المستشار الحقيقي… عقل المؤسسة الصامت
تاريخ النشر: 15th, January 2026 GMT
#المستشار_الحقيقي… عقل #المؤسسة_الصامت
الأستاذ #الدكتور_أمجد_الفاهوم
في كل مؤسسةٍ تسعى للبقاء والنمو، يظهر اسم “المستشار” بوصفه عنوانًا للحكمة والخبرة وتراكم التجربة. غير أن الفارق بين مستشارٍ حقيقي وآخر شكلي لا يُقاس بعدد السنوات ولا بعدد التقارير، بل بقدرته على أن يكون عقلًا نقديًا نزيهًا يضيف ولا يُجامل، ويصحّح ولا يُربك، ويُنقذ المؤسسة من نفسها قبل أن يُنقذها من الآخرين.
في حقيقة الأمر فإن المستشار الحقيقي لا يقف على هامش القرار، ولا يتحول إلى شاهد زورٍ إداري. إذ أن دوره يبدأ حين تتوقف الإدارة عن سماع ذاتها، وحين تحتاج المؤسسة إلى من يضع المرآة أمامها بلا تزييف. وهو ليس مديرًا ظلّيًا، ولا خصمًا للإدارة التنفيذية، بل شريك تفكير، يعمل بالعقل لا بالمنصب، وبالمسؤولية لا بالمصلحة.
ومن أهم إيجابيات وجود المستشار الحقيقي أنه يمنح القرار عمقًا استراتيجيًا، ويحدّ من الارتجال، ويكشف المخاطر قبل وقوعها، ويُسهم في بناء ثقافة مؤسسية قائمة على المحاسبة والتعلّم. كما أنه يحمي القيادة من العزلة، ويكسر دائرة “التفكير الجمعي” التي كثيرًا ما تُسقط مؤسساتٍ كبرى. في المقابل، فإن أخطر ما قد يرافق وجود المستشار هو تحوّله إلى عبء إذا فُقدت استقلاليته، أو إلى أداة تبرير إذا خضع للسلطة، أو إلى مصدر تشويش إذا تجاوز دوره وتدخّل في التنفيذ بدل الإرشاد.
مقالات ذات صلةولو نظرنا بتمعن فإن التاريخ المؤسسي مليء بنماذج تؤكد هذه المعادلة. ففي الحالة الدولية، تُعد تجربة Enron مثالًا صارخًا على فشل منظومة الاستشارة والرقابة؛ إذ وُجد مستشارون كُثر، لكنهم افتقروا إلى الاستقلالية والشجاعة الأخلاقية، فانهارت الشركة تحت وطأة قرارات مغلقة وتواطؤ صامت. في المقابل، تُظهر تجربة IBM كيف أسهمت الاستشارة الاستراتيجية الصريحة في إعادة توجيه الشركة خلال أزماتها، حين قُدّمت نصائح غير شعبية لكنها ضرورية لإنقاذ النموذج التشغيلي.
عربيًا، تكشف بعض تجارب التحول في شركات الطاقة والاتصالات الخليجية كيف لعب المستشار الاستراتيجي المستقل دورًا محوريًا في إعادة الهيكلة، وبناء الحوكمة، وضبط العلاقة بين المالك والإدارة، حين أُعطي مساحة قول الحقيقة. وعلى النقيض، شهدت مؤسسات عربية أخرى فشلًا واضحًا حين تحوّل المستشار إلى واجهة شكلية أو مكافأة سياسية، فاُنتجت قرارات مرتفعة الكلفة وضعيفة الأثر.
أما في السياق الأردني، فقد أثبتت بعض المؤسسات الوطنية أن الاستشارة الحقيقية تُثمر عندما تُربط بالمعرفة المحلية وفهم السياق، لا بنقل نماذج جاهزة. وفي المقابل، تعثرت مؤسسات أخرى حين استُخدم لقب “مستشار” لتدوير المناصب أو امتصاص النقد، فغاب الأثر وبقي العنوان.
