قسد لم تسقط وتفشل.. قراءة في المشهد العسكري والسياسي شرق سوريا
تاريخ النشر: 19th, January 2026 GMT
أعاد مقطع مصور متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، حمل عنوان «قسد لم تسقط ولم تفشل»، فتح النقاش مجدداً حول وضع قوات سوريا الديمقراطية ومستقبلها في المشهد السوري المعقد، خاصة في ظل التطورات المتسارعة عسكرياً وسياسياً في شمال وشرق البلاد.
ويعكس العنوان حالة من الجدل الواسع بين من يرى أن «قسد» تعرضت لانتكاسات متتالية أفقدتها قدرتها على الاستمرار، ومن يؤكد أن ما يجري لا يرقى إلى مستوى السقوط أو الفشل، بل يدخل في إطار إعادة التموضع والتكيف مع متغيرات الميدان.
قوات سوريا الديمقراطية، التي تشكلت عام 2015 بدعم مباشر من التحالف الدولي، لعبت دوراً محورياً في محاربة تنظيم داعش، وتمكنت من السيطرة على مساحات واسعة شرق نهر الفرات.
ورغم الضغوط العسكرية التي تعرضت لها خلال السنوات الماضية، سواء من العمليات التركية أو من التهديدات المستمرة للتنظيمات المتطرفة، فإنها لا تزال تسيطر على مناطق استراتيجية تضم موارد طبيعية وبشرية مهمة، ما يمنحها وزنوً لا يمكن تجاهله في المعادلة السورية.
التحديات التي تواجه «قسد» لا تقتصر على الجانب العسكري فقط، بل تمتد إلى البعد السياسي والإداري.
فالإدارة الذاتية التي تشرف عليها القوات تواجه انتقادات داخلية تتعلق بالأوضاع الاقتصادية والخدمية، إلى جانب ضغوط خارجية تتعلق بمستقبل الوجود الأميركي في المنطقة، وإمكانية حدوث تفاهمات إقليمية أو دولية قد تعيد رسم خريطة النفوذ.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذه التحديات لم تؤدِ إلى انهيار بنية «قسد» أو تفككها، بل دفعتها إلى البحث عن خيارات جديدة لضمان الاستمرار.
ويشير محللون إلى أن وصف «الفشل» لا ينطبق على قوة لا تزال تمتلك هيكلاً عسكرياً منظماً وتحظى بدعم دولي نسبي، وتدير مناطق واسعة بشكل فعلي.
كما أن الخطاب الذي يؤكد أن «قسد لم تسقط» يعكس محاولة لتصحيح ما يعتبره أنصارها مبالغة في تصوير أي تراجع تكتيكي على أنه هزيمة استراتيجية.
فالتاريخ العسكري في سوريا أثبت أن القوى الفاعلة تمر بمراحل صعود وهبوط دون أن يعني ذلك نهايتها.
في المحصلة، يوضح المشهد الحالي أن «قسد» تقف عند مفترق طرق، بين الاستمرار في دورها الحالي، أو إعادة صياغة علاقتها مع الأطراف السورية والإقليمية.
لكن المؤكد، وفق الوقائع الميدانية والسياسية، أن الحديث عن سقوطها أو فشلها بشكل نهائي لا يستند إلى معطيات حاسمة، بقدر ما يعكس صراع الروايات حول مستقبل شرق سوريا ودور القوى المسيطرة عليه
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: سوريا عاجل مشهد عسكري قسد
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..