عقيد إسرائيلي: التفوق العسكري يضعف مكانتنا في العالم والمنطقة
تاريخ النشر: 17th, January 2026 GMT
في الوقت الذي تبدي فيه دولة الاحتلال حماساً غير مسبوق للإطاحة بإيران، فإن تقديرات فيها تحذر أن إضعاف إيران قد يضعفها أيضاً، على نحوٍ غير مسبوق، لأنه سيعني دخول محورين سُنِّييْن قويين، وهما تركيا والسعودية، على اعتبار أن الفراغَ المُتولد بعد إيران ستذهبان لملئه، وتتنافسان على رسم ملامح المنطقة، وهذا قد لا يكون في مصلحة الاحتلال.
العقيد دان تسيون، القائد السابق لسرب مقاتلات سلاح الجو، ذكر أن "حرب السيوف الحديدية على غزة، وحرب الأيام الاثني عشر ضد إيران، كشفت عن مفارقة جوهرية في الأمن الإسرائيلي، فالنجاح العسكري في إضعاف محور المقاومة قد يُؤدي لإضعاف الموقف الاستراتيجي للاحتلال، والسبب أن ضعف إيران مهّد الطريق أمام صعود تركيا كقوة إقليمية مهيمنة، وهي، على عكس إيران الضعيفة، خصم أيديولوجي وجيوسياسي للاحتلال، وتتمتع بشرعية غربية، ودعم أمريكي".
وأضاف في مقال نشرته صحيفة معاريف، وترجمته "عربي21" أن "التغيير الجذري بدأ في واشنطن، حيث تختلف عقيدة ترامب الثانية جوهريًا عن النهج الأمريكي التقليدي، لأنها استراتيجية نفعية خالية من الأيديولوجيا، تركز على المصالح الاقتصادية بدلًا من القيم الديمقراطية، وقد رفع العقوبات عن سوريا، واستضاف رئيسها أحمد الشرع في البيت الأبيض، وتقرّب من تركيا، بل وأجبر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على الاعتذار لأمير قطر بعد أن شنّ الاحتلال هجمات على أهداف في بلاده".
وأشار أن "نتيجة هذه السياسة تتجلى في عصر لا تُعير فيه الولايات المتحدة اهتمامًا لهوية الأنظمة، بل تُفضل "القادة الأقوياء" على الحلفاء الديمقراطيين، وتتلاشى بسرعة الميزة الاستراتيجية للاحتلال بزعم أنها "الديمقراطية الوحيدة في المنطقة"، لأن الحقيقة الماثلة أمامه باتت أكثر تعقيدًا بكثير، فنحن لدينا محوران سُنِّيًّان يتنافسان على تشكيل مستقبل الشرق الأوسط".
وشرح قائلا إن "المحور السني الأول هو الإسلامي الراديكالي، بقيادة تركيا وقطر، الذي يُسيطر على الوقائع على الأرض، وفيما تُزود الأولى الجيش السوري الجديد بالأسلحة والتدريب والمستشارين العسكريين؛ فإن الثانية تُموّل رواتب موظفي الخدمة المدنية السوريين، 29 مليون دولار شهريًا، وتدعم أسعار الغاز 60 مليون دولار، وتستثمر في البنية التحتية، وكلاهما يدعمان الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية، ويُعدّ الشرع، الزعيم السوري الجديد، حليفهما الرئيسي".
وأوضح أن "المحور السني الثاني هو المحافظ المعتدل، بقيادة السعودية والإمارات والأردن ومصر، يسعى لموازنة نفوذ المحور الأول عبر القوة الاقتصادية، لأن دوله تدعم الاعتدال، وتعارض الحركات الإسلامية، رغم أن التاريخ يُظهر فشل المحور الثاني مرارًا في محاولاتها لوقف نفوذ المحور الأول في العراق ولبنان واليمن، وهكذا أصبحت اتفاقيات التطبيع حلمًا يتلاشى، حيث تراجعت فرص التطبيع، الذي بدا وكأنه ثورة إقليمية في عام 2020، بشكل ملحوظ، والخطورة أن السعودية تتجه نحو الابتعاد عنها، والتقرب من قطر وتركيا، وحتى إيران".
