الضغوطات .. دمار شامل للإنسان
تاريخ النشر: 16th, January 2026 GMT
استوقفتني مقولة شهيرة تقول:
«ليست ضغوط الحياة دائمًا بحاجة إلى حلول، فبعض الأوجاع لا تُعالج بالعقل، ولا تُطفأ بالنصائح، ولا تزول بالكلام الكثير. هناك لحظات تختنق فيها الروح، وتتعب فيها النفس من كثرة التحمل، رغم الصمت الطويل، ورغم التظاهر بالقوة. في تلك اللحظات لا نحتاج إلى خطط ولا مواعظ، بل نحتاج إلى شيء أبسط وأصدق؛ نحتاج إلى حضن دافئ، إلى لمسة طمأنينة، إلى من يشعرنا أن الحياة، برغم قسوتها، لا تزال تحتفظ بشيء من الرحمة».
دائمًا أسأل نفسي: كيف يُقنع الإنسان نفسه بالانتحار؟ الوصول إلى هذه المرحلة الحرجة من الوقت يحتاج إلى دراسة مستفيضة، وإلى مكاشفة بدلًا من إلقاء اللوم على طرف دون الأطراف الأخرى. من الذي أوصل هذا الإنسان إلى مرحلة اليأس وعذاب النفس؟ هل نُلقي بكل شيء على الظروف، أم هناك شركاء لها؟
قرار الخلاص من الروح ليس قرارًا سهلًا أو يأتي فجأة، بل هناك سلّم يهبط من خلاله الإنسان المنكسر الموجوع. لماذا لا نساعد بعضنا البعض عندما نراه في حالة الضياع؟ لماذا نترك الأقدار هي من تعصف به، ثم نلومه؟
كم سمعنا، وبعضنا عايش، قصصًا حزينة كانت ولا تزال حديث الناس. أشخاص كانوا حتى وقت قريب يدافعون عن المقولة الشهيرة: «ليست ضغوط الحياة دائمًا بحاجة إلى حلول، فبعض الأوجاع لا تُعالج بالعقل»، بكل ما بهم من قوة لإبعاد ذلك الحبل عن رقابهم، لكنهم فشلوا في ذلك!
كم هو مؤلم أن نخسر من بيننا أشخاصًا لم يستطيعوا النجاة، واعتقدوا بأن الحل هو الخلاص من الحياة. لماذا لا نُلقي باللوم على أنفسنا أو أقرب الناس إليهم؟ لماذا تركوهم يعانون بصمت، رغم أن كل علامات الوجع كانت تبدو عليهم؟
تقول الحكمة القديمة:
«قد ينسى الكثيرون أن القلوب تتعب، وأن الأرواح تُرهق من كثرة التحمل، لكننا كبشر لا نُبنى من حديد. نحن هشّون من الداخل مهما تظاهرنا بالعكس. لذلك حين ترى أحدهم يضحك بينما في عينيه انكسار، أو يطمئنك بأنه بخير رغم أن صوته خافت متعب، لا تقدم له درسًا في الصبر، فقط كن معه بجانبه، وامنحه ذلك الدعم الذي قد يكون، دون أن تدري، طوق النجاة الوحيد».
عندما ينتهي كل شيء، وتضيع حياة شخص كل ذنبه أنه كان يعاني بصمت، لا نفكر في الأسباب التي أوصلته إلى ما وصل إليه، بل نكيل عليه التهم بضعف الإيمان. وهل من الإيمان أن نترك أيدينا مغلولة إلى صدورنا، وكأننا ننتظر ضحية أخرى تزل قدمها وتنهي حياتها لأنها لم تستطع الخروج من دائرة الموت وظلمة الأفكار والعَبَرات؟
لماذا لا نلوم أنفسنا؟ نحن لم نقتلهم أو ندفعهم إلى هذه النهاية المأساوية، لكن كان بإمكاننا الجلوس إليهم، ودعمهم بأي طريقة كانت. ربما كانوا بحاجة ماسّة إلينا. أبعد ذلك نقنع أنفسنا بأننا دومًا نسير في الطريق الصحيح؟
دعوة أو صرخة نطلقها في وجوه بعضنا البعض: انتبهوا جيدًا إلى أبنائكم وأصدقائكم، فقد يكونون بحاجة إليكم؛ فالندم لا يجدي أبدًا بعد ضياع الأرواح.
نحن بشر نعيش على هذه الأرض، وتزاحمنا الحياة بضغوطاتها النفسية والعصيبة، وتدخلنا في مناطق سوداوية. إيماننا يتزحزح من مكانه، ونفوسنا تصبح ملتهبة بمشاعر الضعف وفقدان الأمل وخيبة الرجاء. دعونا ننتبه أكثر لكل من يعاني بقربنا، فالأرواح غالية، والفقد مذاقه أصعب من أي مذاق ذقته ذات يوم.
من أجمل ما قال الإمام علي بن أبي طالب عن الحياة، والذي يوافق ما ذكرت، هو:
«كن كما تكون ولا تكن كما يكونون، لا تقل ما تسمع ولا تسمع ما يقولون، وكما وُلدت باكيًا والناس حولك يضحكون، فمت ضاحكًا والناس حولك يبكون».
هذه المقولة تدعو إلى الثبات على المبدأ، وعدم التأثر بضغوط الآخرين، والعيش بصدق حتى يرضى الإنسان عن نفسه في نهاية حياته.
باختصار القول – كما يُقال –:
«أنت لا ترى الضغط الذي يواجهه الشخص الآخر، والشخص الآخر لا يرى الألم الذي تعاني منه. هذه هي الحياة؛ علينا أن نحاول فهم بعضنا البعض، ونتواصل بشكل أفضل».
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .