عربي21:
2026-06-02@21:01:23 GMT

التشبّع الدلالي: حين تتعلّم القوة أن تتحدّث عبر الصمت

تاريخ النشر: 16th, January 2026 GMT

بعض الكلمات خُلقت لتُقلقنا، أما اليوم، فلم تعد تُحرّك فينا شيئا.. "القلق"، "ضبط النفس"، "خفض التصعيد"، "الأسف".. تبدو كلمات مسؤولة، بل رصينة، لكنها لا تطالب بشيء. ربما لم يتوقف العالم عن الكلام، بل تكلّم إلى حدٍّ جعل الاستماع نفسه مرهقا. المفردات ما تزال قائمة، لكن الاستجابة اختفت.

لم يحدث هذا فجأة، فلطالما ارتبطت اللغة بالسلطة، لكن في السياسة الدولية المعاصرة تحوّلت إلى شيء آخر: أداة عزل.

تُصدَر البيانات، تُكرَّر المواقف، ويُحافَظ بعناية على انطباع الانخراط، بينما يبقى النظام نفسه شبه ساكن. المسافة بين القول والفعل أصبحت -بهدوء- أكثر المساحات أمانا في السياسة الدولية.

وهنا تبدأ الكلمات بفقدان وزنها. يسمّي علماء النفس هذه الظاهرة "التشبّع الدلالي"؛ اللحظة التي تفقد فيها اللغة أثرها العاطفي والمعرفي بفعل التكرار.

التسمية أقل أهمية من نتائجها؛ حين تُكرَّر العبارات والمواقف والاستجابات بلا نهاية، يتوقّف العقل عن التعامل معها كإشارات استعجال، تبقى اللغة، لكن ثقلها ينهار.

حذّر جورج أورويل من هذا الخطر قبل أن يدخل المصطلح القاموس النفسي. في رواية 1984، لم تكن أداة السلطة الأكثر فاعلية هي القمع المباشر، بل التكرار. شعارات تُردَّد حتى يصبح التناقض أمرا طبيعيا، لم يُقنَع الناس بل أُنهكوا. وكان الإرهاق، لا الإيمان، هو ما أنهى المقاومة. عالمنا ليس ديستوبيا أورويل، لكن بصيرته حول قدرة اللغة على إنهاك الاعتراض لم تعد بعيدة.

اليوم، السياسة العالمية مشبعة بكلمات مُدارة بعناية: "سلوك مسؤول"، و"ردّ محسوب"، و"ضرورة منع التصعيد". كانت هذه العبارات تحمل يوما ثقلا أخلاقيا، أمّا الآن، فهي غالبا مجرّد علامات إجرائية؛ دليل على أن شيئا قيل، لا على أن شيئا سيتبعه. توسّعت اللغة، لكن المساءلة تآكلت.

غزة تقدّم المثال الأوضح على هذا التحوّل، لا لأنها غائبة عن النظر، بل لأنها مرئية بلا توقف. الصور تتدفّق، التقارير تتكاثر، البيانات تتكرّر، ومع هذا التكرار، يتشكّل خدرٌ خطير. هذا ليس صمتا، بل إنهاك دلالي. العالم لا يفتقر إلى المعلومات؛ بل يفتقر إلى الإحساس بالإلحاح.

وقد تبيّن أن هذا الإنهاك مفيد على نحو غير متوقّع للسلطة؛ حين تصبح ردود الفعل روتينية، يمكن تأجيل المسؤولية. عبر الكلام بما يكفي لإظهار الانخراط -والفعل بالقليل الكافي لتجنّب العواقب- تحتفظ الدول بهامش المناورة بينما تتخلّى عن المساءلة. الصمت، في هذا السياق، لم يعد ضعفا؛ بل أصبح استراتيجية.

المنطق نفسه يعيد تشكيل مجال الأمن العالمي. فالفضاء، الذي كان يُنظر إليه باعتباره مجالا للاتصال والتنبؤات الجوية والربط التقني، تحوّل إلى ساحة استراتيجية متنازع عليها بالكامل. تطوير الصين لقدرات المناورة المدارية -أقمار صناعية قادرة على تغيير السرعة والمسار والتأثير في أنظمة أخرى- يشير إلى تحوّل في كيفية ممارسة القوة خارج الأرض. في المقابل، باتت الولايات المتحدة وحلفاؤها يتعاملون مع الفضاء لا كحدٍّ علمي، بل كأصل عسكري واقتصادي. لم يعد الفضاء سماء؛ بل أصبح طريقا سريعا، تُحدَّد فيه الأفضلية بالوصول والسرعة والقدرة على التعطيل.

ولا يتوقف هذا المنطق عند المدار، بل يمتد إلى الأعماق، إلى قاع البحار وما دونه. كابلات البيانات البحرية، والمعادن النادرة، والليثيوم، والكوبالت لم تعد موارد اقتصادية فحسب؛ بل تحوّلت إلى قضايا أمن قومي. التقنيات الدفاعية المتقدمة، والأنظمة الفضائية، والبنى الرقمية تعتمد عليها. لم يعد الأمن والاقتصاد مجالين منفصلين؛ بل اندمجا في منظومة استراتيجية واحدة.

ضمن هذا السياق، لم تتكشّف أزمات 2025 (دمار غزة، تصاعد التنافس التكنولوجي والاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين، الحروب التجارية، أنظمة العقوبات) بمعزل عن بعضها، بل تداخلت. العسكرة تضغط على الاقتصادات، الضغط الاقتصادي يغذّي الهجرة، الهجرة تُفاقم عدم الاستقرار السياسي، وعدم الاستقرار، بدوره، يبرّر مزيدا من العسكرة. ليست هذه أزمات متفرقة، بل قوى متشابكة داخل النظام ذاته.

لهذا يصبح التشبّع الدلالي بالغ الخطورة في هذه المرحلة. حين تُكرَّر مصطلحات مثل "المخاوف الأمنية" و"التنافس الاستراتيجي" إلى حدّ تحوّلها إلى ضجيج تقني خلفي، يمضي التحوّل بلا مقاومة. لا نرتدع، بل نتكيّف. وفي السياسة الدولية، نادرا ما يكون التكيّف محايدا، فهو غالبا ما يخدم القوة.

العام القادم لن يختبر قدرة العالم على الحديث عن الأزمات، بل سيختبر قدرته على تمييز اللحظة التي يتحوّل فيها الصمت إلى سياسة؛ لأنه حين تفقد الكلمات قوتها، لا تعود السلطة بحاجة إلى الإقناع. يكفيها أن تُكرّر.

التشبّع الدلالي لا يبدأ بالقمع، إنه ينتهي بالقبول الصامت.وفي السياسة الدولية، غالبا ما يكون القبول الصامت أكثر انتصارات القوة دواما.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مدونات مدونات الكلمات اللغة الصمت القوة لغة كلمات صمت قوة مدونات مدونات مدونات مدونات مدونات مدونات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة سياسة مقالات سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی السیاسة الدولیة

إقرأ أيضاً:

تكوين مستخدمي الحماية المدنية في اللغة الإنجليزية

أشرف العقيد ميلود رامي، المدير الفرعي للتكوين بالمديرية العامة للحماية المدنية، رفقة مسؤول مكتب الأمن الإقليمي بسفارة الولايات المتحدة الأمريكية بالجزائر، على مراسم التوقيع على اتفاق برنامج التكوين في اللغة الإنجليزية المتخصصة لفائدة مستخدمي قطاع الحماية المدنية.

وحسب بيان للمديرية العامة للحماية المدنية، يهدف هذا البرنامج إلى تطوير وتعزيز مهارات مستخدمي الحماية المدنية في اللغة الإنجليزية. لاسيما الفئات المكلفة بالمشاركة في عمليات التدخل والاستجابة للطوارئ والكوارث على المستوى الدولي. وكذا مستخدمي المجموعة الجوية للحماية المدنية. بما يساهم في تحسين قدرات التواصل والتنسيق ضمن آليات التعاون الدولي في مجال الحماية المدنية وإدارة الكوارث.

ويأتي هذا البرنامج تتويجا للتنسيق والتعاون القائم بين المديرية العامة للحماية المدنية وسفارة الولايات المتحدة الأمريكية بالجزائر في مجال التكوين وتبادل الخبرات.

وتندرج ضمن الجهود الرامية إلى الارتقاء بالكفاءات اللغوية للمستخدمين الذين تقتضي طبيعة مهامهم الميدانية والعملياتية والتواصلية التحكم في اللغة الإنجليزية. خاصة في إطار عمليات الإغاثة الدولية، والمناورات والتمارين المشتركة. والتدخلات المرتبطة بإدارة الأزمات والكوارث ذات الطابع متعدد الجنسيات.

وقد سبق إطلاق هذا المشروع بتنظيم عملية تقييم للمكتسبات والمعارف في اللغة الإنجليزية لفائدة عدد من مستخدمي القطاع. شملت على وجه الخصوص أفراد فرق البحث والإنقاذ في الأماكن الحضرية، وعناصر المجموعة الجوية. إلى جانب فئات مهنية أخرى معنية بالتواصل والتنسيق مع الشركاء والهيئات الدولية.

ويجسد هذا البرنامج حرص المديرية العامة للحماية المدنية على الاستثمار في المورد البشري باعتباره الركيزة الأساسية لتطوير الأداء والارتقاء بمستوى الجاهزية العملياتية. من خلال دعم التكوين المستمر وتعزيز الكفاءات المهنية واللغوية. بما يتماشى مع المعايير الدولية المعتمدة في مجال الاستجابة للطوارئ والكوارث.

كما يعكس هذا التعاون الإرادة المشتركة للطرفين في توسيع مجالات الشراكة وتبادل الخبرات والمعارف. بما يخدم أهداف تحديث وعصرنة قطاع الحماية المدنية. وتعزيز قدراته على مواجهة مختلف التحديات والمهام الإنسانية والعملياتية على المستويين الوطني والدولي.
إضغط على الصورة لتحميل تطبيق النهار للإطلاع على كل الآخبار على البلاي ستور

مقالات مشابهة

  • جبهة دعم فلسطين ومناهضة التطبيع تستعرض حصيلة "أسطول الصمود" وتنتقد الصمت الرسمي
  • نائب الشيوخ : إحياء القاهرة التاريخية يعيد رسم خريطة القوة الناعمة لمصر
  • صبري فواز يبحث عن أصل المصريين في ثاني حلقات برنامج إيه بقى؟
  • صبري فواز يبحث عن أصل المصريين في ثاني حلقات برنامجه «إيه بقى؟»
  • باحثة دولية: التطورات الأخيرة غيرت ميزان القوة لصالح الجانب الإيراني
  • القوة الجوية يحسم اللقب لدوري نجوم العراق
  • كاسيميرو: البرازيل ليست المرشح الأول لكأس العالم 2026 رغم القوة والطموح
  • تكوين مستخدمي الحماية المدنية في اللغة الإنجليزية
  • عبور 24 سفينة مضيق هرمز خلال 24 ساعة بترخيص من الحرس الثوري الإيراني
  • انطلاق القمة الروحية في دار طائفة الموحدين الدروز.. أبي المنى: لن ننقل السياسة إلى الطاولة