صحيفة أمريكية: بعد انسحابها من اليمن الإمارات تتجه إلى أفريقيا لبسط نفوذها
تاريخ النشر: 17th, January 2026 GMT
وأكدت أن القوى المحلية التي شكّلت سابقًا إحدى ركائز النفوذ الإماراتي، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي، واجهت إخفاقات متزايدة في تثبيت سيطرتها على مساحات حسّاسة، خصوصًا في محافظتي حضرموت والمهرة. فتعقيدات المشهد المحلي، وتشابك الولاءات القبلية، وحساسية الجغرافيا، إلى جانب فرض السعودية حضورًا عسكريًا وأمنيًا فاعلًا، حدّت من قدرة هذه القوى على فرض أمر واقع مستدام، وصولًا إلى استعادة القوى المتعاونة مع الرياض لمعظم المناطق التي دخلها "الانتقالي" سابقًا.
ومع ذلك، برز خلال الفترة الأخيرة تدخل سعودي مباشر وغير مباشر لإعادة ضبط موازين القوة في هذه المناطق، ما قيّد هامش حركة حلفاء أبو ظبي وفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة، أو على الأقل مغايرة لما كانت تسعى إليه الإمارات، لا سيما بعد إعلان الانتقالي عن "دولة الجنوب".
وذكرت الصحيفة أن هذا التحوّل لا يمكن فصله عن ارتفاع الكلفة السياسية لأي انخراط غير مباشر في اليمن، ولا عن الضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة المرتبطة بأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، حيث باتت أي حركة نفوذ تُقرأ اليوم ضمن معادلات أوسع تتجاوز الداخل اليمني نفسه.
وأضافت أن إعلان الإمارات انسحابها الكامل ووقوفها متفرجة على الغارات السعودية لا يمثل مجرد تراجع ظرفي أو إعادة تموضع تكتيكية محدودة، بل لحظة انعطاف حقيقية دفعتها للبحث عن ساحات بديلة أقل استنزافًا وأكثر قابلية للإدارة، وهو ما يفسر التسارع اللافت في توجهها نحو القارة الإفريقية.
وأفادت الصحيفة الأمريكية أن مع تصاعد الضغوط على أدوات النفوذ الإماراتية في اليمن خلال الأشهر الأخيرة، بدا واضحًا أن أبو ظبي تعيد ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في المنطقة. وفي خضم هذا التحوّل، لم تنتظر الإمارات طويلًا قبل أن توجّه جزءًا من طاقاتها نحو القارة الإفريقية، ليس عبر “مساعدات إنسانية عابرة” فقط، بل عبر استثمارات مالية وتنموية طويلة الأمد.
ففي القرن الإفريقي، رسّخت أبو ظبي موقعها في موانئ حيوية مطلة على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. فقد استمرت الاستثمارات الإماراتية في ميناء بربرة في أرض الصومال منذ اتفاق الامتياز الموقع عام 2016، والذي تَوسّع لاحقًا ليشمل تطوير البنية التحتية وربط الميناء بممرات برية تخدم إثيوبيا غير الساحلية. كما حافظت الإمارات على حضور لوجستي وتجاري نشط في جيبوتي وإريتريا، سواء عبر ترتيبات تشغيلية أو عبر شبكات دعم ملاحية غير مباشرة، ما منحها قدرة على التأثير في بيئة البحر الأحمر دون انخراط عسكري مباشر، خصوصًا في ظل تصاعد المخاطر الأمنية في هذا الممر خلال العام الأخير.
وأشارت إلى أن النفوذ الإماراتي في اليمن ارتبط بشكل وثيق بدعم الفواعل المحلية المسلحة، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوب. هذه الأداة كانت تُستخدم لمحاولة توسيع النفوذ في محافظات استراتيجية مثل حضرموت والمهرة. وقد شهدت هذه الساحة توتّرات وتصعيدًا مؤخرًا.
هذا السياق في اليمن يوضح حدود النموذج العسكري-الوكيل في بيئة سياسية شديدة التعقيد، حيث تتداخل الحسابات الإقليمية، التحالفات المتغيرة، والمشروعية الدولية، مما جعل تكلفة استمرار النفوذ العسكري والسياسي المباشر أعلى بكثير من العائد الاستراتيجي المتوقع.
وأمضت الصحيفة أن التحوّلات التي تشهدها السياسة الإماراتية في الأشهر والأسابيع الأخيرة ليست مجرد تحول جغرافي من اليمن إلى إفريقيا، بل تحمل رسائل استراتيجية مزدوجة الهدف. وعلى مستوى الشركاء الغربيين، تسعى أبو ظبي لإظهار أنها لا تنوي تصعيدًا عسكريًا إضافيًا بعد الجدل الذي رافق تدخلها في اليمن، وأنها تتجه نحو أدوات نفوذ أقل كلفة وأكثر قبولًا دوليًا، مثل التمويل التنموي والاستثمار في القطاعات المدنية.
المصدر
المصدر: ٢٦ سبتمبر نت
كلمات دلالية: فی الیمن أبو ظبی
إقرأ أيضاً:
17 مليار دولار تختفي سنوياً.. أين تذهب أموال «دعم الوقود»؟
أعاد الخبير الاقتصادي ورجل الأعمال حسني بي فتح ملف منظومة دعم المحروقات في ليبيا، عبر منشور مطوّل نشره على صفحته الرسمية وصفحة “رؤية عمل”، موجّهًا انتقادات حادة للسياسات الحالية، ومطالبًا بإعادة هيكلة شاملة تقوم على التحول من الدعم السعري إلى دعم نقدي مباشر للمواطنين.
وقال حسني بي إن الحديث عن الدعم في ليبيا، وفق وصفه، لم يعد مرتبطًا بالعدالة الاجتماعية، بل أصبح يعكس منظومة تبتلع الثروة العامة تحت شعارات اجتماعية فقدت فعاليتها، معتبرًا أن البلاد لا تعاني من نقص في الموارد، بل من خلل في إدارتها وتوزيعها.
وأوضح في منشور على صفحته بالفيسبوك، أن منظومة دعم المحروقات الحالية لا تمثل سياسة اجتماعية ناجحة، ولا تحقق أهداف حماية الفئات الضعيفة، بل تتحول إلى آلية لإعادة توزيع الثروة نحو شبكات التهريب والمضاربة والاقتصاد الموازي، على حد تعبيره.
وتساءل في منشوره عن جدوى استمرار هذه المنظومة، مشيرًا إلى أن ارتفاع معاناة الأسر الليبية وتراجع قيمة الدينار وتزايد أرباح التهريب، كلها مؤشرات على فشل النظام الحالي في تحقيق العدالة الاقتصادية.
وأضاف أن المواطن الليبي يتحمل كلفة مزدوجة، تتمثل في هدر الثروة النفطية عبر دعم لا يصل إليه فعليًا، إضافة إلى تأثيرات التضخم وارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية.
وكشف حسني بي أن كلفة دعم المحروقات والطاقة في ليبيا تتراوح بين 14 و17 مليار دولار سنويًا، أي ما يعادل نحو 100 إلى 120 مليار دينار، معتبرًا أن هذا الحجم من الإنفاق يؤدي إلى نزيف مالي واسع يمنع بناء اقتصاد مستقر أو تمويل تنمية حقيقية أو حماية العملة المحلية.
وفي المقابل، شدد على أن الحل لا يتمثل في رفع الدعم بشكل مباشر، بل في استرداد حق المواطن عبر تحويل الدعم إلى نقدي مباشر، يتم توزيعه بشكل شفاف وعادل لجميع الليبيين، عبر الرقم الوطني والحسابات المصرفية والمحافظ الإلكترونية.
وأشار إلى أن آلية مشابهة موجودة بالفعل منذ يناير 2021، حيث تُصرف علاوات للأسر الليبية تحت مسميات مختلفة مثل علاوة الأبناء والزوجة والبنات، بتكلفة سنوية تقارب 7.5 مليار دينار، وبمتوسط دعم شهري يقارب 550 دينارًا للأسرة، تُصرف كل ثلاثة أشهر.
واقترح توسيع هذه المنظومة بإضافة مبلغ نقدي مباشر قدره 500 دينار لكل مواطن شهريًا، ما يعني أن الأسرة المكونة من ستة أفراد ستحصل على نحو 3000 دينار إضافية شهريًا، ليصل إجمالي دخلها النقدي إلى نحو 3550 دينارًا بدلًا من 550 دينارًا حاليًا، وفق تقديره.
وأكد أن هذا التحول لا يمثل إنفاقًا جديدًا، بل إعادة توجيه للمال العام من قنوات التهريب والفساد إلى المواطنين مباشرة، مشيرًا إلى أن قوانين الميزانية في عامي 2013 و2014 نصت على ضرورة إعداد خطة لتحويل الدعم السلعي ودعم المحروقات إلى دعم نقدي، إلا أن التنفيذ لم يكتمل بالشكل المطلوب.
ودعا إلى اتخاذ قرار حاسم وفوري بوقف منظومة الدعم السعري التي يستفيد منها المهربون والمضاربون أكثر من المواطن، مع تحويل كامل القيمة إلى المواطنين عبر أدوات مالية حديثة، وربط الدعم بعدد أفراد الأسرة لضمان العدالة.
كما شدد على ضرورة إعادة هيكلة الأجور والدخل العام لحماية القدرة الشرائية، وتوجيه الموارد نحو التنمية والخدمات، معتبرًا أن استمرار الوضع الحالي يطيل عمر الفساد ويعمّق الأزمة الاقتصادية.
وختم حسني بي منشوره بالتأكيد على أن ليبيا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما استمرار منظومة “النهب المقنّع باسم الدعم”، أو الانتقال إلى نظام عادل وشفاف يعيد الثروة إلى المواطنين، معتبرًا أن النفط وأموال الدعم ملك للشعب ولا يجب أن تتحول إلى أرباح للتهريب والمضاربة.
وفي سياق متصل، علّق الخبير الاقتصادي مختار الجديد على الجدل الدائر، معتبرًا أن ردود الفعل حول بعض التفاصيل في النقاشات الاقتصادية لا تعكس جوهر القضية، مشيرًا إلى أن تفسير السلوكيات في الإعلام يحتاج إلى قراءة موضوعية بعيدًا عن الانطباعات الشخصية، في إشارة إلى الجدل الذي أُثير حول بعض ملاحظاته السابقة في البرامج الحوارية.
ويعكس هذا الجدل الاقتصادي المتصاعد في ليبيا حالة انقسام واضحة بين تيار يدفع باتجاه إصلاح جذري لمنظومة الدعم وتحويله إلى نقد مباشر، وتيار آخر يركز على أبعاد اجتماعية ونقاشات إعلامية مرتبطة بإدارة الخطاب العام حول الأزمة.
هذا وتعتمد ليبيا منذ سنوات على منظومة دعم واسعة لأسعار الوقود والسلع الأساسية، ما جعلها أحد أكبر بنود الإنفاق العام. غير أن هذه المنظومة تواجه انتقادات متكررة بسبب تسرب جزء كبير من الدعم إلى قنوات التهريب والسوق السوداء، في ظل ضعف آليات الرقابة والتوزيع.
ويُطرح بين الحين والآخر خيار التحول إلى الدعم النقدي المباشر كبديل إصلاحي، إلا أن تنفيذه يواجه تحديات سياسية واجتماعية واقتصادية معقدة.