وبناء عليه فإن المستشار الحقيقي ليس من يُرضي الإدارة، بل من يحمي المؤسسة. ليس من يكتب ما يُطلب منه، بل من يقول ما يجب قوله في الوقت الصعب. هو من يُحسن اختيار اللحظة، ودقة التعبير، وتسلسل الفكرة، ويضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية. وحين تفهم المؤسسة هذا الدور، وتمنحه الاستقلال والاحترام، يتحول المستشار من كلفةٍ إدارية إلى أصلٍ استراتيجي. أما حين يُفرّغ من معناه، فلا يكون إلا شاهدًا على تراجعٍ كان يمكن تفاديه.
المصدر
المصدر: سواليف
إقرأ أيضاً:
المؤسسة الاتحادية للشباب تطلق “برنامج الجاهزية الوطنية – غطاريف”
بتوجيهات مجلس التعليم والتنمية البشرية والمجتمع، أطلقت المؤسسة الاتحادية للشباب “برنامج الجاهزية الوطنية – غطاريف”، وهو برنامج وطني متكامل يستهدف خريجي الثانوية العامة حديثًا من الشباب والشابات، بهدف إعداد جيل يمتلك المعرفة والمهارات والقيم اللازمة للنجاح في الحياة الأسرية والأكاديمية والمهنية، والإسهام في خدمة الوطن والمجتمع والقطاعات الوطنية ذات الأولوية، بما يدعم التنمية المستدامة للدولة، بالشراكة مع الجهات الحكومية والأكاديمية والقطاع الخاص.
وبهذه المناسبة قال سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، رئيس مجلس التعليم والتنمية البشرية والمجتمع: “لقد قامت مسيرة الإمارات على إيمان راسخ بأن الإنسان هو أساس نهضتها، وأن كل جيل يحمل مسؤولية مواصلة مسيرتها.. إن شباب وشابات الإمارات هم الثروة الحقيقية للوطن، وبهم نحافظ على ما تحقق من إنجازات، ونمضي بها إلى آفاق أوسع من الريادة العالمية.. ويأتي برنامج الجاهزية الوطنية – غطاريف امتدادًا لهذا النهج، بإعداد وتمكين جيل مؤمن بقيمه، واثق بقدراته ومستعد للإسهام في خدمة وطنه وصناعة مستقبله وبناء أسر مستقرة، واستدامة مجتمعه”.
وقالت سمو الشيخة مريم بنت محمد بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس التعليم والتنمية البشرية والمجتمع: “إن ثقة شبابنا بقدراتهم تبدأ من الأسرة.. وعندما تلتقي ثقة الأسرة بما يوفره الوطن من فرص وتجارب نوعية، تتشكل أجيال قادرة ومسؤولة، وأكثر إيمانًا بدورها الحقيقي في دعم مستقبل الإمارات.. ويأتي برنامج الجاهزية الوطنية – غطاريف امتدادًا لهذا الدور، ليكمل ما تغرسه الأسرة من قيم، ويترجمها إلى تجربة عملية تفتح أمامهم آفاقًا جديدة للتعلم، والإسهام في ازدهار أسرهم ومجتمعهم ووطنهم”.
ومن خلال تجربة تمتد على مدى 11 شهرًا، يجمع البرنامج بين التعلم النظري، والتدريب التخصصي، والتطبيق الميداني، ويمثل محطة مفصلية في رحلة انتقالهم من التعليم العام إلى التعليم العالي وسوق العمل والحياة الأسرية، بهدف إعدادهم للحياة الأسرية والأكاديمية والمهنية، وترسيخ قيم الهوية الوطنية والمسؤولية المجتمعية، بما يضمن استدامة المسيرة التنموية للدولة.
يضم البرنامج ثلاثة مسارات رئيسية هي الدفاع والحماية والذكاء الاصطناعي، الصحة والرعاية، الاستدامة والخدمات الحيوية، وعبر رحلة تشمل ثلاث مراحل رئيسية تشمل المرحلة الأساسية لتنمية المهارات وتعزيز الهوية الوطنية والقيم الإماراتية، والمرحلة التخصصية والتطبيقية لبناء المعارف والخبرات المرتبطة بالقطاعات المستهدفة، والتدريب العملي لتطبيق المهارات في بيئات مهنية واقعية لدى الجهات الشريكة.
كما يشمل كل مسار مجموعة من المعارف الأساسية والمجالات المرتبطة باحتياجات التنمية الوطنية، من بينها العلوم الصحية، والأمن الغذائي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والخدمات اللوجستية، وإدارة سلاسل الإمداد، واللغات الأساسية والرياضيات.
وقال معالي الدكتور سلطان بن سيف النيادي، وزير دولة لشؤون الشباب: “مع انطلاق المرحلة الأولى في سبتمبر 2026، سيشكل برنامج الجاهزية الوطنية – غطاريف الموجِّه لخريجي وخريجات الثانوية العامة حديثي التخرج فرصة نوعية تنتقل بالشباب من التعلم إلى التطبيق.. فمن خلال التجارب العملية سيتمكن المشاركون من اكتساب خبرات واقعية، والتعرف إلى احتياجات القطاعات الحيوية، وبناء المهارات التي تساعدهم على اختيار مساراتهم المستقبلية بثقة، والمشاركة بفاعلية في خدمة أسرهم ومجتمعهم ووطنهم”.
وقالت معالي هاجر أحمد الذهلي، الأمين العام لمجلس التعليم والتنمية البشرية والمجتمع: “إن إعداد الشباب لم يعد يقتصر على التعليم الأكاديمي، بل أصبح منظومة متكاملة تربط المعرفة بالمهارة، والقيم بالتجربة، والتعلم بمتطلبات المستقبل.. ويجسد برنامج الجاهزية الوطنية – غطاريف هذا التوجه من خلال توحيد جهود المؤسسات التعليمية وشركائها لإعداد جيل قادر على مواكبة المتغيرات، وخدمة وطنهم، والمساهمة في القطاعات الوطنية ذات الأولوية بثقة وكفاءة”.
يأتي إطلاق “برنامج الجاهزية الوطنية – غطاريف” ليعكس التزام دولة الإمارات المستمر بالاستثمار في شبابها، وتمكينهم من الإسهام بفاعلية في مسيرة التنمية، وتعزيز جاهزيتهم لمستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة، فيما تنطلق المرحلة الأولى من البرنامج في سبتمبر 2026 بالتعاون مع مجموعة من الشركاء من الجهات الحكومية وشبه الحكومية، ومؤسسات التعليم العالي، والقطاع الخاص، ويتيح للمشاركين تجارب تعليمية وتطبيقية مرتبطة بالاحتياجات والأولويات الوطنية.
كما يقدم البرنامج حزمة من الحوافز والامتيازات، تشمل المكافأة الشهرية، وفرص التدريب العملي، والحصول على شهادات مهنية معتمدة، والاستفادة من الساعات الأكاديمية وفق الضوابط المعتمدة، إلى جانب فرص دعم المشاريع والمسارات المستقبلية للمشاركين المتميزين.
ودعت المؤسسة الاتحادية شباب وشابات الثانوية العامة حديثي التخرج إلى الاطلاع على تفاصيل البرنامج ومساراته ومتطلبات الالتحاق والتسجيل عبر المنصة الرسمية NRP.FYA.GOV.AE، حيث يبدأ التسجيل في المرحلة التجريبية من البرنامج اعتبارًا من يوم الخميس الموافق 23 يوليو 2026، على أن يستمر حتى يوم الخميس الموافق 30 يوليو 2026. وام