لم يكن مستغربًا أن يصف المفكرون، السياسيون، والمحللون أوروبا، ومنذ الحرب العالمية الثانية بالقارة العجوز، لمّ لا وقد أثبتت دول الحلفاء في أوروبا عجزها وحدها عن صد القوة النازية في تلك الفترة، ولولا تدخل أمريكا وروسيا لكانت ألمانيا قد سيطرت على كامل أوروبا، ووصولاً إلى الواقع الذي تعيشه أوروبا الآن فقد استيقظت دولها على تخليها لصناعتها القوية لصالح الصين ودول آسيوية أخرى، واكتشافها بأن معداتها العسكرية المتطورة عاجزة عن الوقوف عن حماية أوكرانيا، ووقف التمدد الروسي فيها، ناهيك عن تراجع الاقتصاد الأوروبي، وسيطرة وتحكم أمريكا في كل الأمور العسكرية والسياسية على أوروبا ودول العالم، فمع الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حدثت متغيرات كثيرة في نهج السياسة الأمريكية الخارجية على مستوى العالم، وجعل شعار أمريكا أولاً فوق كل اعتبار، والدليل هو خروج أمريكا من الكثير من المؤسسات الدولية، بل وخروجها عن الأعراف والقوانين الدولية، وفرضها ضرائب جمركية باهظة على واردات الكثير من دول العالم، على رأسها الغرب الحليف الاستراتيجي لأمريكا، والأهم من ذلك هو التهديد الأمريكي بفرض العقوبات، وإمكانية استخدام القوة العسكرية المتطورة للتدخل في شئون العالم، وصولاً إلى تخلي أمريكا عن نصرة أوكرانيا والوقوف في وجه روسيا كما كانت ترغب أوروبا التي أثبتت عجزها عن ردة الفعل، ما يعني تخلي أمريكا عن حماية الأمن القومي الأوروبي، مقابل عجز دول الاتحاد عن تكوين جيش أوروبي موحد بعد فوات الأوان، ما جعل أمريكا تشن حربها على إيران وتهدد الصين، بل وبتدخلها السافر مؤخرًا في شئون دول أمريكا الجنوبية، واعتبار تلك القارة امتدادًا للأمن القومي الأمريكي، ودليل ذلك خطف الرئيس الفنزويلي "نيكولاس مادورو"، وتهديد أمريكا بالتدخل في شئون دول لاتينية أخرى، والأخطر من كل ذلك هو سعي أمريكا ترامب إلى ضم جزيرة جرينلاند الدنماركية، ومما يعني صراحة تهديد الأمن القومي الأوروبي، والتعدي على إحدى دوله، فقد أصبحت جزيرة جرينلاند الدنماركية هدفًا يسعى إلى تحقيقه الرئيس الأمريكي ترامب، وذلك بعد أن وضعها على أهم أهدافه وأولوياته، واعتبارها موقعًا هامًّا للأمن القومي الأمريكي، والخشية من توغل روسيا والصين في تلك المنطقة، إضافة إلى أن الجزيرة تحتوي على كم كبير من النفط والغاز والثروات المعدنية النادرة التي تعمل أمريكا على سرعة امتلاكها، ودليل ذلك الاجتماع الأخير الذي عقد مؤخرًا في واشنطن بين ممثلين عن الدنمارك مع ممثلين عن جرينلاند الذي يتمتع بالحكم الذاتي، وبين ممثلين عن الإدارة الأمريكية، تلك الإدارة التي ضربت بعرض الحائط المصالح الغربية، وعدم احترامها لحلف الناتو الذي من أهم أولوياته الحفاظ على أمن دوله، الأمر الذي يرهص بدوره إلى اقتراب انفراط عقد هذا الاتحاد، وتفكيكه في أي لحظة، ومن الدليل على ذلك هو إعلان نائبة مجلس الشيوخ الفرنسي مؤخرًا بتهديد فرنسا الانسحاب من حلف الناتو، وذلك بسبب السياسات الأمريكية الخارجة على القوانين والأغراض الدولية، وتخلي الرئيس ترامب عن حفاظه على العلاقات الاستراتيجية والمصالح الأوروبية التي كانت قائمة بين الطرفين لعقود، ومن ذلك فرض الرئيس ترامب الكثير من الرسوم الجمركية على الواردات الأوروبية، وانتقاد ترامب مؤخرًا لأوروبا، واعتبارها تسير في الاتجاه الخاطئ، ومن أن أمريكا لا تريد السماح لأوروبا أن تتغير أو تتقدم كثيرًا عن المسموح به، والأخطر من ذلك تهديد ترامب لدول الاتحاد الأوروبي بإمكانية قيامه بدعم الأحزاب القومية في تلك البلدان لتغيير أنظمتها، وقلب الطاولة عليها، وتسخير أوروبا في النهاية لخدمة القوة الأمريكية العظمى، وأمام خطوة ترامب نحو الاستيلاء على جرينلاند، قامت فرنسا بإرسال مجموعة أولى من العسكريين الفرنسيين إلى الجزيرة للمشاركة في المناورات مع القوات الدنماركية، وقوات إقليم جرينلاند، مع وصول قوات أخرى من ألمانيا، والسويد إلى الإقليم لدعم الدنمارك في تلك المحنة.
ومع كل المحاولات الأوروبية جاءت بعد فوات الأوان، فإن الواقع يقول أن أوروبا العجوز، ورغم اتحادها، قد أصبحت هشة، منقسمة، مخترقة، وغير قادرة على حماية مصالحها ومواجهة الهيمنة الأمريكية التي هيمنت على بلدان العالم، ورغبتها في التغول الآن في جرينلاند، ولربما دول أخرى في أوروبا ودول العالم.
