مع العام الجديد تتصاعد الآمال أن يكون عام خير، ونماء يجلب السعادة للجميع كى يرشف كل إنسان من معين حياة رحبة تضفي البهجة، وتشيع الأمل في تحقيق كل ما يراودنا من أمنيات. مع العام الجديد نأمل في استعادة البهجة في الأراضي الفلسطينية بعد عامين من حرب غزة، وأن تخرج الضفة الغربية من أتون الاحتلال الذي حولها إلى أراضٍ مقطعة الأوصال وإلى مستوطنات إسرائيلية متنامية.
وكانت دولة بني صهيون قد رفضت قيام أربع عشرة دولة غربية بإدانة قرار إقامة مستوطنات جديدة في الضفة، وبادر " جدعون ساعر" وزير خارجيتها الآثم في معرض الرد قائلاً: (إن الحكومات الغربية لن تقيد حق اليهود في العيش في أرض إسرائيل، وإن أي دعوة من هذا القبيل تعد خاطئة أخلاقيًّا وتشكل تمييزًا ضد اليهود)، وأضاف: (بأن قرار الحكومة إنشاء إحدى عشرة مستوطنة جديدة، وإضفاء الطابع القانونى على ثماني مستوطنات إضافية يهدف من بين أمور عدة إلى المساعدة في التعامل مع التهديدات الأمنية التي تواجهها إسرائيل).
الجدير بالذكر أن أربع عشرة دولة غربية من بينها بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، وكندا قد أصدرت بيانًا دعت فيه إسرائيل إلى التراجع عن قرارها، والكف عن توسيع المستوطنات. وأضافت: (إن مثل هذه الإجراءات الأحادية التي تتخذها إسرائيل تعد انتهاكًا للقانون الدولى، كما أنها تشكل تهديدًا ينذر بتقويض وقف إطلاق النار في غزة وفقًا للاتفاق الذى تم مؤخرًا). أما وزارة الخارجية الفلسطينية فلقد اعتبرت القرار الإسرائيلي بإنشاء مستوطنات جديدة خطوة خطيرة تهدف إلى إحكام السيطرة الاستعمارية على الأرض الفلسطينية بأكملها.
لطالما تم وصف الضفة الغربية بالجبنة السويسرية للتعبير عن حالة عدم وجود أراضٍ فلسطينية متصلة فيها بسبب وجود مستوطنات إسرائيلية متنامية عامًا بعد آخر. ويأتى هذا في أعقاب عقود من الاستيطان الإسرائيلى، بالإضافة إلى التلميحات المستمرة من قبل المسؤولين الصهاينة عن ضم الضفة الغربية إلى دولة إسرائيل أسوة بـ"هضبة الجولان، والقدس الشرقية"، اللتين جرى احتلالهما من قبل الكيان الصهيوني عام 1967، ليتحول المشهد بعد ذلك إلى تصريحات متعاقبة، وخطوات رسمية من جانب إسرائيل تدفع نحو هذا الاتجاه. وكان الكنيست قد صوت في قراءة تمهيدية لصالح مناقشة مشروعي قانون يهدفان إلى توسيع السيادة الإسرائيلية في الضفة الغربية، وهو التصويت الذي يعتبر الأول من نوعه من بين أربعة إجراءات تصويت من اللازم أن تتم من أجل إقرار القانون.
ضم "الضفة" الذي تطمح فيه إسرائيل يعنى فرض سيادتها عليها كليةً، وهو إجراء مخالف للقانون الدولي سبق أن قامت به إسرائيل في القدس الشرقية المحتلة، وتهدد بفعله اليوم في الضفة الغربية المحتلة لا سيما وأن السياسيين في اليمين المتطرف يحرصون على ضم الضفة في أقرب وقت حيث إن ذلك يشبع رغبة الكيان الصهيوني في إزالة أي إمكانية لإقامة دولة فلسطين. وهذا ما سبق وعبر عنه "بتسلئيل سمو تريش" وزير المالية بقوله: (مهمتى فى الحياة هى منع إقامة دولة فلسطين).
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: الضفة الغربیة
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود