لماذا الإسراء والمعراج آية كبرى لا تُقاس بقوانين الكون؟ علي جمعة يوضح
تاريخ النشر: 14th, January 2026 GMT
قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إنه “أُسْرِيَ بالنبيِّ المصطفى، والحبيبِ المُجتبى ﷺ من مكةَ إلى بيتِ المقدس، وعُرِجَ به من بيتِ المقدس إلى سدرةِ المنتهى، إلى العرش، ونحن نسمّي هذا ـ مجازًا ـ بالمعجزة؛ والمعجزةُ سُمِّيَت كذلك في لغة العرب؛ لأنها تُعجِزُ من رآها: خارقةً من خوارق العادات، تخرج عن سنن الله الكونية، لا يستطيع من أمامي أن يأتي بمثلها”.
وأضاف جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، أنه غير أنَّ الإسراءَ والمعراجَ لم يشهد الناسُ تفاصيلَه الغيبية؛ ولذلك فهو آيةٌ كبرى من آيات الله، لا مقصودها أن يقف الناسُ على مشهدٍ حسّيٍّ يُحاكَى، وإنما مقصودها أن تُؤَسِّسَ لعقيدةٍ وتُرَبِّيَ قلبًا. فما هذه العقيدةُ التي يُؤسِّسها الإسراءُ والمعراج.
وأشار إلى أن القوانينُ التي خلق الله عليها الكونَ منضبطةٌ؛ فهو الحكيم، وخوارقُ العادة ـ كماءٍ ينبع من بين أصابع النبي ﷺ، أو عصًا تُضرَبُ بها البحرُ فينفلق فرقين، كلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العظيم كما حدث لموسى عليه السلام، أو يُلقي العصا فتتحول إلى ثعبانٍ يَلقَفُ ما يأفكون، أو يدٌ تُدخل في الجيب فتخرج بيضاء للناظرين ـ ونحوُ ذلك من خوارق العادات المرئيّة؛ فإنها، مع خرقها للعادة، تبقى ضمن عالمٍ تُدرَكُ قوانينُه ومقاييسُه.
وأوضح: “أمّا الإسراءُ والمعراج فواقعةٌ طُوِيَت فيها المسافات، وجرت على خلاف المألوف جريانًا لا يُقاس بموازيننا؛ بل خرق للقانون الكلي للكون، كيف يُسْرَى به؟ يقول الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}”.
وتابع: “ثم يُعرَجُ به إلى سدرةِ المنتهى، ثم يعود في زمنٍ يسيرٍ؛ حتى قيل: عاد ولم يَبْرُدْ فراشُه. فما هذا؟ معناه أنَّ الأمرَ جرى بأمر الخالق سبحانه، الذي يقول للشيءِ: كن، فيكون؛ فأدخل المُوسَّعَ في المُضيَّق، دون أن يتّسع المُضيَّقُ ولا أن يضيق المُوسَّع. وهذا ليس من شأن عادتنا في هذا الكون”.
واستطرد: “إذن فالإسراءُ والمعراجُ يقول لك: إن الله على كل شيء قدير. ويعلِّمك كذلك أنَّ السببيّة ليست حتميّةً بذاتها؛ فالمسلمُ يعلم أن السبب بخلق الله، ولكن صاحبَ العقيدة الصافية ـ عقيدةَ أهل السنة والجماعة ـ يعلم أن السبب لا يؤثِّر بذاته، ولا على وجهٍ لا يتخلّف، بل إنما يجري اللهُ المسبَّبات عند الأسباب بإذنه سبحانه؛ فالنارُ تُحرِقُ لا بذاتها، وإنما بإذن الله: يخلق الله الإحراقَ عندها إن شاء، وإن شاء جعلها بردًا وسلامًا على إبراهيم. والله سبحانه وتعالى لا يُظهِر من الأجساد ما يخالف مألوفَها عادةً؛ لكنه إن شاء أظهر الآية: أخرج موسى عليه السلام يده فإذا هي بيضاء للناظرين. والله سبحانه وتعالى لا يُقلِّب الأعيانَ على خلاف ما نألف؛ لكنه إن شاء فعل ما يشاء، ولا يكون في كونه إلا ما أراد”.