المصدر
المصدر: الأسبوع
إقرأ أيضاً:
حالة “ترامب” في عالم “الأقطاب”!
من المؤكد أنه لا إيران ولا أحد في المنطقة يريد الحرب، والحروب الأمريكية الصهيونية هي التي فرضت على إيران وأجبرتها على المواجهة للدفاع عن النفس وهو حق مشروع..
ومع ذلك وحين تمارس إيران حق الدفاع عن النفس عسكرياً أو سياسياً تفاوضياً، يبرز من يستهدف إيران ليطرح مثلاً أن إيران هي من تريد الحرب أو الحروب وقد يطرح أن موقف إيران في التعامل مع اليورانيوم المخصب أو حتى القوة الصاروخية هو تشدد وتطرف بمثابة استدعاء أو دعوة للحرب.
المتأمركون والمتصهينون لا يقبلون بأي موقف إيراني سوى استسلام إيران ولو قبلت إيران بذلك فسيسمون ذلك أنه السلام بل وقد يقبلون بعد استسلام إيران منحها عناوين إنجازات وانتصارات، فذلك لا يضر ما دامت إيران قبلت بالاستسلام..
ما يحدث مع إيران يعيدني إلى حرب ١٩٧٣م بين العرب وإسرائيل وهذه الحرب انتهت بوقف إطلاق نار ثم وساطة أو وسيط أمريكي “كيسنجر” ومفاوضات بإشراف أمريكي، والطريف أن مصر رفعت شعار أنها انتصرت وكانت تحتفل ولا زالت تحتفل في ٦ أكتوبر باعتباره عيد نصر وإسرائيل تؤكد أنها من انتصر في هذه الحرب وتحتفل بطريقتها، وبالتالي فالنصر الذي جاء من المفاوضات وبتفعيل أمريكي هو الأهم وفي سيناء مثلاً فالسيادة اعتمدت لمصر ولكن الأمن في سيناء هو لصالح إسرائيل فمنحت مصر السيادة شكلياً ولا معنى لها أو قيمة في ظل منح الأمن في سيناء لإسرائيل والواضح من هذا أن أمريكا منحت النصر لإسرائيل من خلال سيطرتها على سيناء أمنياً..
هكذا يراد استسلام إيران من خلال المفاوضات وستجد مُنظِّراً عربياً في الفضائية الروسية يقول بتسليم إيران لليورانيوم المخصب لأمريكا وقبول شروط أمريكا في المسألة النووية ومعالجة مسألة قوتها الصاروخية ومدى صواريخها، ستحقق مكاسب كبيرة وكثيرة، بل ويقدم ذلك على أنه انتصار لإيران، ومثل هذا ظل يقال لمصر والنتيحة واقعياً كحال مصر غير ما قيل وما ظل يقال مصرياً وأمريكياً..
المعضلة الكبرى وفي حالة عالمية تختلف، هي أن إيران ترفض رفضاً قاطعاً الإستسلام لا على الطريقة المصرية العربية وربطاً بها الليبية والعراقية وذلك ما يجعل ترامب أمريكا في تخبطات وتوهان وإنفعالات وتناقضات يصعب فهمها ويصعب قياسها خاصة وأمريكا طرف أساسي وأصيل في العدوان على إيران، وما تريده أمريكا مثلاً هو أن تمنح السيادة على مضيق هرمز لإيران، فيما الأمن والحركة في المضيق لأمريكا في محاكاة حالة سيناء، وأرى أن مثل هذا تم تجاوزه عالمياً أو دولياً..
أمريكا مترددة بين استحقاقات السلام في المنطقة، بل وفي العالم وبين خيار الحرب الذي باتت نتائجه بالأوضح والأرجح في غير صالح أمريكا، وقد يدفعها إلى وضع أشد صعوبه إما بطريقة فيتنام أو إفغانستان..
ترامب منذ مجيئه وصل به الحال إلى القول: «إن الله هو الذي اختاره ليعيد العظمة لأمريكا أو يعيد أمريكا إلى عظمتها”..
ما دام ترامب جيء به ليعيد العظمة لأمريكا أو يعيد أمريكا لعظمتها، فهو بوضوح يعترف أن أمريكا لم تعد العظمى أو العظيمة وكان يعنيه وعليه أن يتعامل مع العالم بواقعية وعقلانية هذا الإعتراف، ولكنه -بدلاً من ذلك- سار في كل أشكال الغطرسة والبلطجة وزج به زجاً إلى العدوان على إيران من أجل الكيان الصهيوني وتناسى إعادة العظمة لأمريكا وحتى شعار “أمريكا أولاً” ليتم اقتياده إلى شعار “إسرائيل أولاً”..
إذا الصهيونية فرضت على ترامب السير في خط “إسرائيل أولاً”، فوضع اللا حرب واللا سلم فرضه واقع ومتغيرات العالم فرضت ذلك فرضاً عليه، لأنه بات كفاقد القدرة على السير في خيار واستحقاقات السلم والسلام وهو يكذب وسيواصل في تهديدات، فيها هو فاقد القدرة على السير في خيار لحرب الذي يهدد به..
أمريكا لم تفقد في العهد “الترامبي” فقط العظمة أو العظمى، بل فقدت الهيبة والمهابة، بالرغم من كونها لا زالت حقيقة بين القوى العظمى وستظل بين أقطاب العالم متعدد الأقطاب!!.