لونا الشبل وأوستن والكيماوي.. المتحري يكشف أسرارا خطيرة لفلول الأسد
تاريخ النشر: 17th, January 2026 GMT
وأظهرت آلاف الدقائق المسجلة، والبيانات المسربة، والحسابات المخترقة، في تحقيق حمل عنوان "تسريبات فلول الأسد.. الاختراق الكبير"، صورة متكاملة لشبكة بالغة التعقيد عملت في الخفاء، في محاولة لاستعادة حكم لم يمضِ على سقوطه سوى عام واحد.
وكشف التحقيق، عبر تسريبات وتسجيلات ووثائق، عن شبكة متشعبة من فلول نظام الأسد، عملت على إعادة تنظيم نفسها سياسيا وعسكريا وماليا بعد سقوط النظام.
شبكة استخدمت المال والسلاح والتحالفات الخارجية وخطابات التحريض، في محاولة للعودة إلى المشهد، قبل أن تُكشَف تحركاتها بأصواتها ووثائقها، في واحدة من أوسع عمليات الاختراق التي طالت بنية النظام السابق قبل سقوطه وبعده.
ولم تُكشَف تحركات فلول نظام بشار الأسد عبر التحليل السياسي أو التقديرات الاستخباراتية فقط، بل بأصواتهم وصورهم ومحادثاتهم التي خرجت من داخل هواتفهم المخترقة.
يقول موسى، الذي عرّف عن نفسه بأنه كان مرافقا شخصيا لبشار الأسد بين عامي 2008 و2012، إنه بعد سقوط النظام عاد لمتابعة نشاط الفلول، وشكّل مجموعات سعت للتأثير على القوى التي كانت تدير البلاد.
ويؤكد أنه استخدم خلال عمليات الاختراق أكثر من صفة، من بينها صفة "إسرائيلي" وصفة "روسي"، في إطار ما وصفه بـ"عملية استخباراتية متكاملة الأركان".
كما يؤكد وجود تنسيق مباشر مع الحكومة الحالية، وعقد أكثر من جلسة اعتمد خلالها الاسم الحركي "عاكف"، موضحا أن الهدف كان توثيق كل ما يمكن توثيقه من تسجيلات صوتية وتسريبات مباشرة من داخل هواتف الفلول، لرسم صورة كاملة لتقاطعات تحركاتهم.
اختراق تقني
لم تكن العملية مجرد اختراق تقني، بل شملت –بحسب موسى– لقاءات مباشرة مع فلول النظام أو مقربين منهم في عدة دول، إضافة إلى لقاءات عبر الفيديو، واستخدام تقنيات متقدمة في التقمص والاستدراج والاستفزاز والاستنباط والهندسة الاجتماعية.
ويشرح موسى أن الخطوة الأولى تمثلت في إنشاء موقع إلكتروني يحمل العلم الروسي ورسالة من القوات المسلحة الروسية، لإيهام ضباط وعناصر الفلول بإمكانية التنسيق مع الروس.
كما جرى اختراق هاتف مترجم يعمل في القاعدة الروسية، واستخدام حسابه على "تليغرام" للتواصل مع إعلاميين وشخصيات مؤثرة، ما أتاح الوصول إلى قيادات بارزة داخل الشبكة.
ويقول موسى إن الدافع الرئيس للعملية جاء بعد ملاحظته وجود آلاف الجنود الذين أجروا تسويات غير جدية مع الحكومة السورية، إضافة إلى اختفاء ضباط وقادة بارزين دون أثر، مثل كمال الحسن وعلي مملوك وسهيل الحسن.
وفي تسجيل صوتي، يقول عمر رحمون، أحد الشخصيات المقربة من الفلول، إنه على تواصل شبه يومي مع سهيل الحسن ورامي مخلوف، وإنه زار مخلوف في موسكو، مؤكدا أن الأخير يتلقى تمويلا ولديه قنوات تواصل نشطة.
أحداث الساحل
قبل أيام من أحداث الساحل، رصد موسى محاولات تواصل من ضباط فارّين مع عناصر أجروا تسويات، بهدف إعادة بناء شبكات ميدانية والتحريض على مهاجمة الحكومة. ويؤكد أنه بنى قاعدة بيانات وبنك أهداف، واتبع منهجية هرمية للوصول من العناصر الأصغر إلى القيادات الكبرى.
ومن خلال الاختراق، حصل على معلومات حساسة تتعلّق بقاعدة حميميم وبشخصيات متعاونة معها، من بينهم عمر رحمون، الذي ظهر لاحقا كمحرّض في بداية أحداث الساحل.
ويؤكد موسى أن غياث دلا أعلن نفسه قائدا لما سُمّي بـ"المجلس العسكري"، بالتزامن مع بيانات صادرة عن محمد جابر ومقداد فتيحة. وفي تلك المرحلة، كان دلا متواجدا في بيت ياشوط، وأعاد تجميع مجموعات سابقة عملت معه في الفرقة الرابعة.
وتُظهر تسجيلات صوتية أوامر مباشرة بالحفاظ على السرية المطلقة، وحصر التوسع بعدد محدود من العناصر.
ويقول موسى إن المرحلة الأخطر تمثلت في الوصول إلى مصادر التمويل والملفات الإدارية واللوجيستية. ومن خلال أرقام موجودة في هواتف سهيل الحسن وغياث دلا، جرى الوصول إلى المحاسب المالي الخاص برامي مخلوف، والحصول على ملفات أُعدّت لعرضها عليه، تمهيدا لإرسالها إلى جهة يُشار إليها باسم "سيدة".
وتضمنت الملفات كشوفا مالية دقيقة بالرواتب والمبالغ المصروفة، إضافة إلى هيكلية القوات التي جرى تشكيلها في الساحل، وأعدادها الحقيقية، ونوعية السلاح، ما فنّد ادعاءات امتلاك مئات آلاف المقاتلين.