وأكد أن "الإمارات العربية المتحدة تشعر بخيبة أمل إزاء الحرب في غزة، وترى أن قطر تحظى باهتمام مفرط في خطط ترامب، وفي البحرين، يعارض 95% من السكان التطبيع، مقارنةً بـ 85% قبل الحرب، وقطعت تركيا علاقاتها الدبلوماسية تمامًا في نوفمبر 2024، بينما رفض الشرع الانضمام للاتفاقيات، وجاءت نقطة التحول في الهجوم الإسرائيلي على قطر في سبتمبر 2025"، وأدركت دول الخليج أنها معرضة للخطر الإسرائيلي، وليس إيران وحدها".
وأشار أن "مصر التي يمكن وصفها بأنها "العملاق الضعيف"، الدولة العربية المركزية لعقود، تجد نفسها على الهامش، صحيح أنها تحافظ على اتفاقية السلام مع الاحتلال، لأنها مصدر مليارات الدولارات من المساعدات الأمريكية، لكن ضعفها الاقتصادي، واعتمادها على السعودية والإمارات، وسياستها الخارجية الانفعالية تجعلها لاعبًا ثانويًا، ففي السودان وأفريقيا وسوريا، تتأخر في ردّ فعلها، وتنجرف مع التيار".
وأوضح أن "المفارقة الأساسية تكمن في أن نجاح دولة الاحتلال بإضعاف إيران مكّن تركيا من الصعود كلاعب إقليمي مهيمن، ويدعو الرئيس أردوغان علنًا لتدميرها، ويسلح سوريا، وقد يكون ثمن تورطها هناك باهظًا بالنسبة للاحتلال، وبالتالي فإن استمرار القصف الإسرائيلي في سوريا، أكثر من 500 هجوم منذ سقوط نظام الأسد، والاستيلاء على المزيد من الأراضي، لا يُعزز مكانة الاحتلال، بل يُقوّض الوضع الإقليمي الراهن، ويُرسّخ صورتها كدولة يُعيق سلوكها استقراره".
وأضاف أن "هذا الأمر يُنَفّر المعتدلين مثل السعودية والإمارات، ويُقرّبهما من المحور التركي القطري، ورغم أنه يُنظر للاحتلال حاليًا على أنه يمتلك قوة عسكرية، لكن نفوذه الإقليمي محدود، على عكس تركيا ودول الخليج التي تتمتع بشعبية وقوة ناعمة، مع العلم أن ممرّ IMEC (الهند-الشرق الأوسط-أوروبا) يتطلب الاستقرار والتطبيع، مع انسحاب السعودية، وظهور المحور السوري التركي كبديل، مما يجعل الاحتلال يواجه تحديًا استراتيجيًا حادًا، يتطلب منه إيجاد توازن بين الحفاظ على تفوقه العسكري، وتجنب تقويض الوضع الراهن بطريقة تُنَفّر الحلفاء المحتملين".
يبدو لافتا هذا الاستنتاج الاسرائيلي عن أن استمرار الأعمال العدوانية في سوريا ولبنان وغيرها من المناطق قد يُعزز صورة دولة الاحتلال كقوة مُزعزعة للاستقرار، وبالتالي يدفع المعتدلين لأحضان تركيا وقطر، بالتزامن مع السياسة المتبعة في عهد ترامب، حيث تسعى الولايات المتحدة لتحقيق الاستقرار عبر "صفقات" مع قادة أقوياء، وهنا قد تجد دولة الاحتلال نفسها معزولة، ليس رغم نجاحاتها العسكرية، بل بسببها.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة دولية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية الاحتلال غزة غزة الاحتلال جيش الاحتلال صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة صحافة صحافة سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة دولة الاحتلال
إقرأ أيضاً:
لماذا ترى إسرائيل الاتفاق النووي السعودي الأمريكي خطرا استراتيجيا؟
انشغلت المحافل الإسرائيلية السياسية والعسكرية، بالتقارير التي تتحدث عن اتفاق نووي أمريكي سعودي بصورة لافتة، دون تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال، مما يُعرّضها لما تعتبره أسوأ سيناريو متمثل في خطر أمني غير مسبوق دون أي مكاسب سياسية.
الباحث الأول ورئيس برنامج الخليج بمعهد الدراسات الأمنية بجامعة تل أبيب، والرئيس السابق لقسم إيران والخليج في مجلس الأمن القومي، يوئيل جوزانسكي، أكد أن "إسرائيل ينبغي لها أن تقلق من الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والسعودية، لأنها قد تجد نفسها في أسوأ وضع بالنسبة لها، وهو الخطر المتزايد لانتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، ودون تحقيق الإنجاز السياسي المتمثل في التطبيع مع أهم دولة عربية".
وأضاف في مقال نشره موقع "واللا" وترجمته "عربي21" أنه "لسنوات، كان من الواضح أن استعداد الولايات المتحدة لتلبية المطالب السعودية في المجال النووي ليس غاية في حد ذاته، بل جزء من اتفاق إقليمي أوسع، وقد كانت الفكرة بسيطة، وبموجبها ستحصل الرياض على ضمانات أمنية وبرنامج محطة طاقة نووية مدنية متطورة، وفي المقابل ستحصل إسرائيل على اتفاق تطبيع تاريخي، لكن يبدو الآن أن الصلة بين المسألتين بدأت تتلاشى".
ردود فعل إسرائيلية
ويمكن الاستنتاج من هذا التطور أنه إذا منحت واشنطن السعودية ما تريده حتى دون إحراز تقدم مع دولة الاحتلال، فهذا يعني أنها ستتحمل المخاطر وحدها، ودون تحقيق أي مكاسب استراتيجية، وبالتالي فلا تكمن المشكلة في تطوير الطاقة النووية المدنية بحد ذاتها، لن العديد من الدول تشغل مفاعلات لأغراض سلمية، لكن السؤال الذي يشغل صناع القرار في تل أبيب هو ما إذا كانت الرياض ستُمنح أيضاً خيار تخصيب اليورانيوم، فإذا كان الأمر كذلك، فهذه سابقة ذات خطورة إقليمية واسعة على دولة الاحتلال.
هنا يمكن استعراض أهم ردود الفعل الإسرائيلية من هذا الاتفاق، وقد كان لافتا أن الائتلاف بقي صامتا، خشية الصدام مع واشنطن، فيما تصدر قادة المعارضة إصدار التصريحات المعارضة للاتفاق:
رئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينيت، الذي يعتبر أحد منافسي نتنياهو في الانتخابات المقبلة، اعتبر أن "هذه الاتفاقية تعني الانضمام لسلسلة إخفاقات دبلوماسية شهدناها إسرائيل خلال الفترة الماضية، مما يعتبر فشلا استراتيجيا خطيرا يهدد أمننا القومي، وتفقد فيها إسرائيل تأثيرها على مصيرها".
بدوره، زعم رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" ووزير الحرب الأسبق، أفيغدور ليبرمان، أن "علينا أن نعي أن البرنامج النووي السعودي سينتهي بسلاح نووي، وبسباق تسلّح جنوني في جميع أنحاء الشرق الأوسط، على إسرائيل أن توضح بحزم أنها تعارضه، وعلى الحكومة ان تعمل بقوة في الكونغرس لإفشال هذا المسار".
واتهم رئيس حزب "الديمقراطيين"، يائير غولان، الذي يمثل يسار الوسط، نتنياهو بأنه "فعل ما لا يصدّق بخسارة التطبيع مع السعودية، ويمكّنها من التحول إلى دولة نووية، لقد خسرنا أحد محفّزات التطبيع، وإسرائيل لم تكن شريكة في هذه الخطوة".
الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، الجنرال يعكوب ناغال، زعم أن "أي تخصيب لليورانيوم، من أي نوع كان، على الأراضي السعودية هو خطأ، بغض النظر عمن سيقوم به، وكيف سيتم الإشراف عليه، هكذا كان موقفي قبل السابع من أكتوبر في إطار حزمة التطبيع، وموقفي لم يتغير".
خطوات متوقعة
هنا يمكن الحديث عن سلسلة خطوات إسرائيلية متوقعة:
إعادة الحديث عن المسار السياسي التدريجي في الساحة الفلسطينية، من خلال الدعم الأمريكي الواضح، وإن كان ذلك متعذرا في ظل موسم انتخابي حامي الوطيس.
إمكانية التوصل إلى اتفاق ثلاثي يخدم المصالح الإسرائيلية أيضًا، وليس المصالح الأمريكية والسعودية فحسب.
لا يمكن لدولة الاحتلال الاكتفاء بمعارضة الاتفاق، والمخاطرة بتوقيعه على أي حال، أو أن تسعى لصياغته بحيث يُقلل من المخاطر النووية، ويُعيد هدف التطبيع إلى الواجهة.
الاستنتاج الاسرائيلي من هذا الحراك السعودي الأمريكي المتلاحق في الملف النووي يتمثل بين التخوف من تبعاته من جهة، ومن جهة أخرى الخشية من عدم التأثير في الواقع، والتصالح معه، لأن إذا مضت هذه الصفقة قدمًا، فإن مكمن القلق الإسرائيلي هو عدم تقليل مخاطرها، وضمان ألا تنتهي هذه الخطوة الاستراتيجية الهامة بحصول السعودية على كل شيء، وبقاء الاحتلال بلا شيء.
