الجزيرة:
2026-06-03@02:43:07 GMT

الخديعة السياسية المتقنّة في السودان

تاريخ النشر: 19th, January 2026 GMT

الخديعة السياسية المتقنّة في السودان

منذ اندلاع الحرب في السودان، أصبح الحديث عن "الهدن الإنسانية" لازمة سياسية تتكرر كلما بلغت الكارثة الإنسانية ذروتها.

غير أن الهدنة المطروحة اليوم تأتي في سياق مختلف وخطير، إذ جاءت عقب ارتكاب قوات الدعم السريع (مليشيا الدعم السريع) جريمة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في مدينة الفاشر بإقليم دارفور، وهي من أبشع الجرائم الإنسانية في تاريخ السودان الحديث، بل وفي تاريخ البشرية جمعاء.

لقد تحولت الفاشر، التي كانت رمزا للتنوع والتعايش، إلى مدينة مدمرة، خاوية من سكانها. وفي أعقاب هذه الجريمة الكبرى، عاد المجتمع الدولي مرة أخرى لطرح خيار "هدنة إنسانية".

وهذا يستدعي قراءة سياسية متأنية لا تتوقف عند الشعارات الأخلاقية، بل تغوص في دوافع هذا الطرح وما قد يترتب عليه من نتائج، لا سيما على صعيد وحدة السودان الجغرافية والاجتماعية والسياسية.

طريق للسلام أم بوابة للتفكك؟

يقال في الثقافة الشعبية: "إذا رأيت فقيرا يأكل دجاجا، فإما أن الفقير مريض أو أن الدجاجة مريضة". هذا المثل يلخص جوهر الشكوك السياسية المشروعة حول توقيت هذه الهدنة.

فالهدن الإنسانية، من حيث المبدأ، تهدف إلى التخفيف من معاناة المدنيين، وقد تمهد الطريق لإنهاء النزاعات. غير أن ما يثير القلق في الحالة السودانية أن هذه الهدنة طرحت بعد وقوع الكارثة، لا قبلها- وبعد أن رفضت قوات الدعم السريع بشكل قاطع أي التزامات إنسانية، بما في ذلك حماية المستشفيات وتأمين ممرات آمنة لهروب المدنيين.

وقد ظلت المنظمات الإنسانية تعمل في معظم أنحاء السودان، بما فيها دارفور، رغم تعقيدات الوضع الأمني، ومن دون وجود هدنة قانونية موقعة. وهو ما يطرح السؤال الجوهري: لماذا يتم الدفع بهذه الهدنة الآن؟ ولصالح من تطرح هذه الهدنة في هذا التوقيت تحديدا؟

هذا التناقض يفتح الباب أمام الشك في أن الغاية تتجاوز الاعتبارات الإنسانية، لتمتد نحو إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي للبلاد.

إعلان الهدن في التجربة التاريخية

يمتلئ التاريخ الحديث بأمثلة تحولت فيها الهدن الإنسانية من أدوات لخفض التصعيد إلى مقدمات للتفكك والانفصال. ففي الصحراء الغربية، وليبيا، والصومال، واليمن، وجنوب السودان، لم تكن الهدن دائما جسورا نحو السلام؛ بل كثيرا ما كانت مراحل انتقالية نحو تقسيم الدول وتقويض سيادتها.

وفي السياق السوداني تحديدا، تعد عملية "شريان الحياة للسودان" (Operation Lifeline Sudan) التي أطلقتها الأمم المتحدة عام 1989 مثالا صارخا على توظيف العمل الإنساني كبوابة سياسية، انتهت بانفصال جنوب السودان عبر استفتاء جاء بعد عملية طويلة من تطبيع فكرة الانقسام.

أما الوضع الحالي، فهو أخطر وأكثر تعقيدا. فليس الأمر تفاوضا بين حكومة وحركة سياسية ذات مطالب وطنية، بل هو مشهد غير مسبوق يتمثل في طرفين كل منهما يدعي تمثيل "الحكومة" في دولة واحدة: الحكومة الشرعية من جهة، وقوات الدعم السريع الساعية إلى تأسيس كيان موازٍ من جهة أخرى.

فخ الاعتراف السياسي المقنع

التفاوض بين "حكومتين" داخل الدولة الواحدة ليس فقط أمرا غير مسبوق في السودان، بل يعد فخا سياسيا بالغ الخطورة، يهدف إلى انتزاع اعتراف سياسي بكيان فعلي قائم تحت مظلة الهدنة.

فمجرد التوقيع المشترك يمنح الطرف المتمرد مساواة وشرعية، وهو ما يناقض جذريا التضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب السوداني دفاعا عن وحدة الدولة وسيادتها.

إن هذا المسار يعد خرقا مباشرا للمبادئ الأساسية التي ضحى من أجلها الرجال وتأيّمت من أجلها النساء؛ فقد انتهكت قوات الدعم السريع مبدأ الوحدة من خلال استقدام عناصر أجنبية ومرتزقة، واستغلال الدعم الخارجي لفرض تغييرات ديمغرافية قسرية، ومحاولة إعادة تشكيل السودان وفق أجندات لا تعبر عن إرادته الوطنية.

كما يقوض السعي إلى حكومة موحدة وشرعية دستورية عبر الدفع بمشروع "حكومة موازية"، ما يضرب أسس الدولة التي قامت منذ الاستقلال، ويفتح الأبواب أمام فوضى سياسية وتفكك مؤسسي.

أضف إلى ذلك أن وحدة المؤسسة العسكرية باتت مهددة، إذ تعتمد قوات الدعم السريع على أسلحة ومعدات قتالية تتلقاها من دول أجنبية، وعلى النهب والتمويل الذاتي، في ممارسات تناقض كل حديث عن إصلاح أمني أو بناء جيش وطني موحد، بل تمهد لقيام جيوش متعددة داخل الدولة الواحدة.

التفاوض بين "حكومتين" داخل الدولة الواحدة يعد فخا سياسيا بالغ الخطورة، يهدف إلى انتزاع اعتراف سياسي بكيان فعلي قائم تحت مظلة الهدنة

غموض المفاوضات وغياب الشفافية

تتعمق المخاوف مع الغياب الكامل للشفافية في مسار الهدنة. لماذا تعقد المفاوضات خلف الأبواب المغلقة؟ ولماذا يقصى الشعب السوداني عن معرفة ما يتفق عليه باسمه؟ كيف لدول أجنبية أن تتفاوض نيابة عن شعب ينزف تحت نيران الحرب والنزوح؟ من أحق بقيادة جهود السلام من الشعب نفسه؟ وهل هناك أولويات أسمى من وقف حرب يكتوي بنارها الجميع؟

والأدهى من ذلك أن الطرف الذي "يمسك القلم" في العملية السياسية، هو نفسه الذي "يمسك البندقية"، ويمارس القتل والتطهير العرقي- وهي مفارقة أخلاقية وسياسية لا يمكن قبولها.

تشير القراءة الشاملة لما يجري إلى أن هذه الهدنة أقرب إلى أن تكون مدخلا لتفكيك الدولة السودانية، لا جسرا لإنقاذها. وقد تقود إلى ترسيخ الانقسام: مناطق نفوذ، جيوش متعددة، عملات مختلفة، بنوك مركزية متوازية، وزارات خارجية متنازعة، وجوازات سفر متضاربة- دولة بلا دولة، وسيادة بلا سيادة.

إعلان

وهذا مرض معدٍ، سيطال عاجلا أم آجلا كل من يقيم على الساحل، وعند مصب النهر ومنبعه على السواء.

بين الواجب الإنساني واليقظة الوطنية

لا خلاف على أولوية تحسين الأوضاع الإنسانية وحماية المدنيين. لكن الهدنة التي يدفع نحوها اليوم قد تجلب استقرارا مؤقتا بثمن إستراتيجي باهظ: وهو تآكل وحدة السودان.

فالواجب الوطني يقتضي أقصى درجات الحذر والتيقظ، خشية أن تتحول هذه الهدنة إلى فخ سياسي، يزج بمشروع تفكيك الدولة إلى الأمام. نعم، الأزمة ضاربة في الجذور، وتراكماتها التاريخية عميقة، ولكن التاريخ لا يغفر لمن يفرط في وطنه، ولا يعفي من يقايض السيادة الوطنية بإملاءات الخارج.

يبقى الأمل معقودا على وعي الشعب السوداني، وعلى قدرته في التوحد لمواجهة هذه اللحظة الحاسمة، دفاعا عن وطن واحد، وجيش واحد، ودولة واحدة: دولة ترفض التقسيم والوصاية، ولا تقبل سوى إرادة شعبها، ضمن نظام وإطار لا مكان فيه للاستيلاء بالقوة، ولا لفرض الأمر الواقع تحت تهديد السلاح.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات قوات الدعم السریع هذه الهدنة

إقرأ أيضاً:

مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف

 

قال تقرير دوري لمجلس الأمن الدولي إن الحرب في السودان دخلت مرحلة أقرب إلى “حرب استنزاف” طويلة الأمد، مع استمرار تدفق الأسلحة والدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، وترسخ ما وصفه بانقسام فعلي لمناطق السيطرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.

التغيير ــ وكالات

وأوضح التقرير الشهري الصادر في أول يونيو الجاري أن النزاع، الذي دخل عامه الرابع، يشهد تصعيداً في عدة جبهات، لا سيما في إقليمي دارفور وكردفان، بالتزامن مع توسع استخدام الطائرات المسيرة والأسلحة المتطورة، الأمر الذي يزيد من مخاطر امتداد تداعيات الحرب إلى دول الجوار.

وأضاف أن استمرار القتال أدى إلى مزيد من تفكك مؤسسات الدولة وإضعاف هياكل الحكم الهشة أصلا، في وقت لم تنجح فيه حتى الآن الجهود الإقليمية والدولية في تحقيق تقدم ملموس نحو تسوية تفاوضية أو وقف مستدام لإطلاق النار.

وأشار التقرير إلى أن الخلافات بين أعضاء مجلس الأمن لا تزال تعرقل التوصل إلى مواقف موحدة بشأن عدد من القضايا المرتبطة بالنزاع، بما في ذلك حماية المدنيين وآليات المساءلة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني، رغم توافقهم على ضرورة وقف الأعمال القتالية وضمان وصول المساعدات الإنسانية.

وحذر التقرير من استمرار التدهور الإنساني، مشيراً إلى أن 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم 135 ألفاً في ظروف كارثية.
كما لفت التقرير إلى أن الوصول الإنساني لا يزال يواجه قيوداً كبيرة بسبب انعدام الأمن والعقبات اللوجستية والإدارية، فيما تظل عدة مناطق في دارفور وكردفان معرضة لخطر المجاعة.

وفي الجانب الحقوقي، أشار التقرير إلى تصاعد المخاوف بشأن تأثير الطائرات المسيّرة على المدنيين والبنية التحتية المدنية، في ظل تقارير أممية تفيد بارتفاع أعداد الضحايا المدنيين المرتبطين بهذه الهجمات خلال الأشهر الأخيرة.

ومن المتوقع أن يتلقى مجلس الأمن خلال شهر يونيو الإحاطة الدورية الخاصة بالوضع في السودان، والتي تُقدَّم كل 120 يوماً.

كما يُنتظر أن يتلقى المجلس خلال الشهر إحاطة بشأن أعمال لجنة العقوبات المنشأة بموجب القرار 1591 الخاصة بالسودان. إلا أنه حتى وقت إعداد التقرير لم يكن قد تم تعيين رئيس اللجنة، نظراً لعدم توصل أعضاء المجلس بعد إلى اتفاق بشأن توزيع رئاسة الهيئات الفرعية التابعة للمجلس خلال العام الحالي.

ويشهد السودان منذ أبريل 2023 حرباً بين الجيش وقوات الدعم السريع أودت بحياة عشرات الآلاف، وأدت إلى نزوح ولجوء ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها، في أزمة تصفها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ في العالم.

الوسوماستنزاف انقسام داخلي حرب السودان مجلس الأمن الدولي

مقالات مشابهة

  • ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺤﺮب اﻷﻫﻠﻴﺔ ﻓﻰ اﻟﺴﻮدان.. و»اﻟﺒﺮﻫﺎن« ﻳﻄﺎرد اﻟﻤﺮﺗﺰﻗﺔ
  • وزيرة الثقافة: مصر وطن التعايش وملاذ الإنسانية عبر العصور
  • رهاب العلمانية!
  • مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف
  • سازان..الجزيرة الخفية لـ إيفانكا ترامب
  • أبل تطور ميزة جديدة لحماية آيفون من السرقة والخطف السريع
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
  • الذهب يواصل الصعود عالمياً وسط ترقب التطورات السياسية
  • دانا أبو شمسية: التطورات السياسية والعسكرية في إسرائيل تشهد حالة من التباين
  • التطورات السياسية والعسكرية في إسرائيل تشهد حالة من التباين