مجلة فرنسية: هل نستسلم للهوس بالشاه وحكمه الاستبدادي لإيران؟
تاريخ النشر: 15th, January 2026 GMT
شرحت مجلة لوبس الفرنسية فحوى الهوس الحالي بنظام الشاه محمد رضا بهلوي (شاهمانيا) الذي حكم إيران بقبضة من حديد قبل أن تطيح به الثورة الإسلامية عام 1979.
وعاد الحديث عن حكم الشاه إلى الواجهة بالنظر إلى الدعم الذي عبّر عنه ابنه رضا بهلوي، المقيم في أميركا، لموجة الاحتجاجات التي تشهدها إيران للأسبوع الثالث.
وقالت المجلة، في مقال بتوقيع فرانسوا رينيرت، إنه في خضم احتجاجات الإيرانيين للإطاحة بنظام الحكم الحالي يبرز باستمرار اسم واحد كرمز محتمل للتغيير في البلاد وهو رضا بهلوي، أحد أعضاء المعارضة في المنفى ونجل محمد رضا (1919-1980)، آخر شاه لإيران.
وعن خلفيته العائلية، توضح لوبس أن الشاه الراحل لم ينحدر من سلالة عريقة عمرها ألف عام، بل إن والده رضا خان (1878-1944) ترعرع في بيئة فقيرة جدا وبدأ جنديا بسيطا في الحرس الشخصي لحكام البلاد من سلالة القاجار وتدرج بصبر في الرتب العسكرية إلى أن أصبح الرجل القوي في البلاد وأطاح بالعائلة الحاكمة.
وعندما تولى مقاليد الحكم عام 1925 باسم رضا شاه بهلوي سار على منوال جاره أتاتورك في تركيا، وكان ينوي "تحديث" البلاد وفق النموذج الأوروبي بدعم التصنيع في البلاد، وبناء الطرق والسكك الحديدية، وافتتاح أول جامعة إيرانية في طهران، وتبني إصلاحات اجتماعية كثيرة أبرزها الحظر التام للحجاب عام 1935.
وكان رضا شاه بهلوي ذا نزعة استبدادية وخلال الحرب العالمية الثانية مال بشكل خطير نحو دول المحور فتعرضت البلاد لعزو بريطاني وسوفياتي مما أجبره على التنازل عن العرش.
ولعدم وجود بديل، تولى الحكم ابنه، الشاب محمد رضا بهلوي، الذي بدا ضعيف الشخصية وبعد الحرب العالمية الثانية رفض الروس الانسحاب من البلاد، فاضطرت إيران إلى الخضوع لضغوط غربية مكثفة.
ولم تستعد البلاد كرامتها إلا في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، عندما قرر رئيس الوزراء القومي محمد مصدق اتخاذ خطوة حاسمة بتأميم النفط الذي نهبه البريطانيون لعقود.
إعلانوأثار ذلك القرار غضب لندن، مما دفع واشنطن للتدخل فشدد مصدق موقفه ونفى الشاه فاتهم الأميركيون مصدق بأنه عميل لموسكو، وأطاحوا به في إحدى أولى عملياتهم "القذرة الكبرى" وتمت إعادة الشاه للسلطة وهو ما شكل إهانة دائمة للبلاد، وفق تعبير لوبس.
ولم يتحوّل بهلوي إلى رئيس دولة حقيقي إلا في ستينيات القرن الـ20 وأطلق "الثورة البيضاء"، وهو برنامج طموح شجع على إصلاح الأراضي، والنمو الاقتصادي، ومكافحة الأمية، وإصلاحات اجتماعية جديدة، كمنح المرأة حق التصويت.
وحسب لونوفيل أوبس، فإن ذلك القرار أثار غضب رجال الدين وعلى رأسهم آية الله الخميني، الذي نُفي لاحقًا إلى العراق.
ولم تنكر المجلة رغبة الشاه الصادقة في تنمية البلاد، لكنها قالت إن أسلوبه شابه عيبان، أولهما جنون العظمة إذ أطلق على نفسه لقب "ملك الملوك"، وفي عام 1971 أقام احتفالات باذخة في برسيبوليس، العاصمة الإمبراطورية السابقة.
والعيب الثاني أنه ديكتاتور حكم البلاد بقبضة حديدية، وحتى اليوم، لا يزال اسم "السافاك"، جهاز الشرطة في عهد الشاه، يثير الرعب في نفوس الإيرانيين ولا يزال سجن إيفين الذي تم بناؤه عام 1972 شاهدا على استشهاد العديد من المعارضين لنظام الشاه.
وكان الشاه يحب أن يقدم صورة عصرية عن نفسه للغرب لكنه كان في الحقيقة من أسوأ أنواع الطغاة، وخلال الحرب الباردة كان درعا إستراتيجيا في مواجهة الاتحاد السوفياتي وأحد أهم حلفاء أميركا.
لم يُطالب إلا الرئيس جيمي كارتر بتخفيف قمعه، ولكن ذلك حصل بعد فوات الأوان حيث كانت البلاد تختنق واندلعت العاصفة في أوائل عام 1978 في مدينة قم حيث اندلعت المظاهرات عقب سقوط وفيات على يد الشرطة.
ولم تعد المعارضة منحصرة في رجال الدين بل انضمت إليهم النخبة المثقفة العلمانية والشيوعيون وطلاب الجامعات واندلعت الاحتجاجات تباعا، وازدادت قوتها على الرغم من القمع الدموي.
في تلك الأجواء المحتقنة تمكن آية الله الخميني من حشد تأييد واسع النطاق خاصة بعد لجوئه إلى فرنسا عقب طرده من العراق في أكتوبر/تشرين الأول 1978.
وفي تلك الأجواء الملتهبة كان الخميني يقود الثورة من باريس في حين لعب الشاه في يناير/كانون الثاني 1979 ورقته الأخيرة، فعيّن شابور بختيار، الصوت الأبرز للمعارضة الديمقراطية، في الحكومة.
بذل بختيار قصارى جهده لاحتواء العنف وطلب من الشاه الذهاب إلى المنفى، على أمل إدارة انتقال سلمي إلى الحرية، لكن ذلك المسعى انهار بسرعة، ففي فبراير/شباط من السنة نفسها، استقبل ملايين الإيرانيين الخميني لدى وصوله لمطار طهران.
وعلق كاتب المقال على ذلك المنعطف التاريخي في إيران بالقول إن المتظاهرين آنذاك "اعتقدوا أنهم تخلصوا من دكتاتور. واحتفلوا بالدكتاتور التالي".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات رضا بهلوی
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.