وقال: "ولذلك: فتوكّل على الله، ولا تترك الأسباب؛ فإن الله خلقها وأرادك فيها. فالفلاحُ يلقي الحبَّ ثم يدعو ويقول: يا رب؛ فإذا لم يُلقِ الحبَّ لم يخرج الزرع؛ لأنك حينئذٍ تكون قد اختبرتَ ربَّك، والله لا يُختبَر؛ بل هو الذي يختبرك ويمتحنك ويبتليك. ولذلك لا نترك الأسباب، والتوكل لا يعارض ذلك:
«لو توكلتم على الله حقَّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدو خِماصًا (جائعة)، وتروح بِطانًا (شبعى)»، وقال العلماءُ أهلُ الله: ذهبت وجاءت، ولو ظلّت في أوكارها ما رزقها الله".
وأضاف: “إذن عرف المسلمون من الإسراء والمعراج أن هناك أسبابًا قد خُلِقت؛ ولكن الاعتماد على الأسباب شركٌ، وتركُ الأسباب جهل. فلم يتركوا الأسباب؛ ولما أراد النبي ﷺ الخروج إلى أُحُدٍ خالف بين درعين: لبس درعًا من الأمام ودرعًا من الخلف، وهو المَعصوم الذي تكفّل الله بحفظه وبلاغه، {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}؛ لكنه يعلّمنا ﷺ كيف نتخذ الأسباب في عبادة الله، وفي عمارة الأرض، وفي تزكية النفس، وفي الحياة. كلُّ ذلك درسٌ من دروس الإسراء والمعراج”.
وذكر أن الإسراءُ آيةٌ من آيات الله العظمى؛ القصدُ منها أن يعلِّمك ـ أيها المسلم ـ كيف تتعامل مع هذه الحياة، وليس القصدُ منها أن يعجز من أمامه؛ بل أن يُثبِّت في قلبك: القدرةَ، والتوكلَ، وحسنَ السيرِ في سنن الله مع شهود مُجريها سبحانه.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الإسراء والمعراج ليلة الإسراء والمعراج معجزة الإسراء والمعراج الإسراء والمعراج إن شاء
إقرأ أيضاً:
مدريد تستعد لعرض قطعة أثرية نادرة من الفنون الدينية في احتفالات كبرى وسط العاصمة
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
تشهد العاصمة الإسبانية مدريد استعدادات مكثفة لعرض قطعة أثرية فنية نادرة تعود إلى نحو خمسة قرون، وذلك خلال احتفالات عامة كبرى تُقام في ساحة سيبيليس الشهيرة. وتأتي هذه الفعالية ضمن برنامج احتفالي واسع يجذب اهتمام الزوار والمهتمين بالفن والتاريخ والتراث الأوروبي.
ساحة سيبيليس تتحول إلى مسرح لحدث ثقافي وتاريخي بارز
وتعد القطعة المعروضة، وهي حامل قرباني تاريخي مصنوع من الفضة المذهبة، واحدة من أبرز الأعمال التي تعود إلى عصر النهضة الإسبانية، حيث تم إنجازها في القرن السادس عشر بتكليف من مجلس مدينة مدريد بعد انتقال البلاط الملكي إلى العاصمة في عهد الملك فيليب الثاني.
تحفة فنية من عصر النهضة الإسبانية
تتميز هذه التحفة بتفاصيلها الدقيقة التي تعكس تطور فنون المعادن الثمينة في تلك الفترة، إذ تحمل زخارف غنية تشمل مشاهد رمزية وشخصيات تاريخية وعناصر مستوحاة من الطبيعة مثل العنب والقمح، إضافة إلى نقوش فنية تمثل مدارس الفن الأوروبي في عصر النهضة.
وقد نفذ أجزاء رئيسية من هذا العمل الحرفي الفنان فرانسيسكو ألفاريز بين عامي 1568 و1574، ما يجعل القطعة نموذجًا مهمًا لفهم تطور الفنون التطبيقية في إسبانيا خلال تلك الحقبة.
عرض محدود في مناسبات خاصة
عادة ما يتم الاحتفاظ بهذه القطعة داخل متحف تاريخ مدريد، ولا تُعرض للجمهور إلا في مناسبات محددة واستثنائية، نظرًا لقيمتها التاريخية والفنية العالية. ويُنظر إلى عرضها في ساحة سيبيليس على أنه فرصة لإبراز التراث الثقافي الإسباني أمام الجمهور المحلي والدولي.
ويأتي هذا الحدث ضمن سلسلة فعاليات ثقافية تسعى إلى ربط التاريخ بالفنون العامة في الفضاء الحضري، وإتاحة الفرصة للجمهور للتفاعل مع قطع نادرة تحمل قيمة تراثية كبيرة تعكس تاريخ المدينة وتطورها عبر القرون.