واستخدم موسى ذريعة أن "الموساد" يسعى إلى تنقية صفوف الضباط والتأكد من عدم ارتباطهم بإيران، إضافة إلى وعد بربطهم بمستشار عسكري عبر اجتماعات "زووم".
وبناءً على ذلك، كلّف غياث دلا قادة المجموعات بالتعاون مع موسى، مع اعتماد كلمة سر تنتهي بالرد "قوات الفجر". وبهذا الأسلوب، جرى التواصل مع جميع قادة المجموعات، بحسب موسى.
تحالف ميداني موثقمن بين الأسماء المحورية، يبرز وضاح، الذي قال في تسجيل صوتي إنه نقيب، وإنه تلقى عروض دعم من أطراف إيرانية ومن "الحشد الشعبي"، وإنه أعاد هيكلة فوج يضم 2500 مقاتل بطلب من سهيل الحسن عبر العميد أحمد ديوب، لإرساله إلى العميد أحمد صانع، ومنه إلى "النمر".
ويؤكد موسى أن وضاح كان مرتبطا مباشرة بقاعدة حميميم، ويحمل هوية صادرة عن الروس، وكان موظفا فيها. ومن خلال اختراق هاتفه، حصل على معلومات خطيرة حول تحركات ميدانية وتحالفه مع مقداد فتيحة خلال أحداث الساحل، إضافة إلى فيديو يظهرهما معا.
ويظهر مقداد فتيحة في مقطع فيديو متوعدا خصومه، بينما يؤكد موسى أن السلطات السورية ألقت القبض عليه، وأن محتويات هاتفه تتضمن مواد تدينه بارتكاب جرائم حرب.
أخطر الاختراقات
من أخطر ما كشفه التحقيق، تنصّت موسى على هاتف اللواء بسام الحسن، مستشار بشار الأسد الأمني، والمسؤول عن ملف الأسلحة الكيميائية، والمتهم في قضية الصحفي الأميركي أوستن تايس.
وخلال مكالمة هاتفية بين موسى وبسام الحسن، تناولت معطيات تتعلق بقضية أوستن تايس وملفات أمنية وإعلامية حساسة، أوضح الحسن أنه لم يكن طرفا مباشرا في ملف أوستن، مؤكدا أنه بادر منذ البداية إلى التعاون وتقديم المعلومات ذات الصلة، وطرح القضية مع أطراف أميركية بعلمهم الكامل.
وأضاف أن الاجتماعات التي عُقدت في هذا السياق انتهت بتعهد جماعي بعدم الحديث عن الموضوع أو تسريب أي تفاصيل، ما حال دون تقديم معلومات إضافية خارج هذا الإطار.
وفيما يتعلق بملابسات اعتقال أوستن، نفى الحسن أن يكون الأمر مخططا له مسبقا، معتبرا أن ما جرى كان أقرب إلى الصدفة، ولم يكن ضمن سيناريو مُعدّ سلفا.
كما تطرقت المكالمة إلى مقطع فيديو جرى تداوله يظهر فيه أوستن برفقة أشخاص وُصفوا بـ"الجهاديين"، حيث أفاد الحسن بأن فكرة تصوير الفيديو طُرحت من قِبل لونا الشبل عندما كانت تشغل منصب مسؤولة المكتب الإعلامي، ونُقلت إليه على أنها توجيه لتنفيذ هذا المحتوى. وأكد أنه أبدى اعتراضه حينها، معتبرا الفكرة غير مجدية وغير مقنعة، إلا أن الفيديو نُفّذ رغم ذلك.
وعند سؤاله عن لونا الشبل، نفى بسام الحسن بشكل قاطع أي دور له في مقتلها، مؤكدا أن علاقته بها كانت جيدة، وأنه تفاجأ بما حدث مثل غيره. وأشار إلى أن ما تردد في بعض الأوساط القريبة يفيد بأن عملية التصفية نُفذت من قِبل جهاز أمني، مرجحا أن تكون المخابرات الجوية الجهة المسؤولة، وبأمر مباشر.
ويؤكد بسام الحسن أن بشار الأسد هو من اتخذ قرار استخدام الأسلحة الكيميائية، ووجّه الأمر إلى بديع علي، الذي نسّق مع القوى الجوية والعميد غسان عباس، مسؤول وحدة الكيمياء، الذي تُوفي لاحقا بسكتة قلبية.
صراع المال والنفوذيكشف التحقيق دور أيمن جابر، شقيق محمد جابر، والأقوى منه في علاقاته مع الروس. ويكشف تسجيل صوتي عن مشادة كلامية حادة جرت في مكتب بأحد فنادق "راديسون" في موسكو، حيث يقيم رامي مخلوف، بين أيمن جابر وسهيل الحسن، تبادلا خلالها اتهامات وشتائم على خلفية المال والنفوذ.
ولم يقتصر الاختراق على التنصت، بل شمل تجنيد شخصيات من داخل الفلول، من بينهم جمال يونس، الذي أجرى مكالمات مع سهيل الحسن واللواء قحطان خليل واللواء سليم حربة واللواء كمال الحسن، وفي تسجيل صوتي، يعبّر جمال يونس صراحة عن رهان على "إسرائيل"، ويعلن رفضه لإيران وروسيا.
Published On 17/1/202617/1/2026|آخر تحديث: 01:23 (توقيت مكة)آخر تحديث: 01:23 (توقيت مكة)انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare2شارِكْ
facebooktwitterwhatsappcopylinkحفظ
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات أحداث الساحل سهیل الحسن تسجیل صوتی إضافة إلى موسى أن
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.