في الوقت ذاته، ليس لدولة الاحتلال مصلحة في تحويل هذه القضية لمواجهة علنية مع إدارة ترامب، أو حتى القيادة السعودية، ولأنها قضية حساسة، تنصح الأوساط البحثية والتحليلية بضرورة إجراء حوار مكثف وسري مع واشنطن، هدفه الأساسي تقليل المخاطر قدر الإمكان من خلال آليات تفتيش أكثر صرامة، واعتماد البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفرض قيود على التخصيب وإعادة المعالجة، وضمان إمداد الوقود النووي من مصادر خارجية.
إبعاد السعودية عن الصين وروسيا
يتوافق الإسرائيليون على أن اتفاق بين الولايات المتحدة والسعودية ربما يسعى لترسيخ التعاون النووي المدني لعقود، والحدّ من نفوذ الصين وروسيا في المملكة، رغم أن غياب قيود صارمة على تخصيب اليورانيوم قد يُقوّض التوازن الإقليمي، ويُعرّض دولة الاحتلال لواقع استراتيجي أكثر خطورة، رغم أن هذه محاولة أمريكية لإعادة تشكيل التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وهي في الوقت نفسه مقامرة محفوفة بالمخاطر بشأن مدى الحرية النووية التي يمكن منحها للرياض دون إشعال سباق تسلح إقليمي.
خبير الشئون الأمنية والاستراتيجية، البروفيسور عوزي رابي، أعرب عن مخاوفه من قيام "إدارة ترامب بفصل التعاون النووي مع السعودية عن شرط تطبيع علاقاتها مع إسرائيل أولاً، بعد أن كان هذا الخيار يطرح سابقا بهدف تعميق التحالف الاستراتيجي مع واشنطن، وتصعيد المواجهة المشتركة مع إيران، وتقريب الرياض وتل أبيب في المستقبل، رغم عدم وجود التزام سعودي بذلك في الاتفاق".
وأضاف في مقال نشره موقع "واللا"، وترجمته "عربي21" أنه "من وجهة نظر إسرائيل، فإن فصل التطبيع عن التعاون النووي يعني أن السعودية قد تحصل على مكسب استراتيجي هام، دون أن تضطر لتغيير علاقاتها مع إسرائيل بهذه المرحلة، مع أن الخطر، من وجهة النظر الإسرائيلية، لا ينبع من نوايا الرياض الحالية فحسب، بل من السابقة التي يُرسيها الاتفاق، لأنه قد يُغيِّر موازين القوى الإقليمية، وهذا بحد ذاته يُعدّ مقامرة".
لا يختلف إسرائيليان على أنه إذا كانت الإدارة الأمريكية عازمة على المضي قدمًا في الاتفاق مع الرياض، فقد لا تنجح محاولات إلغائه، وفي هذه الحالة، فقد سيكون من الأنسب محاولة التأثير على بنوده، لاسيما إعادة التطبيع إلى صلب الاتفاق، وبدلًا من الاكتفاء برفضه، فإنه يمكن لدولة الاحتلال أن تسعى لتحويل هذه الخطوة إلى ورقة ضغط سياسية.
سباق التسلح
من وجهة نظر أخرى، لا تقل خطورة عن سابقاتها، فإن دولة الاحتلال ترى أن التعامل مع واقع إقليمي لا تقتصر المعرفة النووية، والبنية التحتية، والقدرة على الاقتراب من عتبة التسلح النووي، لا تقتصر على إيران فحسب، بل تطالب فيه دول عربية رئيسية بمسار مماثل، فإذا قبلت السعودية بشروط متساهلة، فقد تطالب دول مثل تركيا ومصر والإمارات العربية المتحدة بمعاملة مماثلة.
صحيح أن الولايات المتحدة تحاول القيام بمناورة دقيقة تتمثل باحتواء إيران من خلال تعزيز قدرات السعودية، لكن ذلك قد يُحوّل هذا التعزيز إلى بداية سباق نووي، وفي مثل هذه الحالة فقد تُنشئ هذه الخطوة برنامجًا نوويًا للرياض تحت إشراف أمريكي، في أحسن الأحوال، أم أنها تُرسّخ سابقةً ستستغلها دول المنطقة عندما يتلاشى الثقة في واشنطن، وهنا قد تحرم دولة الاحتلال من احتكار السلاح النووي في المنطقة.