بوابة الوفد:
2026-06-03@00:01:59 GMT

القاضية للإخوان

تاريخ النشر: 16th, January 2026 GMT

جاء القرار الأمريكى بتصنيف جماعة الإخوان فى مصر والأردن ولبنان كجماعة إرهابية ليشكل نقطة فاصلة فى مسار التعامل الدولى مع هذا التنظيم، الذى ظل لعقود يقدم نفسه بوجه سياسى علنى، بينما تتحرك بنيته الحقيقية فى مسارات موازية قائمة على العنف وزعزعة الاستقرار واختراق مؤسسات الدول.

القرار، الذى وصف بأنه الضربة القاضية للتنظيم، لم يكن مفاجئاً بقدر ما كان تتويجاً لتراكم طويل من الأدلة والتجارب، كشفت طبيعة الدور الذى لعبته الجماعة فى عدد من الدول، سواء عبر التحريض المباشر، أو من خلال دعم التنظيمات المتطرفة، أو توظيف الخطاب الدينى لتحقيق أهداف سياسية على حساب استقرار المجتمعات.

فى مصر، قوبل القرار الأمريكى بارتياح واسع، لم يقتصر على المستوى الرسمى فقط، بل امتد إلى الشارع المصرى الذى تابع عن قرب ممارسات الجماعة، ودفع ثمن محاولاتها المستمرة لإرباك الدولة وإشاعة الفوضى. فالقاهرة كانت قد سبقت المجتمع الدولى بخطوة حين صنفت الإخوان جماعة إرهابية ومحظورة، استناداً إلى سجل طويل من العنف السياسى، والاغتيالات، والتحريض، ومحاولات تقويض مؤسسات الدولة الوطنية.

وتكشف التجربة المصرية أن الخطر الحقيقى لتنظيم الإخوان لا يكمن فقط فى أفعاله المباشرة، بل فى بنيته الفكرية التى تشرعن العنف حين يتعارض مع مصالح التنظيم، وتتعامل مع الدولة باعتبارها كياناً مؤقتاً يمكن اختراقه أو إسقاطه متى سنحت الفرصة. وهى الرؤية ذاتها التى انعكست فى تجارب أخرى بالمنطقة، حيث تحولت الجماعة إلى عبء أمنى وسياسى على الدول التى سمحت لها بالتحرك تحت لافتات العمل الدعوى أو السياسى.

القرار الأمريكى يحمل دلالات أوسع من مجرد تصنيف قانونى، فهو رسالة واضحة بإعادة قراءة ملف الجماعات العابرة للحدود، والتفريق بين العمل السياسى المشروع، والتنظيمات التى تستخدم الديمقراطية كأداة مؤقتة للوصول إلى السلطة، ثم تنقلب عليها. كما يعكس إدراكاً متأخراً، لكنه مهم، لحقيقة أن التسأهل مع مثل هذه التنظيمات لا ينتج استقراراً، بل يفتح الباب لمزيد من التطرف والفوضى.

وفى قراءة أعمق لخلفيات القرار الأمريكى، يتضح أنه لم يصدر من فراغ، ولا بدافع سياسى عابر، بل جاء نتيجة تراكم طويل من المعطيات الأمنية والاستخباراتية، وفشل رهانات سابقة على جماعة الإخوان باعتبارها تنظيماً يمكن دمجه أو احتواؤه داخل المنظومة السياسية. فقد كشفت التجارب المتتالية، خاصة بعد عام 2011، أن الجماعة تستخدم العمل السياسى كقناع لا كقناعة راسخة، وأن ولاءها التنظيمى العابر للحدود يتقدم دائماً على مفهوم الدولة الوطنية. كما أظهرت الوقائع على الأرض أن الجماعة لم تكتف بالتحريض أو الخطاب التعبوى، بل مارست العنف بشكل مباشر وحرصت على تنفيذه حين تعارضت مصالحها مع استقرار الدولة، مستندة إلى بنية تنظيمية مغلقة تبرر استخدام القوة كأداة سياسية. إلى جانب ذلك، لعب تغير المناخ الدولى، وتصاعد المخاوف من الجماعات الأيديولوجية العابرة للحدود، وضغوط الحلفاء الإقليميين الذين خاضوا مواجهات فعلية مع التنظيم، دوراً حاسماً فى إعادة تقييم الموقف الأمريكى. وبات واضحاً أن تعريف الإرهاب لم يعد يقتصر على من يحمل السلاح فقط، بل يشمل أيضاً من يمارس العنف، أو يخطط له، أو يوفر له الغطاء الفكرى والتنظيمى، أو يوظف العمل السياسى كمرحلة مؤقتة للوصول إلى السلطة ثم الانقلاب على قواعدها. من هنا، يمكن فهم القرار الأمريكى باعتباره اعترافاً متأخراً بحقيقة تنظيم ظل طويلاً محاطاً بالالتباس، لكنه فى جوهره يمثل مشروعاً أيديولوجياً مغلقاً، يتعارض بطبيعته مع الاستقرار، ويشكل تهديداً مباشراً للدول والمجتمعات، وهو ما جعل تصنيفه خطوة ضرورية، وإن جاءت بعد سنوات من التغاضى.

