهم في سياق الجدل السياسي أن طريق البحر الشمالي لا يمر قرب غرينلاند، ما يضعف الادعاء بوجود سفن صينية تجوب سواحل الجزيرة. ومع وجود مسارات بديلة محتملة، مثل "الممر الشمالي الغربي" عبر أرخبيل كندا، يتبين أن الحديث عن تهديد صيني مباشر لغرينلاند يبقى موضع تساؤل.

انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة

المصدر

المصدر: euronews

كلمات دلالية: الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إيران نيكولاس مادورو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إيران نيكولاس مادورو روسيا الولايات المتحدة الأمريكية أوكرانيا الصين غرينلاند الدنمارك الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إيران نيكولاس مادورو ألمانيا الذكاء الاصطناعي الصحة روسيا فنزويلا غزة فی القطب الشمالی على غرینلاند

إقرأ أيضاً:

قراصنة يستولون على ناقلة نفط قبالة الساحل الشمالي الشرقي للصومال

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أفادت إذاعة "دلسان" الصومالية، نقلًا عن مسؤولين محليين وهيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، بأن قراصنة استولوا على ناقلة نفط أثناء إبحارها قبالة الساحل الشمالي الشرقي للصومال.

وذكرت الإذاعة أن الناقلة، التي كانت محملة بمنتجات نفطية، تعرضت للاختطاف بالقرب من إقليم بونتلاند، أثناء رحلتها من ميناء بربرة إلى العاصمة مقديشو، مرجحة أن يكون قراصنة صوماليون وراء العملية.

وأشارت التقارير إلى أن السفينة مملوكة لرجل أعمال باكستاني، فيما لم يتم حتى الآن تحديد عدد أفراد الطاقم أو الكشف عن مصيرهم، وسط استمرار التحقيقات من الجهات المعنية.

وتأتي هذه الحادثة في وقت تشير فيه بيانات دولية إلى تراجع كبير في نشاط القرصنة الصومالية خلال السنوات الماضية، بعد أن بلغت ذروتها عام 2011، إلا أن تكرار مثل هذه الحوادث مؤخرًا يثير مخاوف من عودة التهديدات لخطوط الملاحة في المنطقة.

وشهدت منطقة القرن الإفريقي، وخاصة السواحل الصومالية، خلال العقدين الماضيين واحدة من أخطر موجات القرصنة البحرية في العالم، حيث تحولت مياه المحيط الهندي وخليج عدن في فترات سابقة إلى مسرح لهجمات استهدفت السفن التجارية وناقلات النفط وناقلات الحاويات.

بدأت الظاهرة في أوائل العقد الأول من الألفية، وارتفعت بشكل ملحوظ بعد عام 2007، عندما أدى ضعف الدولة المركزية في الصومال وتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية إلى انتشار مجموعات مسلحة اعتمدت على اختطاف السفن وطلب الفدية كمصدر تمويل رئيسي. وبلغت القرصنة ذروتها عام 2011، حين سُجلت عشرات الحوادث والخطف والاحتجاز لفترات طويلة مقابل مبالغ مالية ضخمة.

دفع هذا التصاعد المجتمع الدولي إلى التدخل عبر عمليات بحرية متعددة بقيادة قوى دولية وإقليمية، إضافة إلى تعزيز إجراءات الحماية على السفن التجارية، مثل تغيير مسارات الإبحار، وزيادة الحراسة المسلحة، وتطبيق قواعد صارمة للسرعة والمناورة في المناطق عالية الخطورة.

مقالات مشابهة

  • مُحللة سياسية: ترامب لن يحقق نجاحًا كاملًا من خلال رعاية وقف إطلاق النار في لبنان
  • أحمد خطاب يوقــع على عقـود تدريبه لغزل المحلة
  • الصندوق الأحمر يشعل أزمة في لندن .. كيف تحولت هدية ستارمر لترامب إلى ملحمة سياسية وأشعلت غضب صديق إبستين؟
  • ناسا تكشف عن خططها لإنشاء أول قاعدة لها على سطح القمر
  • إعلام إسرائيلي: ترامب وجه بعدم تحويل لبنان إلى ورقة تفاوض بيد إيران
  • أستاذ علوم سياسية: جبهة لبنان ورقة ضغط إيرانية ومسار ترامب البديل “هدن مؤقتة”
  • وزيرة التنمية تفتتح وحدة التدخل المبكر في لواء المزار الشمالي
  • ماذا وراء تعيين توماس باراك لدمشق وبغداد؟
  • قراصنة يستولون على ناقلة نفط قبالة الساحل الشمالي الشرقي للصومال
  • الإسكان: موعد طرح "سكن لكل المصريين 9"