فى المحصلة، فإن ما حدث يمثل انتصاراً لمفهوم الدولة الوطنية، ويعيد الاعتبار لسياسات المواجهة التى انتهجتها مصر منذ سنوات، دفاعاً عن أمنها القومى واستقرارها الداخلى. وهو أيضاً تذكير بأن محاربة الإرهاب لا تكتمل إلا بتجفيف منابعه الفكرية والتنظيمية، وعدم منح غطاء سياسى أو دولى لتنظيمات ثبت بالتجربة أنها لا تؤمن إلا بمصالحها، ولو كان الثمن أمن الأوطان.

 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: أمجد مصطفى الزاد القرار الأمريكي جماعة الإخوان مصر والأردن ولبنان جماعة إرهابية القرار الأمریکى

إقرأ أيضاً:

لبنان.. الملعب يُفرض من جديد!

الوضع اللبنانى ليس جديدًا.. هو نتاج لتراكم أزمات مستمرة منذ السبعينيات.. وتكرار هذه الأزمات أقنع كل طامعٍ بأن لبنان ملعب مثالى لتصفية الصراع بين قوى مختلفة فى منطقة الشرق الأوسط!! 
نعم هذه هى الحقيقة التى يجب أن نعترف بها.. فقد تخلى الجميع عن لبنان وتركه وحيدًا يصارع موجات العنف السياسى المُسلح سواء من قوى لبنانية داخلية أو تنظيمات وفصائل من خارجه أو دول أرادت منه مسرحًا لعمليات تصفية الحسابات بين قوى إقليمية ودولية.. ولذلك لم يكن غريبًا أن نرى فى الثمانينيات صورة الرئيس السورى الراحل حافظ الأسد تعلو مطار بيروت لأن نفوذ سوريا فى العاصمة بلغ قدرًا لا يُصدقه أحد.. ووجدنا الفصائل الفلسطينية تتخذ من الأراضى اللبنانية مصدرًا للانطلاق لتحرير القدس حتى تآمرت عليها ميليشيات لبنانية رافضة للوجود الفلسطينى على أرض بيروت، لدرجة أن الأمر قاد هذه الميليشيات للتحالف مع إسرائيل ضد رجال المقاومة الفلسطينية.. وأخيرًا أصبحت أزمة لبنان (أو قل ذريعة إسرائيل لضرب لبنان) هى فى وجود حزب الله الذى ينتمى فكرًا وتنظيمًا وتمويلًا وتسليحًا لإيران والذى يتم تصنيفه بأنه أهم أذرع طهران فى المنطقة.. كل هذه التراكمات أدت إلى الوضع اللبنانى الحالى.. فالمسألة هى أن إسرائيل تتحجج بكون جنوب لبنان يمثل خطرًا عليها وهو ما يجعل الولايات المتحدة تبارك ضربات إسرائيل للبنان رغم كونها اعتداءات مخالفة للقانون الدولى، ولذلك فإننى أعتقد أن الأزمة اللبنانية فى مواجهة الفوضى ستستمر ما لم يتمكن اللبنانيون أنفسهم من تغيير تركيبة السياسة الداخلية المُعتمدة على الطائفية وتقسيم المناصب العليا طبقًا للمرجعية القبلية والدينية.. فرئيس الدولة مسيحى مارونى ورئيس الوزراء مسلم سُنى ورئيس مجلس النواب مسلم شيعى.. هذه تركيبة تجعل أى عدو قادر على اختراق الحدود بسهولة وتجعل أى طامع قادر على تنفيذ سيناريو طموحاته على أرضٍ مُقسمة ابتداءً دون بذل أى جهد لتقسيمه قبل اختراقه. 
أما عن التصعيد الإسرائيلى الإجرامى- الأخير- ضد لبنان وأهله فإن له عدة أسباب. مبدئيًا وبشكلٍ عام، هذا التصعيد مرتبط بمفاوضات الولايات المتحدة وإيران، واقتراب نهاية الحرب. إسرائيل تتعامل مع حزب الله باعتباره إحدى أذرع إيران، وتعتبره خطرًا دائمًا ومستمرًا عليها، ولذلك فهى تسعى لأمرين مهمين (من وجهة نظر إسرائيل). 
الأول: هو فرض منطقة عازلة ما بين شمال فلسطين وما بين الجنوب اللبنانى لتأمين ما يسمى بالخط الأصفر الذى لا يجوز تجاوزه. فإسرائيل تسعى لتثبيت هذا الأمر بسرعة قبل أن تنتهى المفاوضات، لأن ملف (لبنان) واحدًا من ضمن نقاط هذه المفاوضات التى ستجرى ما بين إيران وبين الولايات المتحدة. 
الهدف الثانى: هو محاولة تدمير البنية العسكرية التحتية لحزب الله، حتى لا يستطيع فى وقت قريب أو قصير العودة لتوجيه ضرباته لشمال إسرائيل، وبالتالى فهى تُسرع فى هذه الخطوات حتى تحقق إنجازًا عسكريًا ومكسبًا على الأرض خلال وقت قليل.     
 لكن مسألة تدمير البنية التحتية، هى مسألة تحتاج لوقت أطول- من وجهة نظرى- لأن حزب الله يستخدم الأنفاق باعتبارها استراتيجية لإخفاء قدراته، فالجزء الذى يسيطر عليه الحزب فى جنوب لبنان توجد به جبال كثيرة، ولذلك فالحزب قام باستخدام المغارات لتخبئة رجاله وعتاده وأسلحته ومعداته، وهذا الأسلوب شبيه بالوضع الموجود حاليًا فى إيران، وبالتالى فإن الفكرة أو الاعتقاد الموجود فى ذهن نتنياهو والقادة العسكريين الإسرائيليين بأنهم سيتمكنون من القضاء على البنية التحتية لحزب الله خلال وقت قصير هو اعتقاد خاطئ، وأعتقد أنه بعيد المنال، ربما تتمكن إسرائيل من النجاح فى تحقيق فكرة فرض منطقة عازلة (مؤقتة) أكبر من الخط الأصفر خلال هذا الوقت القليل، ولكنها لن تحقق مكاسب على الأرض أكثر من ذلك. 
إذن.. الخاسر الوحيد من تحويل لبنان لمسرح من جديد هو الشعب اللبنانى الذى يعانى منذ السبعينيات (وتحديدًا منذ اندلاع الحرب الأهلية) من عدم الاستقرار والدمار والقتل وتشريد الملايين، والانهيارات المتكررة لاقتصاده. 
هذه المعاناة اللبنانية جاءت من فكرة راسخة فى أذهان كل اللاعبين وهى أن (لبنان مسرحٌ يحتمل لعب كل الأدوار على أرضه)!! 
اللهم احفظ لبنان وشعبه وأرضه من كل سوء!! 
[email protected]

مقالات مشابهة

  • باحث سياسي: الفترة الماضية شهدت محاولات منظمة لإضعاف مؤسسات الدولة
  • وداعا سهام جلال.. اكتشفها الساحر وهنيدى صنع نجوميتها
  • لبنان.. الملعب يُفرض من جديد!
  • دعم المنتخب والجهاز الفنى المصرى
  • المسكوت عنه فى قوانين التصالح
  • تصعيد بين جماعة القديس بيوس العاشر والفاتيكان بعد الإعلان عن رسامة 4 أساقفة
  • تأجيل محاكمة متهمي الهيكل الإداري للإخوان إلى 2 أغسطس
  • محافظ الجيزة يبحث مع وفد صيني تعزيز العلاقات الثنائية والفرص الاستثمارية
  • محافظ الجيزة يلتقى وفد منطقة شيوتشو الصينية لبحث التعاون الثنائى والفرص الاستثمارية
  • التعاون الإسلامي تشيد بقرار إدراج الاحتلال في قائمة مرتكبي العنف الجنسي